الفصل 20
“الآن يا آنسة، أصبحت كل الاستعدادات جاهزة.”
“انظري. أصبح وجه الأرنب ممتلئاً ومستديراً، أليس كذلك؟”
“وااااو!”
نزلت من السرير وسارعت بالركض نحوها لتقوم جيتي بتثبيتها وتلبيسي حقيبة الأرنب على كتفيّ.
“يا إلهي، أنتِ لطيفة بشكل مبالغ فيه. هل يمكنني حملكِ إلى غرفة الدراسة بين ذراعي؟”
“نعم! حسناً!”
ارتميت بين ذراعي جون وأنا أتفحص تعابير وجهها عن كثب.
بقدر ما كانت استنتاجاتها وتخميناتها دقيقة، إلا أن جون لم تبدو مهتمة أو حاملةً لأي شكوك عميقة.
وهذا طبيعي تماماً.
فأن يظهر حامل لرتبة ‘بريميرا’ خارج العائلة الإمبراطورية، يشبه إلى حد بعيد رؤية حوت يمشي على اليابسة؛ أمر مستحيل تماماً ولا يصدقه عقل.
لذا لن أضطر للقلق والتوتر، وكل ما علي فعله هو السير بخطى تابثة وفقاً لخطتي المرسومة.
واليوم….
عملية إنقاذ تشيشير التي لم يعد بالإمكان تأجيلها أكثر من ذلك.
لقد حان الوقت لتنفيذ خطوتها الأولى.
“لكن، أختي!”
“نعم يا آنسة!”
“أين تقع غرفة الأدوية؟”
“غرفة الأدوية؟”
***
غرفة الأدوية في قصر دوقية روبنشتاين.
“طقطق.”
كان الطبيب الشخصي الشاب فلين شولتز يجلس بكسل قرب النافذة المشمسة ويصارع النعاس بعينين غافيتين قبل أن ينتفض واقفاً فجأة.
“مـ، ماذا هناك؟”
“طقطق-طق.”
بينما كان يمسح آثار اللعاب الجاف عن وجهه ويتلفت حوله بحيرة، سمع صوتاً طفولياً رقيقاً ينبعث من خارج الباب.
“من هناك؟”
وما إن فُتح الباب حتى ظهرت أمامه طفلة صغيرة تبتسم ببراءة وتمسك بيديها باقةً مليئة بالزهور.
شعرها المجدل بظفائر مزدوجة وعيناها الزرقاوان لا تدعان مجالاً للشك في أنها ابنة هذا القصر.
عرفها فلين فوراً فانفتحت عيناه دهشة:
“أوه، من تكونين؟ ألا تكونين… الأميرة الصغيرة؟ لقد كان القصر يعج بالأخبار المترددة منذ أيام…”
“نعم، أنا هي! سررت بمعرفتك يا فلين! اسمي ليليث!”
“يا الهي، هل تعرفينني؟ ولم تتح لنا الفرصة لتبادل التحية بعد!”
“نعم! أخبرتني الأخوات أن فلين طبيب ذكي للغاية. وأن من يزور فلين عند المرض يشفى تماماً وتزول عنه العلل.”
“وهو كذلك، أتعلمين؟ أنا أمتلك بعض المهارة في الحقيقة…”
أجهش فلين بابتسامة متكلفة وهو يحك أنفه بفخر، ثم قفز فجأة بفزع:
“ألا تشعرين بأي ألم جعلكِ تأتين إلى هنا، هل أنتِ متألمة في مكان ما؟”
“هيهي! كلا، جئت فقط لألقي التحية عليك يا فلين. هذه هدية لك، لأن رائحة الزهور كانت جميلة جداً فقطفتها من الحديقة.”
ابتسمت ليليث ببراءة وهي تمد باقة الزهور، فوضع فلين يده على فمه متأثراً لدرجة كادت تدمع عيناه.
يا له من مخلوق لطيف يشبه الملائكة…
“أهـ، شكراً لكِ يا أميرة. كانت غرفة الأدوية تبدو كئيبة وداكنة، وستصبح زاهية وجميلة حقاً بوضعها في المزهرية.”
بينما كان فلين يستلم الزهور ويبحث عن مزهرية مناسبة، لحقت به ليليث ككتكوت صغير يتبع أثره.
“لكن يا فلين.”
“نعم يا أميرة.”
