الفصل 173: الفصل
173
الفصل 173
“يا للهول، تشيشير.”
كتمتُ فمي بيدي.
“في الواقع، كنتُ أتحدَّثُ مع العمِّ قبلَ قليل…”
“أيُّ حديث؟”
“حادثةُ الوحوشِ المقدَّسةِ قبلَ أربعِ سنواتٍ حينَ تمَّ استدعاءُ رتبةِ أوكتافا؛ قالَ إنّي لا بُدَّ أني قد جُعتُ حينَها لنفادِ المانا، وقال أنَّ الجوعَ هو أوّلُ ما يشعرُ بهِ المرءُ عندَ نفاذها.”
“مستحيل.”
اتّسعتْ عينا تشيشير.
“…يبدو أنَّ والدي كانَ يختبرُكِ.”
“أليسَ كذلك؟ يا إلهي، ما الأمر؟ ولِمَ يختبرُني؟”
أيعقلُ أنّهُ يشكُّ في هويّتي؟
إن كانَ كذلكَ فتلكَ مصيبة؛
فمجرَّدُ نموّي الملحوظِ كافٍ ليُمكّنَ أيَّ فطنٍ من استنتاجِ أنّي ‘بريميرا’.
“لا بأس؛ قد يرتابُ لكن يصعبُ عليهِ الجزم. وحتّى لو عَلِم، فوالدي في صفِّنا على أيِّ حال.”
“هذا صحيح، لكن سيستبدُّ القلقُ بالعمِّ أيضًا…”
“لا حيلةَ في ذلك.”
تنهّدَ تشيشير وأضاف:
“فاختبائكِ هنا فجأةً كانَ مريبًا بحدِّ ذاتِه؛ ومن الطبيعيِّ أن يشكّ.”
“يا إلهي، كلا؛ قالَ أبي إنَّ العمَّ أضعفُ احتمالًا ممّا يبدو…”
“ليسَ هذا ما ينبغي أن تقلقي بشأنه. هَيّا بنا نخرجْ سريعًا؛ ألم تقولي إنَّ لديكِ موعدًا اليوم؟”
“آه، تذكّرت!”
كانَ اليومُ موعدَ لقائي بريكو بعدَ طولِ غياب؛
زعيمِ نقابةِ المعلوماتِ <النسر الأحمر>!
عينِنا الاستخباراتيّةِ التي لا يغيبُ عنها شاردةٌ في العاصمة!
كنتُ قد استرجعتُ أحداثَ الروايةِ الأصليّةِ وطلبتُ منه…
[في يوليو عام 1783، اندلعتْ مظاهراتُ العامّةِ في العاصمة،
وكانَ مطلبُهُم تأمينَ الحدِّ الأدنى من الحراسةِ والأمانِ في أحيائِهم،
فتجاهلَ الإمبراطورُ مطالبَهُم وقَطَعَ رؤوسَ عشرةٍ من قادةِ الاحتجاج.]
التحقيقَ في هذا الحادثِ الوشيكِ الوقوع.
“سأبدّلُ ثيابي بسرعةٍ و… آه!”
وحينَ هممتُ بالعودةِ إلى غرفتي،
تجمَّدتُ مكاني مذهولةً أمامَ مشهدٍ غريبٍ عبرَ نافذةِ غرفةِ تشيشير:
“ما الخطب؟”
نورٌ أزرقٌ يتراءى من بعيد.
‘لـ، لِمَ يظهرُ هذا مجدّدًا؟’
إنّهُ النورُ ذاتُهُ الذي رأيتُهُ في بُحيرةِ موليك المقدَّسة؛
الذي لم يرَهُ أحدٌ غيري…
<حينَ يُقبَضُ النور،
ستبدأُ التضحيةُ المقضيَّة.>
***
العاصمة، <مطعم ريكو>.
قبوُ المبنى الذي تسودُهُ أجواءٌ مغايرةٌ تمامًا للمطعمِ المعتادِ في الأعلى.
“ألم تتوصلوا إلى شيء؟”
سارَ رجلٌ يرتدي قناعَ مهرّجٍ ضاحكٍ بخُطًى حادّةٍ وجلسَ في مكانه؛
إنّهُ ريكو، زعيمُ نقابةِ المعلوماتِ <النسر الأحمر>.
“لا شيءَ من جهتي إطلاقًا.”
“وكذلكَ في شارعِ السيرافيم…”
هزَّ المخبرونَ المحتشدونَ رؤوسَهُم جميعًا.
“أمرٌ غريب، ما كانت لتطلبَ التحقيقَ دونَ سبب.”
فتحَ ريكو الرسالةَ التي بيده،
وكانت رسالةً بعثتْها ليليث قبلَ أسبوعين:
[السيّد ريكو! مضى وقتٌ طويل!
