الفصل 185: الفصل
185
الفصل 185
“آه، نعم…”
“أترغبونَ في حَلِّها معها؟ فهي في المنهجِ الذي تدرسونَهُ حاليًّا على أيِّ حال.”
“نعم! سنفعل!”
“وأنا أيضًا، وأنا!”
ما إن تكلَّمَ أوسكار، حتّى تحمَّسَ الأطفالُ جميعًا وعلتْ أصواتُهم.
ما هذا الشغفُ بالعلم؟
“لا بأسَ إن أخطأتُم في الأسئلةِ الثلاثةِ الأخيرة. فقد وضعتُها لتُخطئوا فيها.”
وزَّعَ أوسكارُ ورقةَ الاختبارِ ذاتَها على الأطفالِ ثمَّ قالَ لي:
“لكن أنتِ إيّاكِ والخطأ. فلن أسمحَ باجتيازِكِ ما لم تنالي الدرجةَ الكاملة.”
“…….”
ألقيتُ نظرةً سريعةً على الأسئلة.
كُلُّها عن الدوالِّ المثلثية، باستثناءِ الأسئلةِ الثلاثةِ الأخيرة.
وهو منهجُ الصفِّ الثاني الثانويِّ تقريبًا بحسبِ ذكرياتِ حياتي السابقة.
‘أيحُلُّ هؤلاءِ الدوالَّ المثلثيةَ الآن؟’
ابتلعتُ ريقي ونظرتُ إلى الأطفالِ في مثلِ سِنّي، والذينَ يبدونَ في سنِّ المرحلةِ الابتدائية.
‘أيعقل؟ أمزاحٌ هذا؟’
رأى هانز تردُّدي في مسكِ القلمِ لفرطِ صدمتي، فابتسمَ ساخرًا كمن توقَّعَ ذلك.
“يا رفاق، اخفُوا أوراقَكم!”
شرعَ الأطفالُ في الحَلِّ حاجبينَ أوراقَهُم بأذرعِهِم بإحكامٍ خشيةَ أن أغشَّ منهم.
“ماذا تفعلين؟ اجلسي وحُلّي سريعًا.”
أشارَ أوسكارُ بذقنِهِ نحوَ الكرسيّ، لكنّي هززتُ رأسي.
“كلا، لا بأس.”
أزحتُ هديةَ الإمبراطورِ البرّاقةَ بعيدًا، وتناولتُ قلمًا عاديًّا ملقًى على الطاولة.
“سأجلسُ بعدَ أن أُنهيَ الحَلّ…”
“……؟”
عشرةُ أسئلةٍ في المجمل.
من الأوّلِ إلى السابعِ دوالٌّ مثلثية، والثلاثةُ الباقيةُ تفاضلٌ وتكاملٌ ومشتقّات.
ملأتُ الورقةَ بتمهُّلٍ شديد، مدوّنةً خطواتِ الحَلِّ بدقّةٍ لأتجنّبَ أيَّ خطأ.
“…انتهيت.”
رفعَ هانز رأسَهُ مذهولًا عندَ سماعِ كلماتي.
تنهّدتُ وسلّمتُ الورقةَ لأوسكار.
“هممم.”
جلسَ أوسكارُ واضعًا ساقًا فوقَ ساقٍ وتصفَّحَ إجاباتي، ثمَّ ابتسمَ ساخرًا وقلبَ الورقة.
“أما زلتم لم تنتهوا بعد؟”
“أنا انتهيتُ أيضًا!”
“وأنا كذلك!”
“تفقّدْها.”
أمرَ أوسكار، فقامَ روبيل بتصحيحِ درجاتِ الأطفال.
الجميعُ نالوا سبعينَ درجة.
عُقِدَ لساني من الدهشة.
فهي الدرجةُ الكاملةُ باستثناءِ الأسئلةِ الثلاثةِ التي لم يدرسوها بعد.
‘أطفالٌ في سنِّ الابتدائيةِ يحُلّونَ الدوالَّ المثلثية؟’
هؤلاءِ الأطفالُ ‘حقيقيّون’!
عباقرةٌ حقيقيّون!
“كم نالتْ هي؟ أحلَّتْ مسألةً واحدةً على الأقل؟”
سألَ هانز بحذر، فدفعَ أوسكارُ ورقتي المقلوبةَ نحوَ وسطِ الطاولةِ وقال.
“الدرجةُ الكاملة.”
جحظتْ أعينُ الأطفال.
خطفَ هانز ورقتي وتفحَّصَها مسألةً تلوَ الأخرى، وفغرَ فاهُ ببطء.
