مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 172: الفصلنحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 172: الفصل

172

الفصل 172

 

“أهاها.”

 

بدَّدتْ ضحكةُ إينوك الصمتَ الوجيز:

 

“إنّها في سنِّ النموّ؛ يبدو أنّها طالتْ كثيرًا لإقبالِها على الطعامِ مؤخّرًا.”

 

“…….”

 

تفحَّصَ أكسيون وجهَ ليليث في صمت.

 

أكانت آخرُ مرّةٍ رآها فيها قبلَ أسبوعينِ تقريبًا؟

 

زالَ امتلاءُ وجنتيها الطفوليُّ تمامًا وغدتْ كشابّةٍ يافعة، وطالتْ قامتُها أيضًا…

 

“هذا صحيح.”

 

أومأَ أكسيون برأسِهِ وسألَ ثانية:

 

“ولكن، كيفَ تجلبُ الطفلةَ معكَ فجأةً هكذا؟ لستُ منزعجًا، لكنَّ الطفلةَ لن ترتاح.”

 

أليست فتاةً تحتاجُ إلى عنايةٍ واهتمام؟

 

“لا توجدُ خادماتٌ لرعايتِها هنا؛ فكُلُّ الخدمِ رجالٌ ولا أحدَ منهُم قادرٌ على إلباسِ الآنسةِ فساتينَها.”

 

فالخدمُ الخمسةُ الذينَ جلبَهُم بعدَ تبنّي تشيشير يغادرونَ بانتهاءِ عملِهم، ولا يقيمُ في القصرِ سوى المربّيةِ ماسا ورئيسِ الخدمِ كارون.

 

“لا أعلمُ لِمَ ترغبُ في البقاءِ بقصري، لكن إن كانَ لا بُدَّ فلْتجلِبْ بضعَ خادماتٍ من قصرِك…”

 

“لا بأسَ يا والدي.”

 

تدخَّلَ تشيشير فجأة:

 

“سأتولّى رعايةَ ليليث بنفسي، فلا تقلق.”

 

“…؟ أستُلبِسُها ثيابَها أنت؟”

 

“يا عمّي!”

 

ابتسمتْ ليليث بحرج:

 

“أستطيعُ ارتداءَ ثيابي بمفردي، والسيّدةُ ماسا موجودةٌ أيضًا. ممم، جئتُ لأقضيَ الوقتَ مع تشيشير فحسب…”

 

“صحيح.”

 

تدخَّلَ إينوك ودفعَ ظهرَ ليليث برفقٍ نحو الأعلى قائلًا:

 

“وأيضًا، هاها، أعرفُ حُدودَ اللباقة؛ فلن أثقلَ عليكَ بالبقاءِ دائمًا، سأنامُ هنا فقط وأقضي نهاري في قصري.”

 

“أهكذا إذًا.”

 

حدَّقَ أكسيون في وجهِ إينوك مليًّا.

 

صمت.

 

لم يُبدِ إينوك أيَّ تبريرٍ آخَرَ لإصرارِهِ على المكوثِ فجأة.

 

‘هذا الوغدُ يُخفي أمرًا ما مجدّدًا.’

 

لطالما كتمَ إينوك أسرارًا؛

 

وكانت أعباءً يحملُها بمفردهِ كي لا يُقلقَ مَن حوله.

 

‘وغايتُهُ هي إبقاءُ الطفلةِ في قصري.’

 

لذا كانَ على أكسيون دائمًا استنباطُ نوايا إينوك دونَ إلحاحٍ في السؤال.

 

『“هناك… أناسٌ كثيرونَ في قصرنا وهذا يُزعجُني.”』

 

‘يبحثُ عن مكانٍ يقلُّ فيهِ الناسُ عمدًا؟’

 

ولماذا؟

 

ليليث…

 

‘لا يريدُ إظهارَها للعيان؟’

 

أنهى أكسيون تفكيرَهُ ورَبَتَ على كتفِ إينوك مرّتين:

 

“فهمت.”

 

***

 

صباحُ اليومِ الأوّلِ في قصرِ أكسيون.

 

كانَ البقاءُ هنا لفترةٍ فكرةَ أبي؛

 

فلو عُدنا إلى قصرنا، لَكانت ردّةُ فعلِ جميعِ الخدمِ الذينَ يرونَ وجهي كُلَّ يوم:

 

『“يا للهول، متى كبِرتِ هكذا في هذهِ الفترةِ الوجيزة؟”』

 

كردّةِ فعلِ أكسيون بالأمسِ تمامًا.

