الفصل 193: الفصل
193
الفصل 193
أعادَ أوسكارُ ورقةَ الصيغةِ السحريّةِ إلى صدرِهِ بتهكُّم.
“كم يمقتُ جلالتُكَ الخسارة. استغربتُ كيفَ وَعَدتَ بسهولةٍ بتقاعدِ كفاءةٍ كدوقِ ليبر.”
“…….”
“لم تحسبْ قطُّ أنَّ الدوقَ سيعودُ بطلًا فاتحًا، أليسَ كذلك؟”
“يا سيّدَ البرج.”
“طابَتْ لي الحياةُ منذُ دخولِ ابنةِ دوقِ روبنشتاين للبرج، وغدوتُ أذهبُ للعمل ببالٍ خفيف.”
وبخلافِ نيكولاس القلق، هزَّ أوسكارُ كتفيهِ ببرودٍ واسترخاء.
“ما كانَ ليتحقّقَ هذا لولا فضلُ جلالتِك، فأشكرُكَ من كلِّ قلبي.”
“يَسُرُّني ذلك. شكرًا لإبدائِكَ حُسنَ النيّة، وسيكونُ هذا عونًا كبيرًا لي.”
مدَّ نيكولاس يدَهُ غيرَ مكترثٍ بالحديث، فضحكَ أوسكارُ أمامَ لهفةِ عيني الإمبراطورِ التي عجزَ عن كتمانِها.
“لن تنكثَ وعدَكَ بذريعةِ أنّهُ كانَ مع طفلةٍ في الخفاء، أليسَ كذلك؟”
“…….”
“فقد غمرتْها السعادةُ بتقاعدِ عمّها، وسيكونُ الموقفُ عصيبًا إن سُلِبَتْ سعادتُها وجاءتْ تبكي عندي.”
كانَ ذلكَ تهديدًا.
فكَّرَ نيكولاس في مخطّطِهِ لتوحيدِ القارّةِ ووازنَ حساباتِهِ سريعًا.
سيبني جيشَ غزوٍ عاتيًا.
‘تشيشير ليبر.’
والقائدُ هو ركيزةُ الجيلِ الصاعد، تشيشير ليبر.
‘ثمَّ فيلقُ السحرِ القتاليّ.’
وأصحابُ القدراتِ السحريّةِ تحتَ إمرتِهِ يحتاجونَ لقوّةٍ أعظم،
ولذا كانَ نيكولاس في أَمَسِّ الحاجةِ للصيغ السحريّةِ ولا حيلةَ بيده.
‘تبًّا.’
نَدِمَ على التسرُّعِ في تقديمِ الوعدِ لليليث ذلكَ اليومِ ظنًّا منهُ أنَّ أكسيون لن ينجو.
“حسنًا يا سيّدَ البرج…”
“…….”
“هل أنكثُ عهدي؟ لن أُصدرَ أمرَ حملةٍ رسميًّا للورد أكسيون مجدّدًا.”
ناولَهُ أوسكارُ الصيغةَ السحريّةَ من صدرِهِ عندَ سماعِ ذلك، وارتجفتْ يدُ نيكولاس وهو يتسلّمُها.
“لن تفيَ هذهِ الصيغةُ وحدَها لإتمامِ مخطّطاتِ جلالتِك.”
“ماذا؟”
“لِمَ كلُّ هذهِ الدهشة؟ إنّها صفقةٌ شفهيّةٌ ويحقُّ لي الاحتفاظُ بضمان.”
أي أنّهُ سيمدُّهُ بالصيغِ تدريجيًّا كمن يُلقي الطُّعْم.
“ألم أقُلْ… إنّي سأفي بوعدي؟ ولن أُرسلَ السير أكسيون لأيِّ حملة؟”
كتمَ أوسكارُ ضحكتَه.
انفجرَ أوسكارُ ضاحكًا.
“أتحسبُني أحمق؟ مَن يجرؤُ على محاسبةِ جلالتِكَ إن نلتَ الصيغَ كلَّها ونكثت؟ سأكونُ الخاسرَ الوحيد.”
