مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 191: الفصلنحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 191: الفصل

191

الفصل 191

 

***

 

في اليومِ التالي.

 

عُدتُ إلى البيتِ بعدَ غيابٍ دامَ شهرًا وأسبوعين.

 

ليسَ قصرَ أكسيون الذي لجأتُ إليهِ لإخفاء نموّي المفاجئ، بل بيتي الحقيقيّ. قصرُ دوقيّةِ روبنشتاين!

 

“صغيرتُنااا!”

 

“ليليث!”

 

وما إن دخلتُ حتّى اندفعَ نحوي شابانِ يافعان.

 

مَن هذان؟ كانا التوأمينِ على ما أذكر…

 

“يـ، يا شقيقاي! ما هذا… أُوبوبوب! لحظةً واحدة!”

 

“مهلًا يا ليون! توقَّفْ ستؤذيها!”

 

منعَ ثيو ليون الذي اختطفَني فجأةً وأخذَ يفركُ وجنتَهُ بوجنتي.

 

“أينَ كنتِ طَوالَ هذا الوقت! زرناكِ ورَفَضتِ مقابلتَنا!”

 

“أعـ، أعتذر. ولكن يا أخي، لِمَ…”

 

فغرتُ فمي ناظرةً بالتبادلِ إلى الشابينِ الوسيمينِ ذوَي الشعرِ الذهبيِّ اللذينِ زالتْ عنهما براءةُ الطفولة.

 

“لِمَ كبِرتُما هكذا؟!”

 

“أجل، كبِرتُ وطُلتُ ثلاثةَ سنتيمتراتٍ إضافية!”

 

“لستُ أقصدُ الطول، بل غدوتُما رجلينِ بالكامل!”

 

أهو سِنُّ السادسةَ عشرةَ وسنُّ البلوغ؟

 

لم أرَهُما لشهرٍ ونصفٍ فقط، لكنّهما بَدَوَا غريبينِ عنّي.

 

‘هل اختفيتُ كُلَّ تلكَ المدّةِ سُدًى إذًا؟’

 

فنموّي المفاجئُ لا يكادُ يُذكرُ مقارنةً بتبدُّلِ التوأمين.

 

أأعتبرُ هذا لحُسنِ الحظّ…

 

“قالتْ أمي وأبي إنّهما سيأتيانِ لتناولِ العشاءِ ورؤيتِك، وسنبقى نحنُ هنا لفترة.”

 

قالَ ثيو وهو ينتزعُني من حضنِ ليون ويضعُني أرضًا.

 

“ولماذا؟”

 

“لِمَ تسألين؟ لنقضيَ الوقتَ معكِ بعدَ فراقِ شهرٍ كامل.”

 

عاتبَني ثيو بملامحَ حزينةٍ ثمَّ ابتسمَ مشرقًا.

 

“أتركبينَ الخيلَ معي غدًا؟ الجوُّ لطيفٌ هذهِ الأيّام، وسنتناولُ طعامًا شهيًّا بعدَ ذلك.”

 

“أيُّ جوٍّ لطيفٍ والحرُّ خانق؟ دَعْكَ من هذا ولنذهبْ للوادي لاصطيادِ العناكب.”

 

“آه، ولكن…”

 

حككتُ وجنتي متردّدة، فتدخَّلَ أبي فجأة.

 

“ألم تسمعا؟ انضمتْ أميرتي إلى بُرجِ السحرِ قبلَ أيّامٍ وعليها الذهابُ للدراسةِ نهارًا.”

 

“سمعنا، أطَوالَ اليوم؟”

 

“تقريبًا، ينتهي دوامُها في السادسة.”

 

خابَ أملُ التوأمين، فبادرتُ بمواساتِهما.

 

“لديَّ يومُ عطلةٍ أسبوعيّ. ليسَ غدًا، لكن سنلعبُ حينَها!”

 

وبدا عليهما الحزنُ رغمَ ذلك، لكن لا حيلةَ بيدي.

 

“أوه، جدّييي!”

 

رأيتُ جدّي يهبطُ إلى الطابقِ الأوّل، فركضتُ نحوهُ وارتميتُ في حضنهِ مسرورة.