أكتبُ إليكَ راجيةً خدمة…
أيمكنُكَ استطلاعُ الأجواءِ في مناطقِ العامّةِ هذهِ الأيّام؟
لا بُدَّ أنَّ هناكَ مَن يُعدُّ لمظاهرات، وأتمنّى لو نعرفَ هويّاتِهِم مسبقًا…
لا داعي للردّ، سآتي للقائِكَ بنفسي بعدَ أسبوعين.
أراكَ حينَها!]
“هذا كلامٌ لا يُعقلُ يا ريكو.”
قالتِ المخبرةُ مارينا.
“ما الذي يدفعُ العامّةَ المرتعدينَ من بطشِ الإمبراطورِ للخروجِ في مظاهراتٍ مجازفينَ بحياتِهم فجأة؟”
كلامٌ سليم؛
فلا يُتصوَّرُ أن يثورَ عامّةُ الشعبِ للمطالبةِ بشيءٍ من الإمبراطور.
“دَعُوا هذا جانبًا الآن، ماذا عن الأمرِ الآخَر؟”
لم يتوصّلوا لما أرادتْهُ ليليث، لكنّهم رصدوا تحرُّكًا مريبًا في أثناءِ البحث.
“قُلتُم إنَّ هناكَ مَن يرشو العامّة، أليسَ كذلك؟”
لسببٍ مجهول، كانَ أحدهم يحشدُ العامّةَ في الخفاء.
“ولِمَ يجمعُهُم؟”
“لم نتمكّنْ من معرفةِ السبب.”
هزَّتْ مارينا رأسَها.
“الأمرُ فوقَ طاقتِنا؛ لا يبدو مجرّدَ شراءِ ذممٍ ببضعةِ قروش، ولن ينطقوا بحرفٍ بالتقرُّبِ السريّ.”
“اجعليهم يتكلّمونَ مهما كلفَ الأمر.”
“وكيفَ ذلك؟ أنعتقلُهُم ونعذّبُهُم؟ هذا ليسَ أسلوبَنا.”
“إن أُعطُوا مالًا، فادفعوا عشرةَ أضعافِهِ أو مئةَ ضِعفٍ لانتزاعِ أحدهم؛ يجبُ أن نعلمَ مَن يُدبّرُ هذهِ المكيدة.”
تواصلُ ليليث المفاجئ، وتلكَ التحرُّكاتُ المريبة.
“لديَّ حدسٌ سيّئ؛ علينا جمعُ أيِّ دليلٍ يقعُ تحتَ أيدينا.”
قال ريكو بصرامة:
“تحرَّكوا مجدّدًا.”
***
هكذا فجأة؟
قَضَمتُ أظافري قلقةً في العربةِ المنطلقة.
‘اهدئي، تماسكي.’
كانت العربةُ تهرعُ نحوَ أحياءِ العامّةِ في العاصمة؛
لأنَّ تلكَ الأرجاءَ كانت مطوَّقةً بالكاملِ بالنورِ الأزرق.
‘لم تكن النبوءة حدثًا عابرًا؛ سيُنذرُ ذلكَ النورُ بموتِ الناسِ مسبقًا من الآنَ فصاعدًا. ولكن…’
مأساةُ موليك كانت مذكورةً في الروايةِ فقصدتُها لعلمي بها،
‘…فما خطبُ هذا الحادثِ الآن؟’
لم يخطرْ ببالي أيُّ حدثٍ يُفسّرُه.
“ليليث.”
همسَ تشيشير حينَها.
“نعم؟”
“…إيّاكِ هذهِ المرّة.”
أي لا تستخدمي قدرتكِ وإن رأيتِ النورَ وعلمتِ بموتِ الناس.
“نعم، أعلم.”
أومأتُ برأسي:
فنُموّي مجدّدًا سيخلقُ مشكلةً حقيقيّة؛
ويؤسفُني أنّي مضطرّةٌ للتحرُّكِ في حدودِ ما يضمنُ سلامتي فقط.
“لنستطلعِ الموقفَ فقط، فلعلَّنا نمنعُ الكارثةَ دونَ استخدامِ القدرة.”
“حسنًا؛ إن كانَ حلُّ الأمرِ ممكنًا دونَ قدرتكِ، فسأفعلُ كُلَّ ما يلزم.”
أضافَ تشيشير بهدوء:
“لكن إن تعذَّر… فتجاهلي الأمر. عِديني.”
“حاضرة، لا تقلق.”
توقّفنا عن الهمسِ ونظرنا فجأةً إلى المقعدِ المقابل؛
حيثُ جلسَ أكسيون واضعًا ساقًا فوقَ ساقٍ يتطلّعُ إلى الخارج.
