الفصل 170: الفصل
170
الفصل 170
ظلَّ أوسكارُ ينتحبُ طويلًا وهو يستجمعُ أنفاسَه.
وذراعاهُ تطوّقانِني بقوّةٍ كادَتْ تسحقُني.
“بالنسبةِ… لي أيضًا… أنتِ…”
تسلَّلَ صوتُهُ المتهدّجُ المرتجفُ إلى مَسامعي:
“…غاليةٌ… جدًّا…”
“…….”
“لدرجةٍ لم أعرفْ معها مثلَ هذا التعلُّقِ قطّ…”
ثمَّ دفنَ وجهَهُ في كتفي، وهمس:
“ليليث…”
“…نعم.”
“عِديني… بأمرٍ واحد…”
“…….”
“إيّاكِ… وخوضَ أيِّ مخاطرةٍ تلفتُ أنظارَ الإمبراطور. وأيُّ أمرٍ يستنزفُ الكثيرَ من طاقةِ الحياة، استشيريني فيهِ… أو استشيري أباكِ حتمًا. وأيضًا…”
فكَّ ذراعيهِ المحيطتينِ بي، وتلاقتْ عيناهُ المحمرّتانِ بعينيَّ وهو يُضيف:
“…حتّى وإن عجزتِ عن إيجادِ مخرج، فلا بأسَ بي.”
“…….”
“ولا تتفوّهي مجدّدًا بهراء اللحاقِ بي للموت.”
“…….”
“أجيبي.”
تحاشيتُ النظرَ في عينيهِ وتمتمت.
“قلتَ عِديني بأمرٍ واحد، لكنّها أكثر…”
“تبًّا!”
خفضتُ بصري وشهقتُ بأنفي خلسةً حينَ صاحَ أوسكار.
“ألن تَعِديني؟”
ارتميتُ في حضنِهِ مجدّدًا متظاهرةً بعدمِ السماع:
“سأجدُ سبيلًا… حتمًا…”
“هاه.”
صرَّ أوسكارُ على أسنانِهِ ونهضَ فجأة.
“مـ، مُعلِّمي. أما زلتَ تكرهُني؟”
“…….”
“لستَ كذلك، أليسَ كذلك؟ ستُكلّمني الآن؟”
“أيّتُها الفتاةُ العنيدة.”
نظرَ إليَّ وأنا أترقّبُ ردَّهُ، ثمَّ مدَّ يدَهُ بتمهُّل:
“…هَيّا بنا.”
“أوه! هيهي…”
“علامَ تبتسمينَ ببلهاء؟ كُفّي عن هذا.”
أحكمَ أوسكارُ قبضتَهُ على يدي ومشى.
“مُعلِّمي، أتدري؟ أنا أُحبُّك، كثيرًا جدًّا.”
جَمَدَ عندَ سماعِ اعترافي بصوتٍ مخنوق، ثمَّ ضحكَ ساخرًا.
“…كفى. لستُ غاضبًا منكِ وسأُكلّمُك، فلا داعي للمزيد.”
“لا، لم أقُلْ هذا لاسترضائِك؛ بل أُحبُّكَ حقًّا. قالَ لي أبي إنّهُ ينبغي الإفصاحُ عن المشاعرِ الصادقةِ كُلَّ يومٍ وفي كُلِّ فرصة، كي لا نندمَ لاحقًا على التقصير.”
“…….”
“قُلْها أنتَ أيضًا يا مُعلِّمي: ‘أُحبُّكِ’.”
حرَّكَ أوسكارُ شفتيهِ في ذهول، ثمَّ صاحَ في انفعال:
“لا أستطيعُ قولَ هذا!”
“تسك.”
كانَ الجوُّ لطيفًا، لكنّهُ عادَ سريعًا إلى صراخِهِ المعتاد.
ومع ذلك، فلحُسنِ الحظِّ أنّنا تصالحنا.
—وبينما كنتُ أفكّرُ في ذلك، خطَرَ ببالي فجأة:
‘آه، صحيح.’
وتذكّرتُ متأخّرةً الغايةَ من استدراجي لأوسكار بمفرده.
يجبُ أن أطلبَ منهُ قراءةَ اللغةِ القديمة.
أمسكتُ بيدهِ واقتدتُهُ مسرعةً نحوَ مدخلِ القرية.
“ما هذا؟ إلى أينَ نحنُ ذاهبان؟”
“…….”