“هـ، هذا…”
“كما أقولُ دائمًا. هذا مكانٌ يُدخَلُ بإثباتِ الجدارةِ الصارمة. وقد أثبتموها وأصبحتم تحتَ إمرتي، وموعودونَ بثروةٍ ونفوذٍ يستحيلُ على العامّةِ نيلُها في هذهِ البلاد.”
كتَّفَ أوسكارُ ذراعيهِ واستندَ بتباهٍ وتابع.
“إيّاكم والخوف إن قابلتُم نبلاءَ حمقى. أخرسوهم بالمنطق، وإن لم يفهموا فاركلوهم بقوّة، وسأتولّى أنا العواقب.”
ما الذي يُعلّمُهُم إيّاهُ بحقِّ خالق السماء؟
“لكن إن أثبتَ أحدُهُم جدارتَه، فعليكم التحلي بالفضيلةِ للاعترافِ بهِ حتّى لو كانَ نبيلًا. فهذا هو جوهرُ الاستحقاقِ الذي لقَّنتُكُم إيّاه.”
نهضَ أوسكارُ ناظرًا إلى هانز المصدومِ الذي عجزَ عن تحويلِ بصرِهِ عن ورقتي.
“اسمُها ليليث روبنشتاين. تكبرُ هانز بعام، وهي في مثلِ سِنِّ البقيّة.”
ووضعَ يدَهُ على كتفي مضيفًا:
“تعاملوا بوئامٍ من الآنَ فصاعدًا، مفهوم؟”
***
كانَ جدولُ الموهوبينَ بسيطًا.
حَلُّ مسائلِ الرياضياتِ بلا انقطاعٍ صباحًا، وتعلُّمُ أصولِ ابتكارِ الصيغِ السحريّةِ بعدَ الظهر.
وسمعتُ أنَّ هانز بلغَ مستوى ابتكارِ بعضِ الصيغِ البسيطةِ بنفسه.
“ليليث!”
“نعم؟”
اقتربتْ منّي إيلي حاملةً كتابًا. وكانت الفتاةَ الوحيدةَ في الصفِّ قبلَ قدومي.
“اسمعي، استخرجتُ القيمةَ حينَ يكونُ sin x جذرَ 3 على 2, فهل يجبُ استخراجُها عندما يكونُ نصفًا أيضًا؟”
“…….”
أهذا معقول؟
تنهّدتُ أمامَ التناقضِ بينَ ملامحِ إيلي الطفوليةِ وتلكَ المسألةِ المثلثيةِ المعقّدة.
ومع ذلك لم يسعْني الامتناعُ عن إجابتِها.
“لا داعي لذلك. فالنتيجةُ متماثلةٌ في الحالتين سواء كانت 3 على 2 او نصفًا، لذا لا حاجةَ لحسابِ قيمِ (x) كلِّها…”
أشرقَ وجهُ إيلي بعدَ شرحي.
“مذهل! فهمتُ بسهولةٍ تفوقُ شرحَ هانز أو الأستاذِ روبيل! أنتِ عبقريّةٌ حقيقيّة!”
“لـ، لستُ كذلك…”
انبهرَ الأطفالُ المشبَّعونَ بمبدأِ الجدارةِ كُلّما حللتُ المسائلَ المستعصيةَ بسهولة.
وكانَ ضميري يُؤنّبُني كُلّما نعتوني بالعبقريّة.
‘العباقرةُ هم أنتم الذينَ تحُلّونَ هذا في سنّكم، لا طالبةُ الدراساتِ العليا التي كانت تُدرّسُ الخصوصيَّ لتسديدِ رسومِ جامعتها!’
لكن يستحيلُ علي قول الحقيقةِ بالطبع.
حككتُ وجنتي في خجل، وتلاقتْ عينايَ مع هانز الذي كانَ يرمقُني بحِدّة.
‘هانز…’
أصبح جميع الأطفالُ مقرّبين منّي، لكنَّ هانز ظلَّ لا يقبلني ويبدو أنّهُ يستشعرُ المنافسة.
***
‘أهذا حقيقيّ؟’
خرجتُ من المطعمِ وأنا أمسحُ بطني الممتلئة.
‘كم هو لذيذٌ للغاية!’
يُقدّمُ البرجُ للباحثينَ ثلاثَ وجباتٍ فاخرةٍ يوميًّا.
وليسَ هذا فحسب، بل هو بيئةُ عملٍ مثاليّةٌ تضمنُ أرقى درجاتِ الرفاهية!