“أوه.”
شعرَ بنظراتِنا وقال:
“يبدو أنَّكما تتهامسان في أمرٍ هامّ، تابِعا ولا تكترثا لوجودي.”
“آه، ممم… نعتذرُ يا عمّي. لكن كانَ يكفي خروجي مع تشيشير فقط.”
“أكنتما ذاهبين في موعد؟”
“كلا بالطبع؟!”
“إن لم يكن موعدًا فأشركا هذا العجوزَ معكما، فأنا ضَجِرٌ ولا عملَ لديّ.”
راقبتُ ملامحَ أكسيون التي تبدو غيرَ مبالية:
‘لا أعلمُ فيمَ يُفكّر.’
واضطربَ عقلي حينَ تذكّرتُ اختبارَهُ لي،
وفضلًا عن أمرِ أكسيون…
‘عليَّ لقاءُ ريكو أيضًا.’
ونورُ النبوءة يباغتُني في خِضَمِّ كُلِّ هذا!
“أوه! فلننزلْ هنا!”
أوقفتُ العربةَ في مكانٍ يغمرُهُ النورُ الأزرقُ لدرجةٍ تؤلمُ العينين.
عشراتُ المباني كانت تلمعُ بالضياء.
“أهذا هو المكان؟”
“نعم، هو… ولكن…”
الهدوءُ تامّ، ولا يبدو أنَّ خطبًا سيقع.
‘أستسقطُ قنبلة؟’
هذا مستبعدٌ تمامًا.
‘أم ستهاجمُ الوحوشُ فجأة؟’
هذا احتمالٌ وارد.
ليتَ أبي كانَ هنا، لكنّهُ خرجَ في حملة…
“ماذا تنويانِ أن تفعلا هنا؟”
سألَ أكسيون بعدَ نزولِهِ من العربة.
“آه، ممم… صحيح.”
فكّرتُ في توتُّر:
“تشيشير، لندخلْ أيَّ مكانٍ لنستطلعـ…”
وبينما كنتُ أهمسُ لتشيشير محاولةً استدراكَ الوقتِ بأيِّ تصرُّف،
“آاااخ! حريق!”
تعالتِ الصرخاتُ فجأةً من داخلِ أحدِ المباني.
‘حريق؟’
وسرعانَ ما اندفعتْ عُصبةٌ من خمسةِ أو ستّةِ رجالٍ خارجَ المبنى الماثلِ أمامَنا.
وأخرجوا شيئًا من حُزمٍ كبيرةٍ يحملونَها.
‘…زجاجات؟’
كانت زجاجاتٍ ضيّقةَ الأعناق.
“تبًّا، ما خطبُ هؤلاء؟”
ارتبكَ أكسيون الذي استشعرَ الخطرَ وهَمَّ بالإمساكِ بهم؛
لأنَّ الأمرَ لم يقتصرْ على عُصبةٍ واحدة.
فمن سائرِ المباني المتوهّجةِ بالنورِ الأزرقِ كانَ مشبوهونَ يخرجونَ ركضًا.
طَـرْق—!
ألقَوا الزجاجاتِ نحوَ المباني بتناسقٍ تامّ، وتزامنَ مع ذلك:
“آاخ!”
“أنقذونا!”
وَهَـج.
“حريق!!!”
اشتعلتِ النيرانُ على الفور.
‘مـ، مستحيل.’
كانت زجاجاتٍ حارقةً معبأةً بالزيت.
وبدا أنّهم أضرموا النارَ في الداخلِ أوّلًا، فاصطبغتْ طبقاتُ المباني بالحُمرة.
تحوَّلَ الشارعُ في لمحِ البصرِ إلى جحيم،
وتفجَّرتِ الصرخاتُ في كلِّ مكان.
‘أكانَ هجومًا إرهابيًّا؟’
هذا ما كانَ يُشيرُ إليهِ النور.
“ليليث! تراجعي إلى هناك!”
دفعَني تشيشير للخلف.
وتراءى لي وأنا أترنّحُ الحشود تتدفَّقُ خارجةً من المباني كالسيل:
‘ماذا… ماذا عسايَ أفعلُ في موقفٍ كهذا…’
دونَ أن يتسنّى لي معرفةُ سببِ إشارةِ النور، أو الاستعدادُ لأيِّ شيء.
التهمتِ النيرانُ المنطقةَ بأسرِها في غضونِ دقيقةٍ واحدة،
وتعالتِ الصرخات.
‘تماسكي، اهدئي.’
لمحتُ حُرّاسَ فرقةِ الأمنِ بزيّهم الرسميِّ وسطَ فوضى الناس.
“مـ، معذرة!”
“أنتم، تعالوا إلى هنا!”
كانَ أكسيون أسرعَ منّي في الإمساكِ بهم.