“أخبريني إلى أين؟”
“الهـ، الهواءُ عليل! أردتُ التنزُّهَ قليلًا، فليسَ من الضروريِّ أن نعودَ فورًا…”
ضاقتْ عينا أوسكار إثرَ مراوغتي:
“كانت رغبتُكِ في الحديثِ مجرَّدَ ذريعة، أليسَ كذلك؟ كانت لديكِ غايةٌ أخرى منذُ البداية!”
كم هو فطن…
“يا للهول، غايةٌ أخرى؟ كلامُكَ يجرحُ مشاعري.”
“ما الأمرُ إذًا؟ لِمَ أتينا إلى هنا؟”
“فقط… لنقضيَ بعضَ الوقتِ معًا بمفردِنا بعدَ طولِ غياب…”
قطَّبَ أوسكارُ جبينَه.
وبدا جليًّا أنّهُ لم يُصدّقْني.
“أوه! انظرْ إلى هذا يا مُعلِّمي!”
وحينَ بلغنا موضعَ الصخرةِ المنقوشةِ باللغةِ القديمة، تظاهرتُ باكتشافِها صدفة:
“هنا، انظرْ إلى هنا! ما هذا؟”
“ماذا…”
“هناكَ صخرةٌ تبدو مريبةً في هذا المكان! أليستِ الحروفُ المنقوشةُ هنا لغةً قديمة؟”
تفحّصَ أوسكارُ الصخرةَ بجمودٍ ثمَّ التفتَ نحوي.
“…….”
“…….”
صمت.
تحاشيتُ نظراتِهِ خجلًا من الموقف.
“هاه، كنتُ أعلمُ ذلك.”
تنهّدَ أوسكارُ وجلسَ القُرفصاءَ أمامَ الصخرة:
“تمثيلُكِ رديءٌ للغاية، فلا تُضيّعي الوقتَ لاحقًا وادخلي في صُلبِ الموضوعِ مباشرة.”
“حاضر.”
تحسّسَ أوسكارُ النقوشَ على الصخرة.
ثمَّ توقَّفَ فجأة.
“مـ، ما الخطب؟ ماذا كُتِبَ هناك؟”
“…أقلتِ إنَّ أهلَ هذهِ القريةِ سيموتونَ جميعًا؟”
“نعم!”
سألتُهُ بلهفة:
“هذه رؤيا مقدَّسة، أليسَ كذلك؟ أتُنذرُ بموتِ الناسِ مسبقًا؟ وهل ذُكِرتْ فيهِ طريقةٌ لإنقاذِهم؟”
ابتسمَ أوسكارُ بسخرية.
وكانت ابتسامةً مشؤومة.
“كلا، أيُّ طريقةِ إنقاذٍ تلك.”
“فما المكتوبُ إذًا؟”
وقفَ وهزَّ كتفيه:
“يقولُ إنَّ عليهم أن يموتوا في صمتٍ لأجلِ أبيك.”
***
في طريقِ عودتِنا إلى المخيَّم.
“لِمَ صُدِمتِ هكذا فجأة؟”
قالَ أوسكارُ ناظرًا إليَّ وأنا أسيرُ شاردةَ الذهن:
“ماذا ظننتِ؟ ليست المرّة الأولى التّي يضحّى فيها بالأبريَاء.”
“كانَ لديَّ بصيصُ أمل… لم أتوقّعْ الأمر إلى هذا الحدّ…”
“يا لكِ من ساذجة.”
كانَت النبوءة صادمة.
فمعَ أنّهُ تنبَّأَ بمأساةِ أرضِ موليك المقدَّسة، لم يكن يحثُّ على الاستعداد، بل…
<حينَ يُقبَضُ النور،
ستبدأُ التضحيةُ المقضيَّة.
فهذا دمٌ زكيٌّ يُبذَلُ لنصرِ البطل.
فيا أيّتُها النفوسُ المقضيُّ عليها لردعِ الشرّ،
لا تحزني.>
وكما قالَ أوسكار، كانَ المكتوبُ يطلبُ منهم الموتَ في استسلام.
البطلُ هو أبي، والشرُّ هو الإمبراطور.
أهلُ القريةِ الذينَ اُختيروا ليقضوا حتفَهُم عونًا للثورة.
“مُعلِّمي، أتدري؟”
مكَّنَتني هذه النبوءة من استنتاجِ أمورٍ كثيرةٍ تفوقُ ما توقّعت:
“فهمتُ الآنَ لِمَ كادَ أخي ثيو يموتُ في التوقيتِ ذاتِهِ الذي ماتَ فيهِ في الأصل.”
“ماذا، أكانَ هو الآخَرُ مقضيًّا عليهِ بالموت؟”
“نعم، على الأرجح؛ بل بالتأكيد.”
