مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 168: الفصلنحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 168: الفصل

168

الفصل 168

 

أنتِ… سببُ بقائي على قيدِ الحياة.

 

“…….”

 

وأمامَ هذا الاعترافِ العفويّ، حدَّقتْ ليليث في أوسكار بملامحَ مبهمة.

 

“آه، لحظة.”

 

وضعَ أوسكارُ يدَهُ على جبينِهِ وضحك.

 

لا بُدَّ أنَّ هذا بدا غريبًا.

 

『“لِمَ تُعاملُني بكلِّ هذا اللُّطف؟”』

 

『“لأنّي أُحبُّكِ؟”』

 

هكذا كانت إجابتُهُ حينَ التقيا مجدّدًا.

 

قالَ الحقيقةَ فحسب، لكنَّ الأمرَ بدا ملتبسًا في كُلِّ مرّة.

 

“لم أقصدِ المعنى الذي في بالِكِ…”

 

“وأنا أيضًا.”

 

“ماذا؟”

 

“مُعلِّمي هو سببُ حياتي أيضًا.”

 

قالتْ ليليث بتمهُّل:

 

“أريدُ أن أحيا بسعادةٍ طَوالَ عمري مع مَن أُحبّ. ومُعلِّمي شخصٌ أُحبُّهُ بقدرِ حبي لأبي، لذا سنسعدُ معًا حتّى الموتِ حتمًا.”

 

“…….”

 

“وإن متَّ يا مُعلِّمي، أو اختفيتَ فجأةً من هذا العالمِ ذاتَ يوم.”

 

أردفتْ ليليث ناظرةً في عينيهِ مباشرة:

 

“فسألحقُ بك.”

 

“ماذا؟”

 

جَفَلَ أوسكارُ في تلكَ اللحظة:

 

“أيُّ هراءٍ هذا…”

 

“لستُ أقولُ هذا عبثًا، بل أعنيهِ من كلِّ قلبي.”

 

ودونَ حاجةٍ لتأكيدِها، تزعزعَ أوسكارُ من وقعِ كلماتها؛

 

فقد عزمتِ الفتاةُ من قبلُ على الموتِ في سبيلِ أبيها دونَ تردُّد.

 

‘مهلًا، ذاك والدُها…’

 

فما شأني أنا؟

 

وماذا أمثّلُ لكِ؟

 

أبعدَ أن بذلتُ حياتي وربّيتُكِ لتعيشي بسعادةٍ وعمرٍ مديد؟

 

أيعقلُ هذا؟

 

كلا، ولكن ماذا لو…

 

ماذا لو فعلتْها حقًّا؟

 

“أأنتِ… مجنونة؟ إن متِّ، فماذا عن أبيك؟”

 

“سيحزن، لكن لا يُهِمّ. سأكونُ قد متُّ على أيِّ حال، وحزنُ الباقينَ بعدي لن أعلمَهُ ولا يعنيني.”

 

“يا إلهي، أنتِ…”

 

اتّسعتْ عينا أوسكار.

 

أتعني ما تقول؟

 

لِمَ تتفوّهُ فتاةٌ بكلامٍ كهذا…

 

“تتكلّمينَ… بوقاحةٍ.”

 

تمتمَ أوسكارُ بارتعادٍ وغضبٍ قارس.

 

غيرَ أنَّ ليليث لم تجفلْ وقالت:

 

“إن كنتَ تكرهُ سماعَ هذا الكلام.”

 

وترقرقتِ الدموعُ في عينيها:

 

“فعِشْ عُمرًا طويلًا يا مُعلِّمي. ليكن هدفُ حياتِكَ هو نفسُكَ لا أنا. لا تمتْ، وفكّرْ بالنجاةِ مهما كلفَ الأمر.”

 

“…….”

 

فوجئ أوسكار.

 

كانتِ الطفلةُ تتحدَّثُ كمن يعلمُ كُلَّ شيء.

 

“إن كنتَ تخشى ما سأختارهُ في عالمٍ لا وجودَ لكَ فيه، فلا تمُتْ أبدًا. ولا تستسهلِ الموتَ حاسبًا أنّهُ النهاية.”

 

طوّقتْ ليليث عنقَ أوسكار المذهولِ وارتمتْ في حضنه:

 

“كُلُّ هذا لأجلِكَ يا مُعلِّمي. وإن أصررتَ على منعي… فسأكونُ طفلةً مطيعةً وأعودُ إلى البيت.”