“سـ، سيادةَ الدوقِ ليبر؟ ما الذي أتى بكَ إلى…”
“أبلِغوا بالوضعِ واطلبوا النجدةَ فورًا؛ من البلاطِ الإمبراطوري، وبُرجِ السحر، وماركيزيّةِ فالينسيانو وإيرزو؛ فقادةُ فرقِ السحرِ والكهنةِ موجودونَ في العاصمةِ الآن.”
“نـ، نعم؟”
البلاطُ الإمبراطوري، وبُرجُ السحر، وكبارُ النبلاء…
إنّهم جميعًا من أعلى النبلاء،
فذُهِلَ الحارسُ لاستحالةِ تحرُّكِ هؤلاءِ من أجلِ حريقٍ في أحياءِ العامّة.
“نطاقُ الهجومِ واسعٌ جدًّا، وإن لم نُخمدْهُ سريعًا فستهلكُ المنطقةُ برُمَّتِها. إن نقلتُم مدى خطورةِ الموقفِ فقد يتحرّكون.”
“لـ، لكن…”
“استفِقْ! قُلْ إنّهُ طلبي أنا؛ أكسيون ليبر في الموقعِ ويطلبُ الدعم.”
صرخَ أكسيون قاطعًا الحديث:
“تحرَّكوا بسرعة!”
“حـ، حاضر!”
انطلقَ الحُرّاس، وتواصلتِ الصرخاتُ من كلِّ صَوب.
وتعاظمتِ النيرانُ في كلِّ ثانية.
حرارةٌ لاهبة،
وشرارٌ يتطاير،
ورأيتُ أكسيون وتشيشير يُجلِيانِ الناسَ من بينِ ألسنةِ اللهب.
شُلَّ تفكيري، لكن…
‘عليَّ فعلُ شيء.’
نفضتُ رأسي بقوّةٍ ونظرتُ إلى السِّوار.
‘ماذا عليَّ أن…’
صَفْع—!
“آه!”
أمسكَ تشيشير بمعصمي فجأة:
“ليليث، استفيقي.”
“…….”
“حريقٌ يعجزُ الجميعُ عن إخمادِهِ حتّى لو هبّوا للنجدة؛ إن انطفأَ فهذا إعلانٌ صريحٌ عن هويّتِك.”
أضافَ تشيشير بحِدّة.
“إيّاكِ والتفكيرَ في أيِّ حماقة.”
أعلم، أعلمُ ذلك.
أعلمُ أنّهُ لا ينبغي لي إخمادُ النيران؛
فبصرفِ النظرِ عن كلفةِ طاقةِ الحياة، يستحيلُ منطقيًّا إخمادُ حريقٍ انتشر بهذا الشكلِ دفعةً واحدة.
‘فماذا عليَّ أن أفعلَ إذًا؟’
حاولتُ تمالُكَ نفسي وأنا أرى تشيشير يبتعدُ مجدّدًا.
‘فكّري، فكّري…’
حينَها، لمحتُ امرأةً في منتصفِ العمرِ تقتربُ من المبنى حاملةً دَلْوَ ماء.
“مهلًا، توقّفي!”
جذبَ أكسيون ذراعَ المرأةِ مسرعًا:
“النيرانُ ستزدادُ استعارًا بمثلِ هذا الإجراء؛ ستأتي النجدةُ فابتعدي إلى مكانٍ آمن.”
“كـ، كلا، طـ، طفلي… طفلي في الداخل… لم يخرجْ بعد…”
صرختِ المرأةُ باكية.
‘أجل؛ إخراجُ العالقينَ في الداخلِ خفيةً… لعلَّ أمرًا كهذا جائز.’
ركضتُ نحوهما مسرعة:
“يا عمّي! أتعلم…”
تجمّد أكسيون حينَ رآني لسببٍ ما.
“أنا…”
“ليليث.”
قبضَ على كتفي بقوّةٍ بوجهٍ شاحب، وهمسَ بهدوء.
“إيّاكِ أن تفعلي شيئًا.”
“…ماذا؟”
“سأتولّى الأمرَ بنفسي. وأنتِ، من الآنَ فصاعدًا، ومهما حدث.”
“…….”
“لا تفعلي أيَّ شيءٍ إطلاقًا.”
أدركتُ في تلكَ اللحظة؛ أنَّ أكسيون…
قد علم بحقيقةِ هويّتي ولو بشكلٍ مُبهم.
“لـ، لحظة! يا عمّي!”
ضغطَ على كتفي محذّرًا ثمَّ أفلتَني، وأحاطَ جسدَهُ بدرعٍ سحريٍّ خفيف.
“عمّي!!!”
واقتحمَ المبنى المستعرَ بالنيران.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.