“…….”
“لن أطمئنَّ حتّى تنضجَ الطفلةُ وتقرّرَ البقاءَ في البرجِ بإرادتِها. فوعدُ جلالتِكَ هو السبيلُ الوحيدُ لربطِها هنا الآن.”
أغمضَ نيكولاس عينيهِ كابتًا غيظَه.
فهذا الوغدُ الوقحُ يُصرّحُ بوقاحةٍ بأنّهُ سيُروّضُ الإمبراطورَ من الآنَ فصاعدًا.
“أرجو حُسنَ التصرُّفِ لضمانِ استمرارِ هذهِ الصفقةِ بسلاسة.”
نهضَ أوسكارُ ضاحكًا في سرّه.
استشاطَ نيكولاس غضبًا لم يذقْ مثيلَهُ منذُ زمن، لكنّهُ عجزَ عن إطلاقِ غيظهِ المكتوم.
“سأعودُ لمواصلةِ أبحاثي إذًا. طابَ يومُك.”
طَـرْق.
أُغلِقَ البابُ وراءَ أوسكار الذي مضى بهدوء.
“آآآااااع!!!”
طَـرْق—!
رمى نيكولاس المحتقنُ العينينِ فنجانَ الشايِ نحوَ الباب.
“يـ، يا لهُ من… وغدٍ… وقح…”
ارتجفَ فكُّهُ المشدودُ من فرطِ الغضب.
***
‘آآآااااع!!!’
طَـرْق—!
في رَدهةِ قاعة الاستقبالِ الخاليةِ بأمرِ الإمبراطور، سخرَ أوسكارُ لسماعِ صرخاتِ نيكولاس الغاضبة.
“لِمَ ينفجرُ الآنَ بعدَ كلِّ ذلكَ الصبر؟ كانَ عليهِ كتمانُ صوتهِ عن مسامعي.”
توقّفتْ خُطاهُ التي كانت تمضي ببرود، وتلاشتِ الملامحُ من وجهه.
“أنا رجلٌ ينتظرُ يومَ حتفهِ فلا أخشى شيئًا.”
التفتَ نحوَ البابِ المغلقِ بعينينِ حادتين.
“سأجعلُكَ رفيقي إلى قاعِ الجحيمِ حتمًا.”
***
مساءَ ذلكَ اليوم.
جلستُ على ركبتي أبي وهو يعمل، ورويتُ لهُ ما جرى في البرجِ اليوم.
“يا إلهي، لِمَ ذهبَ أبي إلى هناك؟ لقد أتعبَ رجلًا مشغولًا بلا داع.”
“جدّي ليسَ مخطئًا، فقد فعلَ ذلكَ خوفًا عليّ. ومُعلِّمي لا ذنبَ له، بل الذنبُ يكمُنُ في وجودي أنا، أليسَ كذلك؟”
“……؟”
قطَّبَ أبي جبينَه.
“ما هذا الكلام؟”
نظرتُ إلى الكُتُبِ والأوراقِ المبعثرةِ فوقَ مكتبه.
السحرُ المحظور، والعودةُ بالزمن، والمفقودون.
فمنذُ سنواتٍ وأبي يستميتُ في البحثِ عن سبيلٍ لإنقاذِ أوسكار.
“أنا مَن دمَّرَ حياةَ مُعلِّمي.”
“ليسَ الأمرُ كذلك.”
“وقتهُ المتبقّي ضئيلٌ ومع ذلكَ يُكرّسُهُ كلَّهُ لأجلي.”
“أميرتي.”
“ماذا سأفعلُ إن ماتَ مُعلِّمي؟”
“لن يموت.”
“كيفَ لن يموت!”
انهمرتْ دموعي بلا حيلة، وصببتُ غضبي على أبي رُغمَ براءته.
“كُلُّ مَن استخدمَ سحرَ العودةِ اختفى دونَ أثر! سيموت! سيموتُ حتمًا!”
