مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 192: الفصلنحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 192: الفصل

192

الفصل 192

 

“أعتذر، لكنَّ الكلامَ لا يجدي نفعًا هنا.”

 

وضعَ نورديك عصاهُ فوقَ الطاولة، وفكَّ أزرارَ مِعصميهِ وشمَّرَ عن ساعديه.

 

قبضةٌ ضخمةٌ برزتْ عروقُها الزرقاء، تلقّي ضربةٍ منها يعني الهلاكَ حتمًا.

 

“…….”

 

فغرَ أوسكارُ فاهُ مذهولًا لرؤيةِ ذلك.

 

“سأرى ما الذي فعلتَهُ بحفيدتي حتّى الآن…”

 

وما إن هَمَّتْ يدُ نورديك بالانقضاضِ على تلابيبِ أوسكار،

 

“يا جدّييي!”

 

حتّى ركضتْ ليليث مستشعرةً الخطرَ وتوسَّطتْ بينهما.

 

“مـ، ما الخطب؟”

 

حدَّقَ نورديك في حفيدتِهِ التي وقفتْ تحمي أوسكار.

 

“لِمَ أنتَ غاضبٌ هكذا؟ أ، أكنتَ تنوي ضربَ مُعلِّمي؟”

 

“تنحَّي جانبًا. فمثلُ هذا الوغدِ الذي هو أدنى من الوحشِ لا دواءَ لهُ سوى الضرب.”

 

“ماااذا؟”

 

“أخَرِفتَ لكِبَرِ سِنّك؟ لِمَ تنعتُني بالوحش؟”

 

تكلَّمَ أوسكارُ بعدَ أن وجدَ درعًا يحميه، متشبّثًا بكتفي ليليث ومختبئًا خلفَها وهو يصيح.

 

“ألستَ وحشًا؟ لم تكن تتجاوزُ السابعةَ حينَ رأيتَها لأوّلِ مرّة!”

 

“نعم؟”

 

“‘تُربّيها بعناية’… ‘لتضعَها في المكانةِ المجاورة’… ماذا؟”

 

استرجعَ نورديك كلماتِ أوسكار وهو يجزُّ على أسنانهِ وعروقُ جبينِهِ نافرة.

 

“يا لكَ من دنيءٍ مقزّز… أَبْعِدْ يدَكَ عنها في الحال!”

 

“فهمت! فهمتُ الأمرَ الآن!”

 

تراجعَ أوسكارُ خطوتينِ للوراءِ مسرعًا أمامَ غضبِ نورديك العارم.

 

“لحظة، اهدأْ قليلًا.”

 

جدٌّ مستشيطٌ غضبًا وحفيدةٌ مستغربة.

 

نظرَ أوسكارُ بالتبادلِ إليهما، وتنهّدَ واضعًا يدَهُ على رأسه.

 

“هذا سوءُ فهم، سوءُ فهمٍ تامّ.”

 

***

 

جلبةُ سوءِ فهمٍ مفاجئة.

 

قضينا أنا وأوسكار ساعتينِ كاملتينِ في التوضيحِ لجدّي.

 

بأنَّ علاقتَنا بريئةٌ لا شائبةَ فيها، وأنّنا مجرّدُ مُعلِّمٍ وتلميذته!

 

“ومع ذلكَ لا أستوعبُ الأمر.”

 

“مـ، ما الذي لا تفهمُهُ أيضًا؟”

 

كدتُ أُجَنُّ حينَ توقّفَ جدّي فجأةً في طريقِ وداعي له.

 

“أأنتِ راضيةٌ حقًّا؟ أهي رغبتُكِ الصادقةُ في البقاءِ هنا للدراسةِ طَوالَ اليوم؟”

 

“…….”

 

بالطبعِ لا، لكن يستحيلُ الإفصاحُ عن الحقيقة.

 

عن حقيقةِ هويّتي، وعن صِلتي بتجارةِ أبي كافّة.

 

‘أعتذرُ منكَ يا جدّي.’

 

فمجيئُهُ للبرجِ اليومَ بنِيّةِ سحق بأوسكار يُثبتُ ضرورةَ كتمانِ السرِّ عنه.

 

لأنّهُ يفقدُ صوابَهُ من فرطِ قلقِهِ عليّ.