 

“يا صغيرة، أكنتِ بخير؟ ألم يُصِبْكِ مكروه؟”

 

“نعم! وماذا عنكَ يا جدّي؟”

 

“أنا على حالي كالعادة.”

 

“هيهي! اشتقتُ لكَ. سأجلسُ بجانبِكَ على العشاءِ الليلة!”

 

ابتسمَ جدّي ومسحَ على رأسي.

 

‘هممم.’

 

قلقتُ على جدّي الذي بدا شاحبًا ونحيلًا بعضَ الشيء، بخلافِ شقيقَيَّ التوأمينِ المفعمينِ بالشباب والصحّة.

 

***

 

“ما الذي تفعلهُ في تحرُّكاتِكَ هذه؟”

 

سألَ الوالدُ نورديك فجأةً بعدَ استدعائِهِ لابنه، فتظاهرَ إينوك بالانشغال.

 

“ماذا أفعل؟ أمارسُ عملي طبعًا.”

 

“أتتلاعبُ بالألفاظ؟ ألم تفهمْ مقصدي، أم تتصنَّعُ الغباء؟”

 

نقرَ نورديك لسانَهُ.

 

“تأخذُ الطفلةَ وتودعُها في قصرِ غيرِك، وتمنعُنا من رؤيتِها. وفوقَ ذلكَ تُرسلُها إلى بُرجِ السحرِ فجأة.”

 

“…….”

 

“تتصرَّفُ بريبةٍ كهذه، أتحسبُني سأتغاضى؟”

 

“أبي.”

 

“لا أمنعُكَ ممّا تريده، لكن لن أسمحَ لكَ بإقحامِ الطفلةِ في أفعالِك.”

 

“…….”

 

“قل الحقيقة. ما الذي تدبّرهُ مع هذهِ الطفلة؟”

 

كتمَ إينوك تنهيدتَه.

 

فحديثُ نورديك عن توريطِ الفتاةِ لم يكن قريبًا للصوابِ تمامًا.

 

“…لا تقلق. أيعقلُ أن أُعرّضَ أميرتي للخطر؟”

 

“سواءٌ أكانَ خطرًا أم لا.”

 

أضاف نورديك بنبرةٍ حازمةٍ وصارمة.

 

“أخبرني بما تُخفيهِ عنّي الآن.”

 

“…….”

 

عجزَ إينوك عن إجابةِ والدهِ القلق.

 

فكتمانُهُ كانَ لقلقه على أبيه.

 

فكُلُّ مَن علِمَ بحقيقةِ ليليث باتَ يعيشُ في قلقٍ دائم.

 

كأوسكار، وتشيشير.

 

فماذا لو علِمَ نورديك أيضًا…

 

“لا أُخفي شيئًا. وحتّى لو وُجِد، فلن أسمحَ بمساسِ أميرتي بأيِّ سوء.”

 

“أما زلتَ تُكابر!”

 

“كُلُّ هذا لأجلِكَ يا أبي.”

 

استدارَ إينوك بحزم.

 

“ثِقْ بي وانتظرْ فقط.”

 

***

 

في اليومِ التالي.

 

كانَ أوسكارُ يستقبلُ زائرًا غيرَ متوقّعٍ في بُرجِ السحر.

 

نورديك، والدَ إينوك.

 

“أعتذرُ عن زيارتي المفاجئةِ وأنتَ في خِضَمِّ انشغالِك.”

 

“لا بأس، مرحبًا بك.”

 

ارتشفَ نورديك من فنجانِ الشاي.

 

عجِبَ أوسكارُ من وقارِ نورديك وهيبتِهِ النبيلةِ المنسابةِ في كُلِّ إشارةٍ وجلسة.

 

فرغمَ شَبَهِهِ المخيفِ بابنهِ إينوك، فإنَّ هالتَهُ نقيضةٌ تمامًا.

 

“جئتُ لأسأل سيّدَ البرجِ عن أمرٍ يحيّرُني.”

 

“عمَّ تسأل؟”

 

وضعَ نورديك الفنجانَ ونظرَ في عينيهِ بنظراتٍ صارمة.