“لا يمكنُ الجزمُ بذلك. فقد اختفوا دونَ جُثث، ولم يتأكّدْ موتُهم.”
احتضنَني أبي بملامحَ يملؤُها الأسى مواسيًا.
“اهدئي يا أميرتي.”
“هذا أشدُّ سوءًا! لو كانَ موتًا محقّقًا لَأنقذتُهُ بقدرتي! ما معنى ‘الفناء’؟ وما معنى ‘الاختفاء’؟ ما هو بحقِّ خالق السماء!”
بكيتُ في حضنِ أبي.
“وااااه.”
ثمنُ سحرِ العودةِ هو الفناء.
لكنَّ معناهُ الدقيقَ مجهولٌ حتّى لأوسكار نفسه.
وإنّما يُخمَّنُ بأنّهُ ‘التلاشي’ لاختفاءِ كافّةِ مَن مارسوهُ قبله.
فلو كانَ موتًا لأنقذتُه بطاقةِ حياتي.
لكن لعجزي عن تصوُّرِ حالتهِ في اليومِ الأخير، أجهلُ كيفَ أستخدمُ قدرتي.
“ألم تَعِدْني يا أبي… بأن تجدَ سبيلًا لإنقاذِ مُعلِّمي…”
اكتفى أبي باحتضاني وتهدئتي دونَ إجابة.
“أنتَ قادرٌ على كُلِّ شيء يا أبي… أرجوك…”
فمنذُ مدّةٍ امتنعَ أبي عن طمأنتي بيقين.
أن لا أقلق، وأنّهُ سيجدُ المخرجَ حتمًا.
رُغمَ اعتيادِهِ على قولِ ذلكَ دائمًا.
***
مدَّدَ إينوك ليليث التي غفَتْ من فرطِ البكاءِ على الأريكةِ وغطّاها، ثمَّ عادَ لمكتبه.
“هاه.”
أربعُ سنواتٍ من البحثِ المضني دونَ العثورِ على أدنى خيط.
وكلُّ ما أدركَهُ هو أصلُ سحرِ العودةِ فقط.
فحينَ يعودُ الزمانُ إلى نقطةِ الانطلاق، يدفعُ المستخدمُ الثمن.
‘كيفَ يختفي المرء؟’
ثلاثةُ مفقودينَ في سجلاّتِ عائلةِ مانويل السحريّةِ العريقة، ويُرجَّحُ خوضُهُم لسحرِ العودةِ جميعًا.
فلا أثرَ لموتِهم، ولا شاهدَ على مصيرِهم.
تبخُّرٌ تامٌّ بالمعنى الحرفيّ.
‘ألبرتو مانويل.’
تفحَّصَ إينوك لوحاتٍ لرجلٍ كهلٍ يُشبهُ أوسكار كثيرًا.
سيّدُ البرجِ السابقُ وجدُّ أوسكار، وأحدُ أولئك المفقودين.
وبخلافِ المفقودَينِ الآخَرَينِ من الأسلافِ الغابرين، يُحتملُ بقاؤُهُ حيًّا لكِبَرِ سِنّهِ إن لم يكن قد مات حقًّا.
“سيّدي.”
دخلَ كبير الخدمِ ريم بحذرٍ وقال:
“أرسلتْ نقابةُ <آآآااااع الأحمر> رجلًا في الخفاء، يُقالُ إنّهُ مرتبطٌ بما تبحثُ عنه…”
“آه، حسنًا.”
أومأَ إينوك ببرود.
فالنقابةُ أرسلتْ مرارًا أشخاصًا زعموا صِلَتَهُم بالأمرِ دونَ أيِّ نتيجة.
وجميعُهُم كانوا محتالينَ أتوا طمعًا في المال.
“عليَّ التثبُّتُ على أيِّ حال.”
نهضَ إينوك خائرَ القُوى، فاستيقظتْ ليليث فزعةً لحركته.
“أوه، استيقظتِ يا أميرتي؟”
“آه، نعم…”
وكانت عيناها لا تزالانِ محمرّتين.
