الفصل 22
“سمك مخمر؟ أهو لذيذ؟”
سأل ليون وهو يعبس بملامحه.
“أمم، لا أظنه لذيذًا. هل يتوجب علينا تناولهوحقاً يا ليليث؟”
“أجل، لقد أتيتُ إلى هنا لتناوله حصرياً…”
أجبت بصوت متجهم ومحبط متظاهرة بالخيبة بينما كان ثيو يحاول ثنيي.
رغم أنها كانت محادثة عادية بين أطفال نبلاء، إلا أن المرأة كانت تصغي بكل حواسها دون أن تفوت كلمة واحدة.
ولابد أنها أدركت من خلال هذا الحديث.
أن التوأمين لا يدركان حقيقة هذه النقابة السرية، وأن الشخص الذي يمتلك غرضاً حقيقياً هو الطفلة الصغيرة وحدها.
وما إن انتهت المرأة من استيعاب الموقف سريعاً حتى رسمت ابتسامة اعتذار:
“هذا الطبق غير متوفرٍ في القائمة، لكنني سأقوم بإعداده خصيصاً إن أردتم.”
“حقا؟ من فضلكِ اطبخيها لي!”
“يا ليليث، أخبرتكِ ألا تستخدمي صيغة الاحترام في الحديث.”
“دعها وشأنها أيها الأحمق.”
وسط تبادل أطراف الحديث بين التوأمين، تبادلت أنا والمرأة نظرات خاطفة ومفهومة.
“هل لدى الضيف الكريم طريقة طبخ خاصة تفضلونها؟”
“نعم. هل لي أن أشرحها لكِ مباشرة من المطبخ؟”
“إن لم يكن ذلك إزعاجاً.”
نزلت بخفة وسرعة من الكرسي.
“أيها الأخوان، انتظرا قليلاً. سأذهب إلى المطبخ لبعض الوقت.”
“هذه الفتاة تمتلك غرابة أطوار في كل شيء، من ذوقها وحتى تفضيلاتها.”
“ليليث، أأذهب معك؟”
حين حاول ثيو مرافقتي، أغلقت أنفي بيدي.
“أوف. رائحة السمك قوية للغاية… أستكون بخير يا أخي؟”
“آه…”
وباعتباره نبيلاً أباً عن جد، بدا التردد واضحاً على ملامح ثيو.
“هيهي، إنه المطبخ المجاور هنا فحسب، فلا تقلق. سأذهب وأعود برفقة هذه الأخت. انتظرا قليلاً فحسب.”
“حسناً، إذن. فهمت.”
بعد أن تركت ثيو يجلس دون أدنى شك وتحركت مبتعدة عن الطاولة، تبعت المرأة حيث قادتني.
قادتني المرأة مباشرة نحو قبو شبه سفلي متصل بالمطبخ مباشرة. وهناك انكشف أمامي مشهد يختلف كلياً عن المطعم في الأعلى.
“ريكو، لقد جاء زبون.”
باب واحد منفرد ووحيد.
وبعد ثوانٍ من الصمت المطبق، انبعث صوت خافت من الداخل:
“…أدخلها.”
فتحت المرأة الباب.
كانت عتمة الداخل مضاءة ببضع شمعات خافتة، وجلس زعيم النقابة ‘ريكو’ في منتصف الغرفة تماماً.
طك.
بعد أن أدخلتني، أغلقت المرأة الباب واختفت في الخارج.
‘أوف. الأجواء مخيفة حقاً.’
تقدمت ببطء نحو ريكو.
تماماً كما وُصف في الرواية الأصلية، كان ريكو يرتدي قناع مهرج أسود غريبٍ ومنفّر.
سيد نقابة المعلومات <النسر الأحمر>، ريكو، الذي يكن كراهية عميقة ومقيتة لأصحاب القدرات، النبلاء، والعائلة الإمبراطورية على حد سواء.
لم يكن يغيب عن ريكو شاردة ولا واردة تخص شؤون العاصمة.