“هل توجد ‘دموع الجنية’ هنا؟”
“دموع الجنية؟ آه، تقصدين عشبة ‘سالڤاسيون’ ربما؟”
“نعم! تماماً!”
“أجل، إنها موجودة هنا. هل تحتاجين إليها؟”
سأل فلين، فرمشت ليليث بعينيها الواسعتين باستغراب ثم عادت لتسأله:
“يُقال إنها دواء نادر وثمين للغاية، فهل يمكنني الحصول عليها أيضاً؟”
“آه. في الواقع، إنها كذلك ولكن…”
نوع من أعشابِ التطهير النادرة. كانت عشبة سالڤاسيون باهظة الثمن ونادرة لدرجة أن العائلة الإمبراطورية كانت تحتكر توزيعها بالكامل.
ولم تكن تُمنح إلا لعدد قليل من العائلات التي يوافق عليها الإمبراطور كهدية دورية تُسلم مرة كل شهر.
بينما المحتاجون الحقيقيون لسالڤاسيون لا يستطيعون لمسها قط، كانت العائلة الإمبراطورية وبعض النبلاء يتعاملون معها وكأنها مجرد شاي منشط لتجديد الطاقة فحسب…
“بما أنكِ من أفراد عائلة روبنشتاين المباشرين، فأنتِ تمتلكين الأهلية الكاملة للحصول عليها. وبالتأكيد يحق لكِ يا أميرة.”
“آها، هكذا إذن. قرأت في الكتاب أنها عشبة مفيدة للغاية، فهل يمكنك إعطائي بعضاً منها؟ أود صنع الشاي لأبي…”
“أوه، مستحيل. يا إلهي. تبدين كملاك حقيقي…”
كيف لطفلة بهذا الحجم الصغير أن ترغب في إعداد الشاي لأبيها!
أدرك فلين لماذا كان الخدم يثنون ويمدحون هذه الأميرة الصغيرة بأعلى أصواتهم طوال الأيام القليلة الماضية.
“بالتأكيد سأعطيكِ إياها. ما عليكِ سوى كتابة اسمكِ هنا فحسب، ويمكنك زيارتنا في أي وقت ترغبين فيه.”
“واو! شكراً لكَ!”
كتبت ليليث اسمها بخط يدها الصغير وبكل حرص واجتهاد في سجل غرفة الأدوية.
“ليليـ… ث، روبنـ… شتا… ين.”
“كح.”
حتى خط يدها المتعرج كان ساحراً ومحبباً لدرجة كاد فلين يفقد وعيه من شدة التأثر.
***
‘تمت الاستعدادات بنجاح!’
مسحت حقيبة الأرنب التي انتفخت بطنها باهتمام وبفخر كبير.
‘والآن، كيف لي أن أتسلل وأخرج خارج القصر خلسة…’
يتطلب الخروج في جسد طفلة ضعيفة تبلغ من العمر سبعة أعوام وجود مرافق أو ولي أمر قطعي.
ولو سألت إن كان بإمكاني الذهاب بمفردي لتم القبض عليّ من ياقاتي وحبسي في غرفتي فوراً.
إذن…
من هو الشخص ‘القوي’ بما يكفي ليتمكن من اصطحابي خارج القصر ‘خلسة’ وتوفير الحماية لي في الوقت ذاته؟
الأختان جيتي وجون؟
‘خطأ.’
عمي الحارس الشخصي؟
‘خطأ.’
السيد لويس الذي يُقال إنه بطل فرقة العمليات الخاصة في روبنشتاين؟
‘خطأ.’
نقر.
في تلك اللحظة، وخز إصبع شخص ما وجنتي بخفة.
“إن انتهيتِ من دراستكِ فلنلعب معاً أيتها الصغيرة.”
كان ليون.
ومعه ثيو الواقف بجانبه.
ابتسمت بسعادة وأنا أرى التوأمين اللذين حضرا فور انتهاء الدروس.
‘إجابة صحيحة.’
الأخوان بالطبع!
“بماذا سنلعب اليوم؟ ألا تريدين الذهاب لصيد العناكب؟ تلك التي تمتلك شعراً كثيفاً.”
“آه حقاً، يا ليون. ألم تنسَ ما قالته أمي؟ النساء يكرهن العناكب.”
“لكن الصغيرة قالت إنها تحبها.”