أضفتُ بصوتٍ خافت:
“موتُهُ كانَ مأساويًّا لكنّهُ شكَّلَ دافعًا قويًّا؛ لتشيشير، ولأبي أيضًا.”
فخلافًا لإينوك روبنشتاين الذي فقدَ ابنتَه، لم يكن لدى تشيشير هدفٌ للثورة،
لكنّهُ استيقظَ بعدَ مصرعِ أخيه الذي كانَ أغلى ما يملك.
“وهلاكُ أهلِ القريةِ هذهِ المرّةِ يصبُّ في مصلحةِ أبي أيضًا.”
فمأساةُ موليك تُوجِّهُ ضربةً للإمبراطورِ وتمنحُ أبي قوّةً ووقتًا.
“المصائرُ ليست حتميّةً بالكامل…”
فبتغيُّرِ مجرياتِ الأحداثِ عن الروايةِ الأصليّة، لا يمكنُ القولُ إنَّ أقدارَ البشرِ محتومة.
“لكن يبدو أنَّ هناكَ فئةً محدودةً قد قُضِيَ عليها حتمًا.”
شخصيّاتٌ معيَّنةٌ ‘حُدِّدت’ أقدارَها مسبقًا.
كشخصيّاتِ روايةٍ كُتِبَتْ تفاصيلُ موتِها في صفحةٍ وسطرٍ محدَّدَين…
ولا بُدَّ أنَّ عليهم مواجهةَ خطرِ الموتِ في الأوقاتِ المقرَّرةِ لهم.
لأنّهم.
دمٌ زكيٌّ يُبذَلُ لنصرِ البطل.
فجميعُهُم يشتركونَ في كونِهِم ‘أدواتٍ’ لإيقادِ عزيمةِ البطلِ أو دفعِ عجلةِ الثورة.
“يا إلهي، كم هو أمرٌ مروّع.”
يبدو أنَّ هذا العالم…
ليسَ سوى سيناريو مُحكَمٍ منسوجٍ برغبةٍ في انتصارِ أبي.
***
في منتصفِ الجبل.
صعدتُ مع أبي بمفردِنا إلى موضعٍ يُطلُّ بوضوحٍ على البُحيرة.
“يا للروعة، ما أجملَ هذا المنظر!”
أبطل أبي تنكُّرَهُ بعدَ خلوِّ المكانِ من الناس، وأخذَ يتأمَّلُ البُحيرةَ الساطعةَ في إعجاب.
البطل.
المنقذ.
المختارُ للإطاحةِ بالإمبراطورِ الطاغية.
وفوزُ أبي السلسُ في الروايةِ الأصليّةِ يعودُ إلى براعتِهِ كبطلٍ بلا شكّ، ولكن…
‘كانت هناكَ حوافزُ ومصادفاتٌ مُيسَّرةٌ أُعطِيَتْ لهُ لكونِهِ البطل.’
وحينَ يقرأُ المرءُ رواية،
يرى كيفَ يتآمرُ الكونُ بأسرهِ لمساعدتِه،
ويتساءل: أيعقلُ حدوثُ مثلِ هذهِ المصادفات؟
—وهي مواقفُ تتكرَّرُ كثيرًا في القصص.
وتلكَ هي إرادة الكاتب؛
أي تدبيرُ حاكم هذا العالم.
والمأساةُ التي وقعتْ هنا في موليك من ذلكَ القبيل.
‘فمن المريبِ أن يتفشّى وباءٌ مجهولُ المصدرِ فجأة.’
وتلكَ مجرّدُ بداية؛
فستعقُبُها كوارثُ طبيعيّةٌ مفاجئةٌ ومحنٌ تجعلُ الإمبراطورَ يخسرُ الدعمَ الشعبيَّ ويتراجع…
أحداثٌ مُعَدَّةٌ كـ ‘حوافزَ للبطل’ ستتكرَّرُ مرارًا.
وهذا يعني أنَّ أناسًا أبرياءَ آخَرينَ سيُضحَّى بهم لنصرِ أبي.
“أميرتي، لِمَ طلبتِ المجيءَ إلى هنا؟”
“آه، نعم. جئتُ… لأساعدَ أهلَ القرية… لهذا أردتُ المجيء…”
“هنا؟ وكيفَ ذلك؟”
غمرتْني الحيرةُ وأنا أنظرُ إلى أبي المتسائل:
“أبي.”
“نعم.”
“احضنّي… احضنّي قليلًا.”
“أوه؟”
انفرجتْ أساريرُ أبي واحتضنَني مسرعًا:
“ما هذهِ المفاجأةُ يا أميرتي؟ ألم تكوني غاضبةً منّي قليلًا؟ أيمكنُني نيلُ قبلةٍ إذًا؟ امم~!”