 

“أنا على عِلمٍ بكلِّ ما يفعلُهُ ابني… وأعلمُ شاكرًا أنّكَ عونٌ عظيمٌ له.”

 

“نعم، وماذا بعد؟”

 

“لكن هناكَ أمرٌ كتمَهُ ابني عنّي، ولا بُدَّ لي من معرفته. فجئتُ أستمعُ لما لديك.”

 

“همم، لكتمانِ ابنِكَ أسبابه. ولستُ عالمًا بكُلِّ تحرُّكاتِه.”

 

“بل تعلمُ حتمًا. فالأمرُ يخصُّ حفيدتي.”

 

تجمّد أوسكار.

 

ليليث؟

 

“ما سببُ دخولِ ليليث المفاجئِ إلى بُرجِ السحر؟”

 

أدركَ أوسكارُ الأمرَ حينَها.

 

‘الأمرُ المكتومُ يخصُّ الفتاةَ إذًا.’

 

يبدو أنَّ إينوك لم يُخبرْ نورديك بحقيقةِ كونِ ابنتِهِ ‘بريميرا’.

 

ومشاركتُهُ تفاصيلَ الثورةِ دونَ ذِكْرِ حقيقةِ الطفلةِ أحدثتْ فجواتٍ في الفهمِ أثارتْ ريبةَ نورديك.

 

“أعرفُ حفيدتي جيّدًا. هي ذكيّةٌ لكنّها طفلةٌ تحبُّ اللعبَ مع إخوتِها وأقرانِها أكثرَ من الدراسة، ويستحيلُ أن تطلبَ دخولَ البرجِ برغبتِها.”

 

ابتلعَ أوسكارُ ريقَهُ أمامَ سرعة بديهة نورديك.

 

‘هذه ورطة. فمعرفةُ هذا الرجلِ بالحقيقةِ لن تجلبَ أيَّ نفع.’

 

فمعرفةُ سرِّ ليليث تُعطّلُ التصرُّفَ العقلانيّ.

 

كالحادثِ الجسيمِ الذي ارتكبَهُ تشيشير لأجلِها، والكوابيسِ المستمرّةِ التي تُطاردُ أوسكار نفسَه.

 

‘ابنُكَ كتمَ السرَّ خشيةَ أن يرتفعَ ضغطُ دمِكَ وتموت باكرًا.’

 

نقرَ أوسكارُ لسانَهُ في سرِّهِ وراوغَ قائلًا.

 

“لعلّكَ تجهلُ حفيدتَك. دخلتِ البرجَ برغبتِها، ودخولُهُ مَكسبٌ يتهافتُ عليهِ الجميع.”

 

“ولِمَ الآنَ تحديدًا؟”

 

قال نورديك بحِدّة.

 

“حفيدتي معفيةٌ من الخدمةِ العسكريّةِ فلا حاجةَ لها للاستماتةِ لدخولِ البرج. ولهذا كنتَ تأتي لتعليمِها في القصرِ بنفسِك.”

 

“…….”

 

“فدخولُها في هذا التوقيتِ بالذاتِ وراءَهُ سببٌ سياسيّ، هذا ما أراه.”

 

دُهِشَ أوسكار.

 

‘ما سرعة البديهة الثاقبة هذه؟’

 

علِمَ أنّهُ ليسَ بالرجلِ السهل، لكنّها حكمةُ قائدٍ أدارَ أعظمَ عائلاتِ الإمبراطوريةِ طَوالَ حياته.

 

“أنا أدعمُ ابني، لكن أرفضُ تمامًا استغلالَ حفيدتي في ذلك.”

 

“…….”

 

“أخبرني بالحقيقة، وأرجو أن تكونَ مقنعة.”

 

والواقعُ يُطابقُ استنتاجَ نورديك.

 

فدخولُ ليليث للبرج…

 

كانَ لغايةٍ سياسيّةٍ تهدفُ لتحريرِ أكسيون من قبضةِ الإمبراطورِ لصالحِ الثورة.