 

ثمَّ همستْ في أذنِهِ بكلامٍ مرعبٍ يناقضُ رقّةَ حركتها:

 

“لكن إن عجزتُ عن مساعدتِكَ ومسَّكَ مكروه…”

 

“…….”

 

“…فلا بأس، إذ سنلتقي في الجحيمِ مباشرة.”

 

“أيّتُها… المجنونة…”

 

“طابتْ ليلتُك.”

 

غادرتِ الفتاةُ الغرفةَ تاركةً أوسكارَ في صدمتِه.

 

***

 

“…كانَ مُعلِّمي بحاجةٍ إلى صدمةٍ تُوقظُه.”

 

“ألم تُبالغي في قسوتِك؟”

 

عاتبَني تشيشير بصوتٍ خافت.

 

كنتُ قد أخبرتُهُ للتوِّ بالكلماتِ المخيفةِ التي ألقيتُها على أوسكار ليضعَ نفسَهُ في موقفي.

 

“وما حيلتي… رجلٌ يرتعدُ خوفًا من نقصانِ ثانيةٍ من عمري، ولا يبالي بموتِهِ هو… كيفَ أجعَلُهُ يستفيق…”

 

“لكنّكِ ابتززتِ سيّدَ البرجِ بحياتِك.”

 

“…….”

 

لاحظتُ هذا من قبل، هذا الفتى…

 

قليلُ الكلامِ لكنّهُ لا يتركُ ما في جُعبتِهِ دونَ أن يقولَه.

 

وخزَني ضميري قليلًا، لأنّي أدركُ خُبثَ تصرُّفي ذاك.

 

“لكن لم تخطُرْ ببالي حيلةٌ أخرى. والآن سيدركُ مُعلِّمي الأمر؛ سيعلمُ أنَّ موتَهُ ليسَ نهايةَ المطاف، أفلن يستميتَ في النجاة؟”

 

“…أجل، أتمنّى ذلك.”

 

“دَعْنا من هذا، لِمَ جلبتَ أمتعتي إلى هنا؟ لن أنامَ مع أبي، ولن أكلّمَهُ لثلاثةِ أيّام.”

 

“آه، لأنَّ الدوقَ لن يطمئنَّ إلّا وأنتِ بجانبه.”

 

“……؟”

 

أتقصدُ أنَّ الأمرَ لأجلِ أبي لا لأجلي؟

 

“يا للهول، تشيشير.”

 

“…….”

 

“قد يبدو هذا السؤالُ طفوليًّا، لكن مَن تختار: أبي أم أنا؟”

 

تردَّدَ تشيشير قليلًا ثمَّ ابتسم:

 

“أنتِ.”

 

“فلِمَ إذًا؟ أتحسَبُ أنَّ أبي أحسنَ التصرُّفَ هذهِ المرّة؟”

 

“ليسَ الأمرُ كذلك، لكنّي أتفهَّمُ مشاعرَ الدوق.”

 

“ماذا؟ تتفهَّمُ هذا؟ حقًّا؟ رجلٌ تقعُ على عاتقِهِ كلُّ تلكَ المشاغلِ يتنكّرُ في زيِّ عجوزٍ ليلحقَ بي؟”

 

“نعم. لم أُرزَقْ بأولادٍ بعدُ لأتفهَّمَ الأمرَ تمامًا، لكن حينَ أتساءلُ كيفَ سأكونُ في موقفه، أشعرُ بأنّي أفهمُ مشاعرَ الدوقِ قليلًا.”

 

“…….”

 

“أنتِ ابنتُهُ الغاليةُ التي لا يملُّ النظرَ إليها. وفوقَ ذلكَ ما زلتِ صغيرة…”

 

تأمَّلَ تشيشير وجهي وابتسمَ بهدوءٍ ثمَّ أردفَ بتمهُّل:

 

“ولأنّكِ غايةٌ في الجمالِ والرِّقّة.”

 

“…….”

 

“سيرغبُ في حمايتِكِ حتمًا، ولن يطمئنَّ لتركِكِ مع غيرِه. وحتّى لو كبِرتِ وصرتِ قويّة… فستظلُّ مشاعرُ الدوقِ نحوكِ كما هي.”