فلا عجبَ أن يتهافتَ الجميعُ لدخوله.
“أعائدةٌ إلى منزلكِ الآنَ يا ليليث؟”
سألتْ إيلي،
وكانت تحملُ ورقةَ القوانينِ الرياضيّةِ التي لم تُفارقْ يدَها حتّى في المطعم.
وكذا كانَ سائرُ الأطفال.
“نعم، سأعود. وانتهتْ ساعاتُ دراستِكُم فيمكنُكم الاستراحة، أليسَ كذلك؟”
“أجل! سننطلقُ للَّعِبِ فورًا!”
يبقونَ أطفالًا في النهاية.
سُرِرتُ لرؤيةِ بهجتِهِم بانتهاءِ الدوام.
“سأتنزَّهُ قليلًا ثمَّ أحُلُّ المزيدَ من تطبيقاتِ الدوالِّ المثلثية!”
“وأنا سأراجعُ المتتالياتِ الحسابيّةَ والهندسيّة.”
“صحيح. قالَ الأستاذُ روبيل إنّهُ سيُعلّمُنا التفاضلَ والتكاملَ بعدَ اجتيازِ هذا الجزء، فلندرسْ معًا.”
…ماذا؟
“مـ، مهلًا يا رفاق؟ أهذا لَعِب؟ هذا مجرّدُ استمرارٍ في الدراسة!”
“…؟ هذا هو اللعبُ بالنسبةِ لنا.”
كلا! ليسَ كذلك!
شتّانَ بينهما!
ارتبكتُ لعجزي عن تصحيحِ مفاهيمِهم، فابتسمتْ إيلي بخجل.
“سُرِرتُ بلقائِكِ اليوم. وأعتذرُ عن فظاظتي السابقةِ وسوءِ ظنّي بك.”
“وأنا أعتذرُ أيضًا، فلنتصادقْ من الآن. حسبتُ النبلاءَ أشرارًا كلَّهم، لكنّكِ لطيفةٌ وذكيّةٌ للغاية.”
“أحم، أحقًّا؟”
قالَ الفتى جاسبر ذلك، تحسّن مزاجي سرًّا.
“ولكن يا ليليث، أنتِ نبيلةٌ أيضًا، لذا لا تمشين أكثر من ثلاث خطواتٍ خارجًا؟ ألا زالَ العامّةُ يركعونَ لكِ في الطريق؟ انقطعتُ عن الخارجِ منذُ دخولي للبرجِ ولا أعلم.”
سألَ روكي، الأكثرُ فضولًا بينهم.
“ما هذا الكلام؟ ليسَ الأمرُ كذلك.”
لوَّحتُ بيدي في حرج.
“الجميعُ يمشونَ بطبيعيّة، وأنا مثلُهم. أمّا عن الركوع…”
“أيركعونَ لكِ؟”
“يحدُثُ هذا أحيانًا لكن ليسَ معي! هذا يخصُّ رتبةَ ‘دوس’، أمّا أنا… فمن رتبةِ ‘أوكتافا’ كما تعلمون.”
هتفَ الأطفالُ متفهّمينَ وأومأوا برؤوسِهم.
“لذا لا أعرفُ الكثيرَ من ‘دوس’. بل كلُّ أصدقائي في الصالوناتِ من الرُّتبِ المتواضعة، وجميعُهُم طيّبونَ ونتعاملُ بوئام.”
“أهكذا إذًا؟”
“نعم! ولديَّ أصدقاءُ كُثُرٌ من العامّةِ أيضًا، تعرَّفتُ عليهم في معهدِ التدريب…”
“أمرٌ مضحك.”
قاطعَني هانز الذي كانَ منشغلًا بحفظِ القوانينِ في الخلف.
“كُلُّ هذا كذب. أبوها من رتبةِ ‘دوس’ فكيفَ لا تعرفُهم؟ وأتتساوى كلُّ ‘أوكتافا’ مع غيرِها؟”
كتَّفَ هانز ذراعيهِ وأضاف.
“لا يجرؤُ معظمُ النبلاءِ على مساسِها هيبةً لأبيها، وهي كائنٌ في قمّةِ الهرمِ منذُ ولادتِها.”
“كلا، ليسَ كذلك.”
“بل هو كذلك. لا بأسَ بالصداقةِ لكن لا داعي للكذب. أتخافينَ من ‘دوس’ لكونِهِم أعلى رتبةً منكِ؟ بالطبعِ لا!”
رفعَ هانز نظارتَهُ وتحدَّثَ بمنطقٍ صارم.