وكان رجلاً يخاطر بحياته لجمع المعلومات التي قد تصلح لتكون ‘نقاط ضعف’ للنبلاء.
‘وحليفي المستقبلي المخلص لأبي. رغم أن ذلك سيكون بعد عدة سنوات من الآن.’
حين بدأ أبي يستعد للتمرد، اكتشف وجود هذه النقابة ووصل إلى ريكو.
وطريقتي في طلب عقد الصفقة كانت مقتبسة بالحرف من ذات الطريقة التي استخدمها أبي للعثور على هذا المكان في الرواية الأصلية.
“تفضل بالجلوس.”
“نعم، شكراً لك.”
بعد أن ألقيت التحية، استندت بيديّ على الأريكة المرتفعة بعض الشيء وصعدت بجهد لأجلس عليها.
ثم أخذت نفساً عميقاً.
“فوه. انتظر لحظة. فأنا أشعر ببعض التوتر.”
“……”
كان ريكو يراقبني عن كثب. وكأن الأجواء محاطة بنظرات استكشافية.
“كيف عرفتِ طريق هذا المكان؟”
“هاه؟ أأنتَ مهتم بمعرفة ذلك؟”
حككت وجنتي بخفة.
“يمكنني إخباركَ ولكن…”
القاعدة الأولى للصفقات.
لشراء معلومة ما، يجب سداد المقابل.
ليس بالمال، بل بـ ‘معلومة’ تعادل في قيمتها أهمية المعلومة المطلوبة.
“إن كنت مهتماً، فعليك أن تمنحني معلومة مفيدة بالمقابل أولاً، أليس كذلك؟”
ألم تكن هذه القاعدة تطبق على المرء نفسه أيضاً؟
لا يجوز طرح الأسئلة مجاناً.
“آه.”
أطلق ريكو ضحكة دهشة مقتضبة. وبدا وكأنه تفاجأ قليلاً خلف قناعه.
ثم رد بنبرة مبتسمة:
“حين أفكر بالأمر، يبدو كلامك صحيحاً. حسنأً. لا أرغب في المعرفة إلى درجة اضطراري لدفع ثمنها. فلندخل في صلب الموضوع إذن.”
شبك ريكو ساقيه وجمع يديه فوقهما.
“أنا أتقاضى العربون مقدماً. إن كانت لديكِ معلومات تحتاجينها، فامنحيني ثمن الصفقة أولاً.”
بمعنى أنه يطالب بمعلومة مجدية.
تنحنحت بخفة وعدلت نبرتي وقلت:
“مم، ما الذي قد يكون مفيداً… آه! قيل إن دوق إينوك روبنشتاين الذي اختفى قبل سبع سنوات قد عاد إلى العاصمة! أتعلم ذلك؟”
“أنا أعلم بذلك.”
“آها، أنت تعلم إذن! إذن معلومة أخرى! أنا ابنة ذلك الرجل. في السابعة من عمري، واسمي ليليث روبنشتاين!”
“وأنا أعلم ذلك أيضاً.”
“أوه. أنتَ تعلم هذا أيضاً.”
“أجئتِ للسخرية أم ماذا؟”
“كلا، أبداً.”
لوحت بيدي نافية وقلت:
“في الواقع، لم آتِ لشراء معلومات، بل جئت لأطلب منك خدمة! أما عن المعلومات، فأنا أعلم بما يكفي وأكثر. مم، على سبيل المثال…”
“……”
“…أن لدى الماركيز أونيكس ابناً خفياً مخفياً عن الأنظار؟”
“……!”
“كياهاهاها! لقد تفاجأت تماماً أليس كذلك! ألا تُعتبر هذه معلومة من الدرجة الأولى~؟”
قمت بسحب سبابتي كمن يطلق مسدساً وأنا أتظاهر بالمكر، فأطلق ريكو ضحكة ساخرة ومفاجئة.