 

ثمَّ سألَ تشيشير وهو يفركُ يديهِ خجلًا:

 

“لو رُزِقتُ يومًا بابنةٍ مثلِك… أفلن أتصرفَ كالدوق؟”

 

تشيشير كأب؟

 

ويُفرِطُ في تدليلِ ابنتِهِ كالسيّد جيمس؟

 

تردَّدتُ في الإجابةِ لعجزي عن تخيُّلِ الموقف، فقالَ تشيشير:

 

“في الحقيقة، أظنُّني سأكونُ أشدَّ منه. ولهذا فهمتُ مشاعرَ الدوقِ على الفور.”

 

“لا أظنُّ… لستَ من ذلكَ النوع…”

 

“لذا صفِّي قلبَكِ نحوه. بصراحة، يَسُرُّني أن يُرافقَنا الدوقُ حتّى نهايةِ طريقِ الحج، فأنا أعجزُ عن رعايتِكِ في كُلِّ مشقّة.”

 

تردَّدتُ قليلًا أمامَ محاولةِ تشيشير لإقناعي بمصالحةِ أبي.

 

ثمَّ هززتُ رأسي:

 

“ومع ذلك لا يصحُّ أن أسامحَهُ بهذهِ السهولة؛ وإلّا فماذا لو لحقَ بي في شهرِ العسلِ مستقبلًا؟”

 

“…….”

 

“حسَنًا، أظنُّ أنَّ ثلاثةَ أيّامٍ مبالغٌ فيها، وسأتراجعُ إكرامًا لك. لكن ليسَ اليوم؛ سأُظهِرُ لهُ غضبي طَوالَ هذا اليوم.”

 

***

 

『“فسألحِقُ بك.”』

 

『“إن كنتَ تخشى ما سأختارهُ في عالمٍ لا وجودَ لكَ فيه، فلا تمُتْ أبدًا.”』

 

ظلَّ أوسكارُ غارقًا في صدمتِهِ وهو يسترجعُ كلماتِ ليليث.

 

لقد كانَ ذلكَ تهديدًا.

 

‘تلكَ الفتاةُ الماكرة…’

 

تهديدٌ برهنِ حياتِها،

 

وتهديدٌ تدركُ تمامًا مدى عِظَمِ مكانتِها في قلبِ أوسكار لتفعَلَه.

 

ورغمَ شَكِّهِ في أنّها لا تعنيه، لم يقوَ أوسكارُ على تجاهُلِ كلامِها.

 

فإن كنتُ قد أصبحتُ أعني لكِ كُلَّ هذا حقًّا…

 

“…نائم؟”

 

“فزعتُ، تبًّا لك!”

 

وبينما كانَ أوسكارُ مستلقيًا على السرير، فتحَ إينوك البابَ برأسٍ مبلولٍ ودخل.

 

“ماذا هناك؟”

 

“لا توجدُ غُرف…”

 

“ماذا؟”

 

“تقولُ الأميرةُ إنّها لن تُكلّمني حتّى مساءَ الغد، ولهذا ستبيتُ بمفردِها الليلة.”

 

دخلَ إينوك متثاقلًا حاملًا وسادتَهُ ودفعَ أوسكارَ المستلقي:

 

“أفسحْ لي قليلًا.”

 

“أتمزحُ معي؟”

 

استوى أوسكارُ جالسًا في انفعال:

 

“إن لم تجدْ غرفةً فاذهبْ إلى مكانٍ آخَر!”

 

“لا توجدُ سوى غرفتينِ في هذا الطابق.”

 

كانَ تشيشير قد خصَّصَ الطابقَ العلويَّ من النُّزلِ لإينوك وأوسكار كي يبطلا السِّحرَ وينعما بنومٍ مريح.

 

“الطابقُ السفليُّ ممتلئٌ ويقيمُ فيهِ الحُرّاس. دَعْني أبطل من السِّحرِ وأرتَحْ قليلًا الليلة.”

 

“نَمْ على الأرضِ إذًا! بل اخرُجْ ونَمْ في الرَّدهة!”

 

“يا لقسوتِك. لقد اغتسلتُ للتوّ، فكيفَ أنامُ على تلكَ الأرضيّةِ القذرة؟ السريرُ واسعٌ فلا داعي للحَرَجِ بينَ الرجال.”

 

تجاهلَ إينوك أوسكار واستلقى مغمضًا عينيهِ بالكامل.

 

يا للغيظ، هذا المعتوه.