 

“الدراسةُ ليست ممتعة، لكن لديَّ طموحٌ يا جدّي.”

 

تصنَّعتُ نظراتِ الطمع.

 

“سأجتهدُ لأستحوذَ على بُرجِ السحرِ هذا حتمًا!”

 

اتّسعتْ عينا جدّي دهشةً من مطامعِ حفيدتِهِ ذاتِ الأحدَ عشرَ عامًا.

 

“أتعنينَ ما تقولين؟”

 

“نعم يا جدّي. فالدراسةُ هنا تُتيحُ لي ابتكارَ سحرٍ ينفعُ الناس، وأيضًا!”

 

تكلَّمتُ كالبطلِ البارّ، إينوك روبنشتاين.

 

“سأغدو سيّدةَ البرجِ لأصونَ السحرَ وأجعلَهُ في سبيلِ الخيرِ والعدل، وأمنعَ استخدامَهُ في الشرّ!”

 

“…….”

 

تأمَّلَني جدّي وأنا أقبضُ يدي في حماسة، ثمَّ ابتسمَ بهدوء.

 

“هكذا إذًا. إن كانت تلكَ غايتَكِ فعليكِ التعلُّمُ بما يُرضيك.”

 

“نعم يا جدّي، سأبذلُ قصارى جهدي!”

 

“لا تُجهدي نفسَكِ كثيرًا، وعودي إلى البيتِ باكرًا بعدَ انتهاءِ الدوام.”

 

“حاضرة!”

 

مسحَ جدّي على رأسي وصعدَ إلى العربة.

 

لوَّحتُ بيدي حتّى توارتِ العربةُ عن ناظري، ثمَّ أرخيتُ كتفيَّ في تعب.

 

“يا إلهي…”

 

خارتْ قوايَ بالكامل.

 

***

 

عدتُ فوجدتُ أوسكار مستلقيًا على الكرسيِّ كسمكةٍ مجفّفةٍ كأنَّ روحَهُ انتُزِعتْ منه.

 

“مُعلِّمي…”

 

“نعم… أذهبَ جدُّكِ…؟”

 

“نعم.”

 

“هاه.”

 

مسحَ أوسكارُ وجهَهُ بيديهِ بعنف.

 

“أعتذرُ منك…”

 

“لا عليكِ، لستُ ألومُ سوى حرصِ جدّكِ المفرط.”

 

“أحم، لو تكلّمتَ بوضوحٍ لما أُسيءَ الفهم…”

 

همستُ بخجل، فحدَّقَ فيَّ أوسكارُ عابسًا.

 

“أخطئي أنا؟”

 

“كلا، لكن قولُكَ ‘أُعجبتُ بها وأغويتُها’ كفيلٌ بإثارةِ الشبهات، أليسَ كذلك؟”

 

“كنتُ أُناقشُهُ في مسألةِ دخولِكِ للبرج، فبديهيٌّ أنّي قصدتُ استمالتَكِ للدراسةِ في البرج! فلِمَ يفهمُ الأمرَ بالعكس؟”

 

نقرَ أوسكارُ لسانَهُ بضجرٍ وارتدى معطفَهُ وهو يتمتم.

 

“يكادُ يشكُّ في أيِّ نملةٍ ذكَرٍ تمرُّ بالطريق. يا لَهُ من رجلٍ عجيب.”

 

“إلى أينَ تذهبُ يا مُعلِّمي؟”

 

“إلى القصرِ الإمبراطوري.”

 

“ولماذا؟ للقاءِ جلالةِ الإمبراطور؟”

 

“نعم.”

 

رمقَ أوسكارُ ساعةَ المكتبِ وضحكَ بسخرية.

 

“طلبتُ الموعدَ بنفسي وتأخّرتُ ساعةً كاملة.”

 

“……؟”

 

فغرتُ فمي دهشة.

 

“ماذا تعني؟ أتركتَ جلالةَ الإمبراطورِ ينتظرُكَ لساعةٍ بعدَ أن حدَّدتَ الموعدَ بنفسك؟”

 

“نعم.”

 

ما هذهِ الجرأة؟

 

“كانَ عليكَ إخباري بالموعدِ لتنصرف!”