 

ولَكانَت ريبةُ الجميعِ خَطَرًا حقيقيًّا بخلافِ شخصٍ أو اثنين.

 

‘استهلكتُ الكثيرَ من طاقةِ الحياةِ في وقتٍ قصير، فمرَّ عامٌ عليَّ وحدي خلالَ شهرٍ واحد.’

 

لذا اقترحَ أبي أن ننتظرَ مدّةً كافيةً حتّى يقولَ الجميعُ عندَ عودتنا—

 

‘لقد كبِرتِ كثيرًا في غيابِك!’

 

—دونَ أن يُثيرَ الأمرُ استغرابَهُم.

 

أي أن أختبئَ لبعضِ الوقتِ عن أعيُنِ مَن ألِفوا ملامحي.

 

وقصرُ أكسيون، الصديقِ الأقربِ لأبي، هو الأنسب؛ فلن يبدو مكوثُنا فيهِ غريبًا، كما أنّهُ يخلو من الناسِ تقريبًا.

 

“لِمَ… لِمَ تنظرُ إليَّ هكذا؟”

 

“هكذا فقط.”

 

قَضَمَ أكسيون الذي كانَ يُحملِقُ فيَّ نصفَ قطعةِ الخبزِ التي بيده:

 

“أرى أنّكِ أصبحتِ شابّةً يافعةً حقًّا.”

 

“أوه، أحقًّا؟”

 

ورغمَ أنَّ أوّلَ ما قالتْهُ السيّدةُ مارثا وكارون في الصباحِ كانَ: “لقد كبِرتِ لدرجةٍ لا نكادُ نعرفُكِ فيها!”، فإنَّ الأمرَ لم يتعدَّ ذلك.

 

غيرَ أنَّ نظراتِ أكسيون نحوي كانت مريبةً منذُ الأمس.

 

‘لا ينبغي أن يكتشفَ العمُّ أمري…’

 

والأفضلُ ألّا ينكشفَ الأمرُ لأحد، لكن حتّى لو عَلِمَ حلفاؤُنا فلن يضرّ؛

 

هكذا ظننتُ، ولكن…

 

استثنى أبي شخصينِ تحديدًا:

 

『“الجدُّ خَطَرٌ حقيقيٌّ يا أميرتي؛ سيرتفعُ ضغطُ دمِهِ ويسقط، ولن يذوقَ النومَ من فرطِ قلقِهِ عليكِ كُلَّ يوم.”』

 

جدّي،

 

『“وأكسيون أيضًا؛ فهذا الفتى يعجزُ عن ضبطِ أعصابِهِ في كثيرٍ من الأحيان، وسيتغيّرُ تصرُّفُهُ كثيرًا إن علِمَ بحقيقتِك.”』

 

وأكسيون.

 

ورجا ألّا يكتشفَ هذانِ الاثنانِ الأمرَ بالذات.

 

‘معه حقّ، فمعرفةُ هويّتي لن تُفيدَ في تجارتِهِ بشيء.’

 

ويكفي النظرُ إلى أوسكار الذي يرتعدُ خوفًا من انكشافي للإمبراطورِ إن استخدمتُ قدرتي، وإلى قلقِ أبي المفرطِ من ابتعادي عنه.

 

وتذكّرتُ تشيشير الذي فَقَدَ صوابَهُ حينَ رآني قد كبِرتُ فجأة.

 

“أنمتِ براحةٍ؟”

 

“نعم يا عمّي! نمتُ جيّدًا.”

 

“حسنًا، أخبِريني إن احتجتِ لشيء. وأيضًا… سأُعدّلُ جدولَ حملاتي العسكريّة.”

 

“نعم؟”

 

“كي لا يخلُوَ القصرُ منّي ومن تشيشير معًا في الفترةِ القادمة؛ سيبقى أحدُنا دائمًا، وإن أردتِ الخروجَ فليُرافقْكِ أحدُنا.”

 

“…….”

 

توقّفتُ عن تناولِ الحساءِ ورفعتُ بصري خلسةً نحوَ أكسيون.

 

واصلَ قَضْمَ الخبزِ بلا مبالاةٍ وسألَني بعينيه: ‘ماذا؟’

 

“كـ، كلا، لا شيء. حاضر يا عمّي.”

 

***

 

حزيران، أوائلُ الصيف.

 

وبدأتْ شمسُ الصيفِ تشتدّ.