سددتُ فمَهُ بيدي وهو يقتربُ لاقتناصِ الفرصة:
“لا قُبَلَ الآن؛ قلتُ بعدَ مضيِّ أربعِ ليال.”
“تسك.”
“أبي، لديَّ أمرٌ أريدُ قولَه.”
“أمر؟ وما هو؟”
“ألم أقُلْ لكَ سابقًا إنَّ تجارتَكَ ستنجح؟”
“آه، نعم، قلتِ ذلك.”
“بالطبع… يعودُ ذلكَ لبراعتِكَ الفائقة، لكن يبدو أنَّ الحظَّ حالفَكَ قليلًا أيضًا…”
“أحقًّا؟”
“ولكن يا أبي.”
إنقاذُ أولئك الذينَ حدّدت مصائرَهُم لتيسيرِ الثورةِ يعني…
‘تجريدَ البطلِ من تلكَ الحوافزِ والمصادفاتِ الميسَّرة.’
“أتستطيعُ إنجاحَ تجارتِكَ حتّى لو زالَ ذلكَ الحظ؟”
“همم؟”
“الحظُّ هبة من الحاكم… كهديةٍ منه. وموتُ أهلِ هذهِ القريةِ يصبُّ في مصلحتِك. فإن تلاشتْ كُلُّ تلكَ الحظوظِ مستقبلًا…”
“أميرتي؟”
سألَ أبي في دهشة:
“كيفَ يكونُ موتُ هذا العددِ من الناسِ مصلحةً وحظًّا؟ إن كانت تلكَ هديةً فلن أقبلَها أبدًا.”
تحاشيتُ النظرَ إليهِ وخفضتُ عينيّ.
ففي قرارةِ نفسي… كنتُ أعلمُ أنَّ أبي سيُجيبُ هكذا حتمًا.
فقد عزمتُ على إنقاذِ الناس، ولن أستطيعَ تجاهُلَ الميتاتِ المحتومةِ القادمة.
ومع ذلكَ كنتُ أسألُ أبي؛
لأني سأجعلُ الأمورَ أصعبَ عليهِ في النهاية—
‘لكن لا بأسَ ما دمتُ قد نلتُ إذنَ أبي.’
—كي يطمئنَّ قلبي فحسب.
“أعتذر.”
“…….”
صمتَ أبي إثرَ اعتذاري المفاجئ، كمن يفهمُ كُلَّ شيءٍ دونَ حاجةٍ للسؤال.
“أميرتي، أتعتقدينَ أنَّ أباكِ سيعجزُ دونَ تلكَ الهدايا؟”
“أعلمُ أنَّكَ قادرٌ على كُلِّ شيء، لكنّي… قلقةٌ قليلًا.”
“هممم.”
رأيتُ التفكيرَ يرتسمُ على وجهِ أبي، فقلتُ في خجل:
“أأمتنعُ… عن المساعدة؟ إن تدخّلتُ وتسبّبتُ في إرهاقِكَ وفشلِ تجارتِك…”
“يا أميرتي.”
ابتسمَ أبي ابتسامةً خافتةً وهمسَ في أذني:
“هذا سرٌّ في الواقع: لقد نلتُ هديتي بالفعل، وهي تكفيني ولا أحتاجُ لسواها.”
“ماذا؟ أيَّةُ هدية؟”
ما الذي يقصدُهُ فجأة؟
“أتريدينَ أن تعرفي؟”
“نعم!”
“قبلةٌ أوّلًا إن أردتِ المعرفة~!”
والفضولُ لا يُقاوَم.
طبعتُ قُبلةً على شفتيه، فابتسمَ وداعَبَ أنفي:
“الهديةُ هي أميرتي الغالية.”
“……؟”
“نلتُ القوّةَ بقُبلتِكِ للتوّ، فأبوكِ يزدادُ قوّةً بوجودِ أميرتِه.”
كانت نظراتُ أبي نحوي بالغةَ العُمق:
“بفضلكِ صرتُ قويًّا أقتل الوحوش، ولأجلِ حمايتِكِ عقدتُ العزمَ على خوضِ التجارة. لذا فقد نلتُ أعظمَ هديةٍ وحزتُ حظَّ العمرِ كُلّه.”
“لكن…”
أسندَ أبي جبهتَهُ إلى جبهتي مبتسمًا:
“أتثقينَ بي؟ لا تقلقي على أبيكِ وافعلي ما يُريحُ قلبَكِ يا أميرتي؛ فما دامت ابنتي معي، سأحقّقُ كُلَّ شيء.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.