“ابنةُ أعظمِ عائلةٍ نبيلةٍ في العاصمةِ تُصادقُ العامّةَ والرُّتبَ الدنيا؟ بل تصديقُ أنّكِ تستخدمينَ ‘دوس’ كخدمٍ عندكِ أكثر منطقيّة!”
“هانز! أمرَنا سيّدُ البرجِ بالتوافق. فلِمَ تفتعلُ الشجار؟”
“صحيح، لم تُسِئْ ليليث في شيء، فكُفَّ عن هذا.”
دافعتْ إيلي وجاسبر عنّي، لكنَّ هانز ظلَّ ممتعضًا.
“أقصدُ ألّا تتصنَّع. هي أسدٌ ونحنُ أرانب، أليسَ من النفاقِ ادّعاءُ الصداقةِ مع مَن لا يمكنُ مصادقتُهم؟”
“…….”
“تقولين هذا تملُّقًا لسيّدِ البرجِ الذي يمقتُ التمييزَ الطبقيَّ ويُعلي من شأنِ الكفاءة، لكنَّ حيلتَكِ مكشوفة.”
…كيفَ لطفلٍ في العاشرةِ أن يكونَ سليط اللسان هكذا؟
هممتُ بالردّ، لكنَّ مجادلةَ طفلٍ بدتْ سخيفةً فاكتفيتُ بالتنهُّد.
“حسنًا يا هانز، قد يُساءُ فهمي. وسأُثبتُ صدقي مع الوقت. لكنّي لم أكذبْ قطّ، ولم أُميّزْ في الصداقةِ ولن أفعل، فلا تنظرْ إليَّ بسوء.”
ردٌّ أنيقٌ بما يكفي.
ارتحتُ لكلامي، لكنَّ أعينَ الأطفالِ الأربعةِ شَخَصَتْ فجأةً نحوَ ما خلفي.
‘ما الخطب؟’
انتابَني شؤمٌ والتفتُّ مسرعة.
“……؟”
عربةٌ تقفُ خلفي دونَ أن أشعر،
‘لحظة…’
وترجَّلَ منها تشيشير!
‘أفي هذا التوقيتِ بالذات؟’
كانَ تشيشير بزيِّ فرقةِ الفرسان.
رداءٌ أحمرُ يحملُ شارةَ رتبةِ ‘دوس’ بوضوح،
وعلى العربةِ الشعارُ الذهبيُّ المخصَّصُ لعائلاتِ ‘الدوق’ فقط.
رجلٌ لا ينحني لأحدٍ في الرتبةِ والنَّسَبِ سوى الإمبراطور—
“جئتُ لاصطحابِك.”
—أتى ليستقبلَني بتلكَ العبارة!
‘أوكتافا تستخدمُ دوس كحارسٍ شخصيٍّ لعودتِها للمنزل؟’
فوجئتُ تمامًا، وتزاحمتِ مئات الأفكار في رأسي.
‘لِمَ يرتدي كاملَ عتادِهِ وهو ليسَ في حملة؟ وفي هذا التوقيتِ بالذات؟ أيتعمَّدُ إحراجي…’
ابتلعتُ ريقي والتفتُّ نحوَ الأطفالِ فزعة.
“يـ، يا رفـ…”
لكنّهم تراجعوا خمسَ خُطُواتٍ إلى الوراءِ بالفعل.
“يا رفاق؟!”
“لـ، ليليث! عودةً سالمة، نراكِ غدًا!”
“رافقتْكِ السلامة!”
“وداعـًا!”
فرَّ الأطفالُ هلعًا من هيبةِ سيد الدوقيّةِ من رتبةِ ‘دوس’ قبلَ أن أوقفَهم.
“يا رفاق!”
سقطتْ يدي الممدودةُ في عجزٍ بعدَ أن تعلّقتْ بالهواءِ خائبة.
أمّا هانز الذي بقيَ حتّى النهاية.
『”…بل تصديقُ أنّكِ تستخدمينَ دوس كخدمٍ عندكِ أكثر منطقية!”』
ابتسمَ ساخرًا كمن تحقَّقَ ظنُّهُ وانصرف.
“يا إلهي، يا إلهي.”
لقد دُمّر كلّ شيء.
مسحتُ وجنتي والتفتُّ نحوَ تشيشير.
“أنت… حقًّا… يا للعجب.”
“…أعتذر.”
استشعرَ تشيشير إحراجَ الموقفِ فبادرَ بالاعتذار.
“أقترفتُ… خطأً ما، أليسَ كذلك؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.