 

***

 

مكتبُ الإمبراطورِ نيكولاس.

 

“قدَّمَ دوقُ روبنشتاين مقترحًا لاعتمادِ نظامِ الثوابِ والعقابِ لفرقةِ حراسةِ مناطقِ العامّة.”

 

“ماذا؟”

 

توقّفتْ يدُ نيكولاس عن تحريكِ القلمِ حينَ تلا المساعدُ رامون جدولَ أعمالِ مجلسِ النبلاء:

 

“نظامُ ثوابٍ وعقاب؟”

 

لم يكدْ يمضي شهرٌ على إقرارِ مقترحِ إينوك بزيادةِ أفرادِ فرقةِ الحراسة.

 

وقد وافقَ عليهِ سابقًا لعدمِ جدوى زيادةِ عددِ فرقةٍ صورية…

 

‘يريدُ بثَّ روحِ العملِ فيهم إذًا.’

 

فإن طُبِّقَ نظامُ الثوابِ والعقاب، فستنتظمُ هيكليةُ تلكَ الفرقةِ الصورية.

 

وكانت غايةُ إينوك واضحةً للعيان:

 

تعزيزُ الأمنِ والحراسةِ في مناطقِ العامّة،

 

أي رفاهيةُ عامّةِ الشعب.

 

“وماذا عن بقيةِ النبلاء؟”

 

“لم يكن في وسعِهِم الاعتراضُ علنًا بطبيعةِ الحال.”

 

فمنذُ مدّةٍ والنبلاءُ يترقّبونَ مواقفَ إينوك أكثرَ من الإمبراطور؛

 

إذ تبدَّلتْ حياتُهُم اليوميةُ منذُ عودةِ إينوك إلى العاصمة.

 

“وكما يعلمُ جلالتُك، فقد عادَ الدوقُ الأسبوعَ الماضي بانتصارٍ آخَرَ من حملةِ إخضاعِ الوحوشِ في المنطقةِ الوسطى…”

 

وبقيادةِ إينوك للجيشِ بأقلِّ عددٍ وتولّيهِ معظمَ الحملات، خَفَّ العبءُ عن كاهلِ أصحابِ القدراتِ بشكلٍ ملحوظ.

 

فكيفَ لا يُراعونَ خاطرَ مَن يندفعُ إلى الموت بدلًا منهم طواعية؟

 

“أمرٌ يبعثُ على الصُّداع.”

 

مستندًا إلى إنجازاتِه، صارَ إينوك يُجاهرُ برأيهِ في مجلسِ النبلاءِ بكلِّ أريحية.

 

وتلكَ المقترحاتُ التي طرحَها تدريجيًّا أحدثتْ تغييراتٍ جمّةً في العاصمةِ بالفعل،

 

ولا سيَّما في أحياءِ العامّة…

 

“لِمَ ينظرُ إلى القريبِ ويجهلُ البعيد؟”

 

لا ينبغي إغداقُ الحقوقِ على الطبقاتِ الدنيا؛

 

وإلّا تعاظمتْ مطالبُهُم وغدتْ سُمًّا ينخرُ في جسدِ المجتمعِ الطبقيّ.

 

“إينوك يجهلُ هذا لأنّهُ لم يُسلَبْ شيئًا قطّ.”

 

حتّى مكانتُهُ هو كفردٍ من الطبقةِ ‘الحاكمة’ ستتزعزعُ في النهاية…

 

“أيحتاجُ لرؤيةِ النملِ يتسلّقُ ساقيهِ ليتراجعَ عن عدالتهِ الزائفةِ تلك؟”

 

“جـ، جلالتَك، فما العمل…”

 

“يبدو أنّهُ يسعى لترسيخِ نظامِ فرقةِ الحراسة، لكنَّ مقترحَهُ هذهِ المرّةَ تجاوزَ الحدّ.”

 

لم يستوعبْ لِمَ يفسحُ المجالَ لتلكَ الحشراتِ لتتنفّس،

 

وكانَ يمقتُ نموَّ ذلكَ الجُحرِ البغيضِ وتعاظمَهُ شيئًا فشيئًا خلالَ السنواتِ الأربعِ الماضية.

 

وقد غضَّ الطرفَ عن أفعالِ إينوك لانشغالِهِ باستعادةِ هيبةِ المعبدِ المنهارة، ولكن…

 

“اجمَعْ بعضَ الحشرات، حانَ الوقتُ لتحطيمِ ذلكَ الجُحرِ القذر.”