“نعم، تفاجأت حقاً. أتساءل كيف لطفلة في السابعة من عمرها، ابنة دوق روبنشتاين الذي أتت إلى العاصمة قبل أربعة أيام فقط بعد أن عاشت طوال حياتها دون معرفة هويتها في زينون، أن تعرف أمراً كهذا، وما هو الغرض من مجيئكِ لرؤيتي.”
“هاه.”
“حسناً، سمعت أن سيد البرج السحري شخصياً زاركم وتأكد من موهبتكِ لكونكِ طفلة موهوبة.”
“لا، واو…”
يا له من رجل…
ريكو لا يخفى عنه شيء بالفعل. قدرته على جمع المعلومات أثارت الرعب في قلبي مجددا.
“أيها السيد ريكو!”
“…هـاه، نعم.”
“أنا أريد إنقاذ ذلك الطفل!”
“……”
صمت ريكو لبرهة أمام كلماتي.
وبمجرد الإفصاح عن الرغبة في الإنقاذ، لابد أنه أدرك تماماً.
وجود الابن غير الشرعي الذي أخفاه الماركيز أونيكس سراً، وحقيقة تعرض ذلك الطفل للتعذيب والمعاملة السيئة…
أنني أعلم بكل ذلك بالتفصيل.
“السر الذي ذكرته للتو، سر الماركيز… أرجو إيصاله عبر شخصٍ مجهولٍ للشخص القادر على إنقاذ ابن الماركيز!”
“آها، كنتِ بحاجة لوسيط إذن. ومن سترسلين إليه هذه الرسالة؟”
“أبي.”
“عفواً؟ قصدك دوق إينوك روبنشتاين؟”
“نعم. أبي لا يعرف حالياً سوى وجه ذلك الطفل، لذا سيستغرق وقتاً طويلاً للبحث عنه. وأبي عاد إلى العاصمة منذ فترة قصيرة… لذا فهو لا يزال جاهلاً بهذه الأمور.”
طويت أصابعي واحداً تلو الآخر وأضفت:
“بالإضافة إلى انشغاله بشؤون عائلته، وقريباً سيعود لفرقة الفرسان… إنه رجل مشغولٌ للغاية.”
“هف، لا أستطيع الفهم أبداً. من المستحيل أن تأتي طفلة في السابعة بمفردها لرؤيتي، وكنتُ أظنها أوامر صادرة من الدوق نفسه بالتأكيد؟”
أمال ريكو رأسه بعدم استيعاب.
“كلا. جئتُ بمفردي تماماً. أبي لا يعلم شيئاً.”
“حسناً، لابد أن الأمر كذلك. بما أنه لا يعلم، فقد طلبتِ مني نقل المعلومات إليه من مصدر مجهول.”
“نعم.”
“بإمكانك إخباره مباشرة، فلماذا لا تفعلين ذلك؟”
“لأنني سأضطر للإجابة عن كيفية معرفتي بكل هذه الأمور.”
تنهدت وأضفت:
“ولا يزال لدي الكثير من الأمور لأخبر بها أبي سراً هكذا في المستقبل.”
“آها… يبدو أن لدى الآنسة أسراراً تخفيها. أسرار لا تستطيع البوح بها ببساطة، وتريد إخفاءها حتى عن أبيها.”
“إجابة صحيحة!”
“حسناً، إن كان الأمر كذلك فقد فهمت سبب مجيئكِ إليّ. تريدين اتخاذي وسيطاً لنقل معلوماتٍ تريدين كشفها للدوق― أليس كذلك؟”
“نعم! لو أخبرته بنفسي…”
“فسيبدو الأمر مريباً.”
أصغى ريكو لقولي وظل صامتاً.
أو بالأحرى، كان يتفحصني بنظرات خفية ترتسم خلف قناعه.
إلى جانب معرفتها بوجود نقابة المعلومات وطريقة التعامل معها…
فمن المدهش حقاً أن تعرف طفلة في السابعة سرا من أسرار الماركيز أونيكس، يستحيل معرفته بالطرق العادية.