 

“كيفَ أنصرفُ وسوءُ الفهمِ مع جدّكِ قائم!”

 

“كانَ يمكنُني تدارُكُ الأمرِ أو توضيحُهُ لاحقًا!”

 

“كفى. يحقُّ للرجلِ العجوزِ أن يستشيطَ غضبًا، وكانَ لا بُدَّ من طمأنتِهِ سريعًا كي لا يطيشَ عقلُهُ بالظنونِ السيّئةِ حولَ حفيدتِه.”

 

قالَ أوسكارُ ذلكَ بلا مبالاةٍ وأخذَ بعضَ الأوراقِ من دُرجِ المكتب.

 

“ومع ذلك…”

 

يبدو أنَّ أوسكارَ يتكبَّدُ عناءً لا يلزَمُهُ بسببِ صِلتي به.

 

فجلبةُ اليومِ كانت لكتمانِ سرّي عن جدّي أيضًا…

 

“ما خطبُ ملامحِك؟”

 

وقفَ أوسكارُ أمامي بعدَ أن أتمَّ استعدادَهُ متسائلًا.

 

“ذهابُكَ للإمبراطور… لأجلي أنا أيضًا، أليسَ كذلك؟”

 

“أيمكنُ اعتبارُهُ لأجلك؟”

 

حكَّ أوسكارُ رأسَهُ ولوَّحَ بالأوراقِ في يده.

 

“ذاهبٌ لأُلقيَ في وجههِ هذهِ الأوراقَ وأُخرسَهُ كي لا ينكثَ وعده.”

 

“أي لتُلزمَهُ بإيفاءِ وعدِهِ لي بإحالةِ عمّي للتقاعد، أليسَ كذلك؟”

 

“…….”

 

تفحَّصَ أوسكارُ وجهي الكئيبَ في استغرابٍ وقطَّبَ جبينَه.

 

“وماذا في ذلك؟”

 

“أعتذرُ منك، يا مُعلِّمي.”

 

“فجأة؟”

 

“خطرَ لي الأمرُ فجأة. أشعرُ بأنّي أنالُ منكَ كُلَّ شيءٍ دونَ مقابل.”

 

حرَّكتُ أصابعَ قدميَّ في خجل.

 

“ما كانَ عليكَ تكبُّدُ هذهِ المصاعب. ومع ذلكَ ذهبتَ لصيدِ الوحوشِ مع أبي رُغمَ خطورتِها، وسعيتَ لإحالةِ عمّي للتقاعد…”

 

“…….”

 

“وقضيتَ ساعتينِ اليومَ لتوضيحِ الأمرِ لجدّي وكتمانِ سرّي…”

 

كانَ شعوري بالذنبِ نحوهُ يُعذّبُني كُلّما استحضرتُه.

 

فيُحزِنُني أنّهُ يزجُّ بنفسِهِ في متاعبَ لا تخصُّهُ لأجلي، متذكّرةً فيضَ ما نلتُهُ منه.

 

فقد أنقذَ حياتي، ويتحمَّلُ الثمنَ بمفرده.

 

“لكنّي… عاجزةٌ عن تقديمِ أيِّ شيءٍ لكَ الآن، ولا أدري ما الذي ينبغي لي فعلُه…”

 

عجزتُ عن إتمامِ حديثي المشتّت.

 

“لو لم تلتقِ بي… لما تحمّلتَ كُلَّ هذا العناء…”

 

حقيقةٌ قاسيةٌ تجاهلتُها خجلًا من عِظَمِ أسفي.

 

وهي أنّي أفسدتُ مجرى حياته.

 

“أنا… أقصد…”

 

ومع ذلكَ أتلقّى عونَهُ دائمًا دونَ أن أجد طريقةً لإنقاذه.

 

“يا هذه.”

 

“…نعم.”

 

“أفي الأرضِ شيء؟ ارفعي رأسَكِ في الحال.”

 

“…….”

 

واصلتُ إطراقَ رأسي، فجثا أوسكارُ على ركبتيهِ ليُحاذيَ عينيّ.

 

“انظري إليّ.”

 

رفعتُ بصري في خجل، فابتسمَ بهدوء.