 

***

 

مضى شهرٌ على إقامتي في قصرِ دوقيّةِ ليبر.

 

وكنتُ أعيشُ في رغدٍ وأمانٍ متواريةً عن الأنظار.

 

‘أيمكنُني العودةُ إلى بيتنا الأسبوعَ القادم؟’

 

اشتقتُ لجدّي، وللتوأمينِ اللذينِ ردَدْتُهما حينَ زاراني هنا متعلّلةً بالانشغالِ والمرض.

 

“هاه، ذاكَ الوغدُ تركَ ابنتَهُ هنا وانطلقَ مرحًا.”

 

في ظهيرةِ يومٍ هادئ،

 

تمتمَ أكسيون وهو يقرأُ كتابًا بجانبي.

 

كانَ لأكسيون وتشيشير حملةٌ قصيرةٌ لكلٍّ منهما، أمّا أبي…

 

“حسنًا، لا داعي لرفضِ تطوُّعِهِ بالقتالِ نيابةً عنّا.”

 

فقد واصلَ حملاتِهِ طَوالَ الشهرِ بلا انقطاع؛

 

حملاتِ إخضاعِ الوحوش…

 

“يَسُرُّنا أن يُطهّرَ الأرضَ مسبقًا؛ كانَ يخرجُ باعتدالٍ حينَ كانَ عليهِ رعايتُكِ في القصر، لكن…”

 

أضافَ أكسيون مبتسمًا بسخرية:

 

“يبدو كسمكةٍ في الماءِ منذُ أن أودعَكِ عندي. آه، يُذكّرُني هذا بكابوسِ فترةِ وجودِكِ في معهدِ التدريب.”

 

“صحيح، قيلَ إنّهُ كانَ يخرجُ للحملاتِ يوميًّا حينَها أيضًا، أليسَ كذلك؟”

 

“نعم. زَعَمَ أنّكِ عبقريّةٌ وستتخرّجينَ في شهرٍ واحد، لذا أرادَ إبادةَ الوحوشِ عن بكرةِ أبيها في تلكَ الأثناء.”

 

أطبقَ أكسيون الكتابَ وقالَ ضاحكًا:

 

“بصراحة، لم أتوقّعْ أن تتخرّجي في شهرٍ واحدٍ حقًّا.”

 

“أحم.”

 

“حسبتُ أباكِ مجرّدَ مفتونٍ بابنتِه، لكنَّ البقيّةَ أيضًا لم يكفّوا عن مدحِكِ ليلَ نهار. ما كانَ ذلك…”

 

ضيَّقَ أكسيون عينيهِ كمن يسترجعُ ذكرياتِهِ وأضاف:

 

“حينَ هاجمتِ الوحوشُ المقدَّسةُ قبلَ أربعِ سنوات، وتمَّ استدعاءُ رتبةِ أوكتافا؟”

 

“آه، نعم.”

 

“قيلَ إنّكِ نصبتِ درعًا من الفئةِ A؛ سئمتُ من سماعِ ثيو أنتراس وجيرارد شميدت يرويانِ ذلكَ كملحمةٍ بطولية، وزَعَما أنّهما رأيا ذلكَ بأعينهما.”

 

“أوه، حقًّا.”

 

“أمرٌ مذهلٌ حقًّا؛ فحفظُ الصيغةِ السحريّةِ مقدورٌ عليه، لكنَّ درعًا من الفئةِ A يستنزفُ قدرًا هائلًا من المانا.”

 

ضربَ أكسيون كفًّا بكفٍّ وفتحَ الكتابَ مجدّدًا:

 

“لا بُدَّ أنّها كانت المرّةَ الأولى التي استنزفتِ فيها كلَّ المانا لديكِ؛ فالدرعُ من الفئةِ A يستهلكُ كاملَ طاقةِ أوكتافا بالكاد.”

 

“آه! هذا صحيح.”

 

“لا بُدَّ أنّكِ شعرتِ بجوعٍ شديد.”

 

“جوع؟”

 

لِمَ الجوعُ فجأة؟

 

استغربتُ كلامَه، فمالَ أكسيون برأسِه:

 

“ألم تجوعي؟ أليسَ الجوعُ أشدَّ ما يصعبُ تحمُّلُهُ بعدَ نفادِ المانا؟”

 

يا للهول، لم أكن أعلم!

 

وكيفَ لي أن أعلم؟

 

فأنا أجهلُ تمامًا ما يشعرُ بهِ صاحبُ القدراتِ عندَ نضوبِ المانا،

 

ولن أختبرَهُ أبدًا.