تنهّدَ إينوك.
***
“أيكونُ محتالًا آخَر؟”
“لستُ أدري. لِمَ لا تنامينَ يا أميرتي وأُقابلهُ بمفردي؟”
“كلا، أريدُ رؤيته.”
توافدَ أناسٌ كُثُرٌ على أبي طَوالَ سنواتِ البحثِ الأربع.
زعموا معرفتَهُم بسحرِ العودة، ولقاءَهُم بالمفقودين…
وتفوّهوا بادّعاءاتٍ شتّى، لكنّهم كانوا محتالينَ في النهاية.
“تفضَّلوا بالحديث.”
أَدخلَ ريم رجلًا يُغطي وجهَهُ بقلنسوة.
‘تغطيةُ وجههِ تفوحُ برائحة الاحتيال.’
شعرتُ بالإحباطِ منذُ البداية.
خلعَ الرجلُ رداءَهُ فورَ جلوسه.
فإذا بهِ شيخٌ أبيضُ الشعرِ واللحية.
غيرَ أنّ…
‘ما هذا؟ أمرٌ مريب.’
فركتُ عينيَّ محاولةً تفحُّصَ وجهِ الشيخ.
كانت ملامحُهُ ضبابيّة، وجهٌ يخلو من أيِّ سمة.
لكنّهُ لم يكن مجرَّدَ خلوٍّ من السمات، بل شعورٌ غريبٌ بالنفور.
كيفَ أصفُ ذلك؟
‘ما هذا الشعور؟’
يجلسُ أمامي وأرى وجهه، لكنَّ صورتَهُ تأبى الاستقرارَ في ذهني.
كعجزِ المرءِ عن ‘إدراكِ’ تفاصيلِ الحُلمِ بوضوح.
فكما تتلاشى أحداثُ الحُلمِ بعدَ الاستيقاظ…
كدتُ أنسى ملامحَهُ في ثانيةٍ واحدةٍ لو استدارَ وغادرَ الآن.
إحساسٌ مريبٌ وغامض.
“أبي…”
نظرتُ إلى أبي، فرأيتُهُ يُضيّقُ عينيهِ متفحّصًا وجهَ الشيخِ كمن يستشعرُ الأمرَ ذاته.
ابتسمَ الشيخُ ابتسامةً خافتة، كمن توقَّعَ ردّةَ فعلِنا هذه.
“من أينَ أتيت؟”
“أتيتُ من مملكةِ إيسوليم. وبلوغُ بحثِكَ إلى بلادٍ أخرى دلَّ على شدّةِ حاجتِك، ولذا جئتُ إليك.”
“أأنتَ مواطنٌ من المملكة؟”
هَمَّ الشيخُ بالإجابةِ عن سؤالِ أبي ثمَّ أطبقَ فمه.
‘آه.’
أعرفُ ردّةَ الفعلِ هذهِ جيّدًا.
كتصرُّفِ أوسكار حينَ يمتنعُ عن الكلامِ خشيةَ حظر العودةِ بالزمن.
“أعتذر، لا يسعُني الإفصاحُ عن الكثير. لكنّي شيخٌ دنا أجلي، وجئتُ لأمنحَكُم هديةً قبلَ موتي.”
رفعَ الشيخُ رأسَهُ وحدَّقَ فينا مليًّا.
“تأمَّلوا… وجهي جيّدًا.”
ترقرقتِ الدموعُ في عينيه.
كانَ هذا الشيءَ الوحيدَ الواضح.
فوجهُهُ لا يزالُ ضبابيًّا كأثرِ ممحاة، ويستعصي على الإدراك.
“أرجو أن يُنيرَ موتي بصيرتَكُم لِما تبحثونَ عنه.”
“ماذا تعني…”
“اسمي… هو… ألبرتو مانويل.”
……؟
في تلكَ اللحظة، قبضَ الشيخُ على عنقه.
وتقيَّأَ الدمَ وسقطَ صريعًا متألّمًا بعينينِ مفتوحتين على آخرهما.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.