 

‘لكن إفصاحي عن هذا لرجلٍ أتى غاضبًا هكذا سيُشعلُ كارثة…’

 

لا حيلةَ إذًا.

 

أدارَ أوسكارُ عقلَهُ ووضعَ مِرفقَهُ على الأريكةِ مبتسمًا في غرورٍ واضعًا ساقًا فوقَ ساق.

 

“لأكونَ صريحًا معكَ.”

 

“تفضَّل.”

 

“أُعجبتُ بحفيدتِكَ منذُ اللحظةِ الأولى، وبذلتُ جُهدًا طويلًا لاستمالتِها وإغوائها.”

 

“……؟”

 

ضاقتْ عينا نورديك.

 

“وفي النهايةِ نجحتُ في استمالتِها فوافقتْ على المجيءِ معي.”

 

“…….”

 

“خشيتُ أن يرفضَ أبوها أو جدُّها إن علموا.”

 

استوعبَ نورديك مغزى الكلماتِ وفغرَ فاهُ ببطء.

 

“أليسَ كذلك؟ ما كنتم لتوافقوا.”

 

“مـ، ما هذا الذي تهذي به…”

 

“لذا أغويتُها خفيةً. لأُربّيَها بعنايةٍ وأضعَها في المكانةِ المجاورةِ لي مستقبَلًا…”

 

“يا لكَ من وغدٍ عديمِ الحياء!”

 

“ووه!”

 

انتفضَ نورديك واقفًا في الحال، وقد احمرَّ وجهُهُ غيظًا وحنقًا.

 

‘ما هذهِ الضخامة؟’

 

رفعَ أوسكارُ بصرَهُ واضعًا يدَهُ على صدرِهِ في فزع.

 

هالةٌ مرعبة،

 

وكتفان عريضانِ ونظراتٌ حادّةٌ تُنافي سِنَّ كِبره،

 

لا يملكُ المرءُ أمامَها إلّا أن ينكمشَ رُعبًا.

 

“علمتُ بوقاحتِكَ وتكبُّرِكَ وكأنَّكَ فوقَ الجميع.”

 

جزَّ نورديك على أسنانِهِ ولفظَ الكلماتِ بارتعادٍ وغضب.

 

“لكن لم أحسبْكَ دنيئًا تتجرّأُ على مثلِ هذا الفعلِ الخسيس!”

 

“…؟ ماذا؟”

 

أأخطأتُ لدرجةِ نيلِ مثلِ هذا الكلام؟

 

راجعَ أوسكارُ كلامه.

 

ألا يحقُّ لسيّدِ البرجِ استمالةُ موهبةٍ لرفعةِ شأنِ البرج؟

 

أَيستوجبُ هذا كُلَّ ذلكَ الغضب؟

 

“كلامُكَ قاسٍ بعـ…”

 

أطبقَ أوسكارُ فمَهُ قبلَ أن يُتِمَّ اعتراضه.

 

فعصا نورديك السوداءُ الأنيقةُ تحوَّلتْ في عينيهِ إلى سلاحٍ قاتل.

 

أنزلَ أوسكارُ ساقَهُ المعقودةَ بتواضعٍ وخوف.

 

“…فلنتحدَّثْ باللسان.”

 

“أتريدُ التحدُّثَ باللسان؟”

 

وحينَها.

 

فُتِحَ البابُ في توقيتٍ مثاليّ.

 

“مُعلِّمييي! لقد أتيت! مدلّلتُكَ الصغيرةُ الـ…!”

 

دخلتْ ليليث المكتبَ بعفويةٍ كعادتها.

 

التفتَ نورديك نحوَ الطفلة.

 

“…جـ، جدّي؟!”

 

“…….”

 

حدَّقَ نورديك في حفيدتِهِ بضحكةٍ ساخرة، ثمَّ أعادَ نظراتِهِ الناريةَ نحوَ أوسكار.

 

وأمامَ تلكَ الهيبة،

 

“نعم، باللسان. أرجو أن نتحدَّثَ باللسانِ فقط…”

 

ابتلعَ أوسكارُ ريقَهُ ورفعَ يديهِ مستسلمًا في هلع.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.