 

“أنتِ محقّة. أتحمّل المشاقَّ بسببكِ بالفعل.”

 

“أعتـ…”

 

“لكنَّ هذا العناءَ لا يزعجني. لأنّي أراهُ سبيلًا لحمايتِكِ في النهاية.”

 

“…….”

 

“لم تُجبريني على أيِّ خيارٍ اتّخذتُه. كُلُّها كانت بمحضِ إرادتي ولا أندمُ عليها، ولو ندمتُ لما أتيتُ إليكِ قبلَ أربعِ سنوات.”

 

أمسكَ أوسكارُ بكتفيَّ وقالَ بنبرةٍ قاطعة.

 

“سأختارُ الخيارَ ذاتَهُ لو أُعيدَتِ الكرّة. لأنّي أريدُ رؤيتَكِ تنشئينَ بسلامٍ كسائرِ البشر.”

 

“مُعلِّمي…”

 

“لقائي بكِ كانَ أعظمَ حظٍّ لي.”

 

…آه.

 

“فلا تشغلي بالَكِ بالاعتذارِ كُلّما فعلتُ شيئًا. فليسَ هناكَ ما يُسعدُني كالعناءِ من أجلكِ.”

 

…ماذا عسايَ أفعلُ أمامَ هذا؟

 

انهمرتْ دموعي ثانيةً فارتميتُ في حضنهِ ومسحتُ عينيَّ الدامعتينِ في كتفه.

 

“وأنا كذلك. مُعلِّمي هو أعظمُ حظٍّ في حياتي…”

 

“لِمَ تبكينَ مجدّدًا!”

 

“الدموعُ تغلِبُني. مُعلِّمي، تعلمُ كم أُحبُّكَ كثيرًا جدًّا، أليسَ كذلك…؟”

 

“مجردُ كلام.”

 

تذمَّرَ أوسكارُ مازحًا وهو يحتضنُني.

 

“هيك. فلا أملكُ شيئًا أُقدّمُهُ لك…”

 

تذكّرتُ نفسي في حياتي السابقةِ وأنا أسترجعُ ذكرياتي.

 

حينَ كنتُ أمتنعُ عن تقبيلِ أوسكار الذي ربّاني كأبٍ وأتصرَّفُ بفظاظة…

 

“هيهي.”

 

تمالكتُ نفسي وطبعتُ قُبلةً سريعةً على وجنةِ أوسكار.

 

“…….”

 

اتّسعتْ عيناهُ دهشة.

 

“هاه.”

 

ابتسمَ أوسكارُ وداعَبَ وجنتي بلُطف.

 

“حسنًا، هذهِ هديّة ثمينة.”

 

***

 

القصرُ الإمبراطوري، قاعةُ الاستقبال.

 

كانَ سيّدُ البرجِ الذي جعلَ الإمبراطورَ ينتظرُهُ لساعةٍ في غايةِ التبجُّح.

 

‘وغدٌ وقح.’

 

جلسَ مستندًا ببرودٍ واضعًا ساقًا فوقَ ساقٍ متفحّصًا أظافرهُ وقال:

 

“مباركٌ لكَ يا جلالةَ الإمبراطور.”

 

ولادةُ أرضٍ إمبراطوريةٍ جديدة.

 

وترامى في الخارجِ دويُّ الهتافاتِ الممجدةِ للإمبراطور.

 

“عاشَ جلالةُ الإمبراطور! فليحيَ لآلافِ السنين!”

 

“عاشَ البطلُ الفاتح، سيادةُ دوقِ ليبر أكسيون!”

 

ابتسمَ أوسكارُ ساخرًا لسماعِ تلكَ الهتافات.

 

“لم يخطرْ ببالي قطّ أنّكَ أرسلتَ دوقَ ليبر إلى موارتي.”

 

“ما غايتُك؟”

 

أخرجَ أوسكارُ بعضَ الأوراقِ من صدرِهِ ووضعَها على الطاولة.

 

صيغٌ سحريّة.

 

اتّسعتْ عينا الإمبراطور.

 

وما إن مدَّ يدَهُ بلهفةٍ عارمة—

 

“مهلًا.”

 

—حتّى سحبَها أوسكارُ من أمامِ عينيهِ بابتسامةٍ عريضة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.