“تبدو فضولياً للغاية…”
“نعم. لدي أسئلة بعدد الجبال، لكن قواعدي الصارمة تمنعني من السؤال مجاناً.”
“هكذا إذن!”
ابتسم ريكو بسخرية ثم أسند ظهره بارتياح على الأريكة وأضاف:
“دخل الماركيز أونيكس في علاقة عاطفية مع خادمة من عائلته قبل 12 عاماً. وحين علمت الخادمة بحملها هربت خوفاً. لأن…”
توقف ريكو عن الحديث لفترة قصيرة.
وبدا وكأنه يختار كلمات أقل قسوة وصدمة لطفلة في السابعة.
“…النبلاء يحاولون إخفاء وعدم إنجاب أبناء غير شرعيين.”
بمعنى أنها هربت قبل أن تلقى حتفها.
“على أي حال، أنجبت ابن الماركيز هناك وربّته وحدها، وقبل نصف عام أرسلت الطفل إلى قصر الماركيز. واسمه تشيشير.”
فوجئت بطلاقة وسلاسة الكلمات المنبعثة من فم ريكو.
حقاً، إنه سيد نقابة معلوماتٍ ماهر…
“يتم احتجازه وعزله سراً لئلا يسيء لسمعة العائلة، ويتعرض لسوء معاملة وقسوة من أخيه غير الشقيق. هذا كل ما في الأمر.”
“واو.”
تصفيق-
صفقتُ بيدي بإعجاب شديد.
“هل يكفي هذا لإيصاله لدوق إينوك روبنشتاين؟”
“نعم! هذا يكفي تماماً!”
“حسنأً إذن.”
اعتدل ريكو في جلسته وانحنى للأمام مقترباً مني:
“مقابل إيصال هذه المعلومة للدوق، أريد أن أعرف المزيد عنكِ. بحق الخالق، ما هي حقيقتك؟ مستواكِ يتجاوز بكثير مجرد طفلة موهوبة!”
“أمممم.”
هزرت رأسي بحزم:
“ألا تبدو الصفقة غير عادلة أبداً؟ تكشف معلومة بسيطة مقابل معرفة سري الخاص. لقد استخففت بي كثيراً.”
“…عفواً؟”
“شخص بمكانتكَ يحاول خداع طفلة صغيرة. هذا أمر مؤسف للغاية رغم خبرتكَ الطويلة في التجارة.”
“…هـ، هاهاهاها…!”
أطلق ريكو الذي بدا مذهولاً ضحكة مدوية وعالية.
“سري الخاص باهظ الثمن للغاية. لذا أتمنى ألا تستهلك وقتك في الفضول… وبالمناسبة! كدليل على رغبتي في بناء علاقة تجارية مستمرة بيننا، أحضرتُ لكَ هدية معك!”
تحدثت وأنا أنبش حقيبة الأرنب التي أحملها.
“أنا آسف، لكنني أتعامل بالمعلومات وحدها. أعلم أنكِ ابنة عائلة ثرية، لكنني لست بصدد بيع مبادئي مقابل بضع عملات ذهبية.”
“ليس مالاً. أخبرتك أنني أعلم كل شيء. وأعلم أيضاً أنك تجني الكثير من الأموال يا سيد ريكو.”
في الواقع… لم يكن هدف مجيئي اليوم مقصوراً على إبلاغ أبي بحالة تشيشير فحسب.
“ما هذا إذن؟”
ريكو.
زعيم نقابة المعلومات الذي يكن كراهية للنبلاء.
توفيت والدته حين كان صغيراً، وتعرضت أخته الصغرى لسحر تسمم مدمر.
وكل ذلك بسبب طغيان وظلم أصحاب القدرات من النبلاء.
“هدية!”
وضعت رزمة قماشية بقوة فوق الطاولة، وابتسمت ابتسامة ماكرة تشبه ابتسامة تجار المخدرات المحترفين:
“هيا، أيها السيد. قم بفتحها وتفقدها بنفسك؟ ستكون راضياً عنها حتماً.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.