رغم أن شجارهما المتواصل يوضح أنهما لا يزالان في الثانية عشرة من عمرهما…
‘لكنهما أشرس وأقوى الكائنات في هذا القصر بعد أبي طبعاً.’
سيكون خطأً كبيراً الحكم عليهما من مظهرهما فحسب.
التوأمان من أصحاب القدرات.
لقد تخرجا بالفعل من معهد تكوين أصحاب القدرات وفتحا طاقاتهما الكامنة رسمياً.
وحتى رتبتهما كانت الفئة (دوس).
بإمكان تلويحة بسيطة من إصبعيهما تحطيم الحراس الضخام على الجدران، فهما موهوبان ومرعبان بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
“ليس لديّ طاقة للعب. أنا جائعة…”
استدرت على السرير وتمددت بكسل.
“جائعة؟ إذن لنذهب إلى غرفة الطعام.”
“الطعام في غرفة الطعام ليس لذيذاً…”
رد ثيو بحنان، لكنني أدرت ظهري ورفضت.
“ما العمل إذن؟ هل ترغبين في تناول شيء محدد؟”
“أرغب في ذلك، لكن… لا يوجد هنا.”
“ما هو؟”
“الطعام الذي كنا نتناوله مع أبي في منزلنا القديم…”
“آها.”
عم السكوت خلف ظهري.
وبعد صمت قصير، سمعت تبادل همساتهما السريعة:
“أتعني طعام العامة؟ ألا يمكننا جعله يعده لو طلبنا ذلك من الطاهي الرئيسي؟”
“أنت أحمق؟ كيف لعائلات النبلاء أن تعرف ما يتاوله العامة أصلاً؟”
“إذن ما الحل؟ آه، ألا يمكننا الخروج وتناوله في الخارج؟ ليليث، ما رايك أن نذهب لزيارة أحد مطاعم العامة معاً؟”
الأمور تسير بسلاسة تامة.
استدرت بجسدي وأضفت مزيداً من الإلحاح:
“…أَتظن أن الكبار سيسمحون لنا بذلك؟”
“همم، معكِ حق. لو قلنا إننا سنزور مطعماً للعامة فستقوم أمي بمعاقبتنا حتماً.”
“آه، صحيح…”
خلافاً لليون سهل الإقناع، كان ثيو يميل شيئاً ما نحو التردد والالتزام بالقواعد.
نظرت إلى ثيو المتردد وأبرزت شفتي بعبوس طفولي:
“أخي، ليليث جائعة جداً…”
“آه.”
في النهاية، قدم ثيو الحل بكل هدوء.
“إذن لنخرج سراً ودون أن يشعر بنا أحد.”
***
تظاهرنا أنا والتوأم بجمع العناكب في الحديقة قليلاً قبل أن نتسلل ببطء نحو الجدار الخلفي للحديقة.
لم يكن الخروج بحد ذاته مشكلة، لكن تفادي مرافقة الحراس أو الخدم تطلب استخدام هذه الطريقة الحتمية.
…كانت تلك خطة القائد ثيو الذكية على أية حال.
“أوف.”
“ليليث، هل أنتِ بخير؟”
“أجل.”
أدبرت بقوة وأنا أحشر جسدي الصغير داخل فتحة صغيرة أسفل الجدار الحجري.
“ألم تكن واسعة بما يكفي؟ يا لكَ من أحمق يا ثيو.”
“لا يمكنكِ توسيعها أكثر من اللازم، وإلا لاحظ الحراس الأمر فوراً.”
كان ليون وثيو واقفين بالفعل في الجهة المقابلة خلف الجدار.
وبالطبع لم تكن تلك الفتحة موجودة مسبقاً، بل فتحها ثيو بعناية فائقة باستخدام السحر.
وعلى عكس الاثنين اللذين تمكنا من القفز فوق الجدار بسهولة، كنتُ أنا ليليث الصغيرة الضعيفة…
“اييه. نجحت في الخروج.”
“أوه، علقت بعض الأتربة على فستانكِ.”
ساعدني ثيو في الخروج ونفض أطراف فستاني بعناية واهتمام بالغين بينما كنت أرسم علامة النصر بيدي بفخر.
“انتهينا.”
“هيهي! شكراً لكَ يا أخي.”
“لا شكر على واجب. هل نمضي قدماً إذن؟”
في تلك اللحظة، وحين أمسك ثيو بيدي وشرعنا في السير، ترنح فجأة.