 

‘لكنَّ جهلي بالأمرِ سيُثيرُ الريبة!’

 

تعيَّنَ عليَّ التظاهرُ بالمعرفة.

 

تمالكتُ توتُّري وراوغتُ قائلة:

 

“أكـ، كانَ ذلك؟ أظنُّني شعرتُ بالجوع… هاها، مضى وقتٌ طويلٌ ولا أذكرُ جيّدًا.”

 

“…أحقًّا؟”

 

نظرَ إليَّ أكسيون لبرهة، ثمَّ خفضَ بصرَهُ نحوَ الكتاب.

 

‘كانَ موقفًا خطيرًا.’

 

أدركتُ غفلتي إثرَ هذا الحديثِ المباغت؛

 

فلتقمُّصِ دورِ صاحبةِ قدراتٍ عادية، عليَّ معرفةُ كلِّ تفاصيلِهم.

 

‘تخيَّلي لو دارَ هذا الحوارُ مع الإمبراطور؛ لَكُشِفَ أمري فورًا!’

 

راقبتُ أكسيون وهو يقلّبُ صفحاتِ الكتابِ بهدوء، ووقفتُ بحذر:

 

“ممم، تُرى ماذا يفعلُ تشيشير؟ سأذهبُ لرؤيتِه.”

 

وركضتُ مسرعةً نحوَ غرفتِه.

 

‘عليَّ أن أعلم!’

 

فتحتُ البابَ فجأة.

 

“تشيشير!”

 

فرأيتُ تشيشير يُجفّفُ شعرَهُ بالمنشفةِ بعدَ الاستحمام، دونَ أن يرتديَ قميصَهُ بعد.

 

“يا إلهي!”

 

استدرتُ بظهري على عجل:

 

“أعتذر، لقد جُننتُ ودخلتُ دونَ طَرقِ الباب. سأعودُ لاحقًا.”

 

“كلا، انتظري؛ سأرتديهِ في الحال.”

 

وقفتُ أحكُّ وجنتيَّ من فرطِ الحرج، وسرعانَ ما أنهى ارتداءَ ثيابِهِ ونكزَ كتفي:

 

“آسفة.”

 

“لا بأس، ما الأمر؟”

 

“أخبرني، هل نفِدَتِ المانا منكَ بالكاملِ من قبل؟”

 

تجَمّد تشيشير للحظةٍ أمامَ سؤالي المباغتِ ثمَّ أومأَ برأسِه.

 

“نعم، في السابق؛ بضعَ مرّاتٍ قبلَ أن أتعلّمَ إدارةَ المانا بكفاءة.”

 

“أوه! كيفَ يكونُ شعورُكَ حينَها؟ أهو شاقٌّ جدًّا؟ ماذا يحلُّ بجسدِك؟ صِفْهُ لي تقريبًا، يجبُ أن أعلم.”

 

فكَّرَ تشيشير قليلًا ثمَّ قال:

 

“…يشبهُ إجبارَ المرءِ على البقاءِ مستيقظًا لأسبوعٍ كامل.”

 

“ماذا؟”

 

هذا تعذيب!

 

“صداعٌ حادٌّ في الرأس، وعجزٌ عن تحريكِ إصبعٍ واحدة.”

 

“كالإرهاقِ الشديد إذًا؟ والجوعُ هو الأشدّ، أليسَ كذلك؟ قيلَ إنَّ الجوعَ لا يُطاق؟”

 

“جوع؟”

 

ضاقتْ عينا تشيشير.

 

“أيُعقلُ أن يشعرَ المرءُ بالجوعِ في تلكَ الحالة؟”

 

“نعم؟”

 

“لا أظنُّ أنَّ أحدًا يشعرُ بذلك؛ فالجسدُ يخلو من القوّةِ لدرجةٍ يعجزُ معها عن التفكيرِ في وضعِ طعامٍ في فمه.”

 

“ماذا؟ كلا، قالَ العمّ…”

 

حِرتُ إثرَ تناقضِ كلامِهِ مع كلامِ أكسيون، وسرعانَ ما أدركتُ الحقيقة:

 

“لحظة… أيعقل…”

 

『“ألم تجوعي؟ أليسَ الجوعُ أشدَّ ما يصعبُ تحمُّلُهُ بعدَ نفادِ المانا؟”』

 

…أكانَ هذا فخًّا؟

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.