“آخ.”
توقف عن الحركة ووضع يده على جبينه بعنف وهو يعبس متألماً.
بدا وكأنه يعاني من ألم مفاجئ.
“مـ، مالخطب؟ هل تتألم؟ هل تشعر بالتعب يا أخي؟”
“أه، لا شيء. أنا بخير تماماً.”
“ما الأمر؟ مجدداً؟”
“…نعم.”
“ألن يتسبب ذلك في مشاكل لاحقاً؟ ألا تفضل العودة والاستراحة في غرفتك؟”
“لا، أنا بخير تماماً. عادة ما يحدث هذا الصداع قبل… خمسة أيام من حدوث النوبة القادمة.”
من خلال الطريقة التي تحدث بها التوأمان وكأنهما اعتادا على الأمر، أدركت الحقيقة.
‘هذا صحيح. يعاني ثيو من مرض نادر. وهذا يعني أن حدوث النوبة سيكون بعد خمسة أيام.’
كان دور التوأمين المحكوم عليهما بالموت في الرواية الأصلية يتلخص في:
1. كونهما نقطة تحول ونمو لتشيشير.
2. استنزاف دموع القراء ومشاعرهم.
ولأن ‘ثيو اللطيف’ مُنح منذ البداية إعداداً ينص على معاناته من ‘مرض وراثي نادر’.
فقد تم توظيفه لجعل قلب تشيشير المنغلق يلين عبر رعايته الحانية، قبل إخراجه من القصة بمجرد انتهاء دوره الدرامي.
‘يا له من مؤلف قاسٍ.’
كان ثيو، الذي يُوصف دائماً بالفتى الضعيف الرقيق في الرواية، يعاني من مرض يُدعى ‘صراع المانا’.
وهو مرض نادر تتقاطع فيه القوة المقدسة مع القوة السحرية داخل جسده بشكل دوري، مسببةً نوبات ألم حادة ومميتة.
وسيموت ثيو في ربيع العام الذي يلي نيله لوسام الفرسان، وهو في السادسة عشرة من عمره.
بمعنى آخر، وقته محدود…
“ألن نتحرك يا ليليث؟ لماذا تبدين شاردة هكذا؟ هل أنت متعبة؟”
“أـ، آه، لا، لست متعبة.”
رغم أنني أنكرت ذلك، إلا أن رؤية ثيو اللطيف وهو يتفقد حالتي بحرص جعلني أشعر بحزن عميق يغمر قلبي.
‘أوه. أخي، أرجوك. لا تستخدم معي ذلك الجانب اللطيف الحنون…!’
كيف لي ألا أتعلق بشخصيات محكوم عليها بالموت الحتمي هكذا؟
وأنا أشعر بغصة في حلقي، أمسكت بيد ثيو بإحكام وأنا أستحضر جزءاً من أحداث الرواية الأصلية:
「بكى تشيشير روبنشتاين بحرقة وهو يحتضن قلب القديسة أمام قبر ثيو أنتراس.
“لقد جئتُ متأخراً. أنا آسف يا أخي… أنا، لم أفعل شيئاً من أجلك طوال حياتك. لأنني كنتُ غبياً… لأنني…”
كان تقديم الزهور متأخراً جداً.
لو أنه منحه مشاعره تلك وهو على قيد الحياة، لكان ثيو أنتراس ليظل مبتسمًا بجانبه حتى هذه اللحظة.」
رغم شهرة المرض بكونه غير قابل للشفاء، إلا أن هناك طريقة واحدة لتعويض هذا الصدام المانواي، وكانت مذكورة في أحد الكتب الأثرية القديمة.
قلب القديسة، أو ما شابه ذلك.
بالطبع، كانت مجرد تعبيرات مجازية ولم يكن أحد يعرف حقيقتها بالتحديد.
‘لكن تشيشير تمكن من اكتشاف ما تعنيه حقاً.’
بعد وفاة ثيو، استمر تشيشير بالهوس بتفسير المخطوطات القديمة رغم علمه باستحالة إعادة ثيو…
حتى وجد قلب القديسة وقدمه كقربانٍ أمام قبر ثيو.
“أهف.”
تنهدت بخفة وتسمرت في مكاني.
……؟
انتظر لحظة.
هل أنا غبية؟
‘…ألسْتُ أعرف تماماً ما يعنيه ذلك المعنى!؟’
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.