 

في النهاية، صرَّ أوسكارُ على أسنانِهِ واستدارَ إلى الجهةِ الأخرى.

 

“…….”

 

أغمضَ عينيهِ لكنَّ النومَ جفاه…

 

وعادتْ كلماتُ الفتاةِ الماكرةِ المخيفةُ لتتردَّدَ في ذهنه:

 

『“فلا بأس، إذ سنلتقي في الجحيمِ مباشرة.”』

 

“تبًّا!”

 

كيفَ تستسهلُ قولَ ذلك؟

 

أالموتُ أمرٌ هيّن؟

 

“أنت.”

 

“نعم.”

 

ظنَّهُ نائمًا، لكنَّ إينوك أجابَهُ على الفور.

 

فطرحَ أوسكارُ السؤالَ الذي سألَهُ لإينوك ذاتَ يوم:

 

“أتستطيعُ الموتَ بدلًا من ابنتِك؟”

 

“نعم.”

 

إجابةٌ جاءتْ دونَ أدنى تردُّدٍ كالعادة.

 

التفتَ أوسكارُ نحوَهُ بعصبيّة:

 

“مهلًا! ألا يمكنُكَ التفكيرُ لثانيةٍ واحدةٍ قبلَ الإجابة؟”

 

“أهذا سؤالٌ يحتاجُ إلى تفكير؟”

 

كادَ أوسكارُ يُجَنُّ من هذا الأبِ وابنتِهِ المتشابهينِ تمامًا.

 

『“لو قيلَ لكِ أن تموتي بدلًا من أبيك، ستفعلين؟”』

 

『“نعم، طبعًا.”』

 

والمخيفُ في الأمرِ أنَّ هذا ليسَ مجرَّدَ كلام.

 

فقد ماتَ إينوك بالفعلِ بدلًا من ابنتِه، وبالكادِ مَنَع ليليث من الموتِ بدلًا من أبيها.

 

“استفِقْ قليلًا. أيسُرُّ الطفلةَ أن يموتَ أبوها فداءً لها؟ أقولُ هذا لأنّكَ تجهلُ طبيعةَ ابنتِك؛ إنّها ليست قويّةَ العزيمةِ كما تظنّ.”

 

شدّ أوسكار على أسنانه:

 

“ليست الفتاةَ التي ستقولُ ‘أنقذَ أبي حياتي فعليَّ أن أعيشَ بجدّ’، بل ستلحقُ بكَ في الموتِ حتمًا.”

 

“…أعلم. لذا سأحرصُ على ألّا يقعَ أمرٌ كهذا أبدًا. سأحمي أميرتي، وسأستميتُ لأبقى حيًّا. حتّى إنّي صرتُ أحاذرُ على نفسي في ساحةِ المعركةِ بخلافِ السابق.”

 

ابتسمَ إينوك ابتسامةً مشرقة.

 

بدا سعيدًا.

 

ولا بُدَّ أنّهُ يفكّرُ في ابنتِه.

 

علاقةٌ يُعَدُّ كُلٌّ منهما فيها غايةً وملاذًا للآخَر.

 

وحينَ يستشعرُ أوسكارُ ذلكَ الرابطَ الحصينَ الذي لا سبيلَ لأحدٍ لاختراقه، يُعجبُهُ الأمرُ ويشعرُ في داخله بالصِّغَر.

 

“ولِمَ تسألُ فجأةً هذا السؤال؟ أقالَتِ الأميرةُ إنّها ستموتُ بدلًا منك؟ أم إنّها ستلحقُ بك؟”

 

…لم هو فطنٌ هكذا؟

 

اتّسعتْ عينا أوسكار.

 

“كلا، أيُّ هراءٍ هذا؟ ولِمَ تقولُ لي كلامًا كهذا؟ ومَن أكونُ أنا أصلًا.”

 

“…….”

 

راقبَ أوسكارُ ملامحَ إينوك الذي شَخِصَ بصرُهُ في الفراغِ بنظرةٍ مبهمة.

 

لا بُدَّ أنّهُ سيحزنُ لو عَلِم.

 

سواءٌ أكانتْ جادّةً أم لا، إن علِمَ أنَّ ابنتَهُ قالتْ ذلك…

 

“أقصدُ بكلامي.”

 

استدركَ أوسكارُ محوّلًا مجرى الحديث:

 

“أنّي لا أفهم؛ فلديكَ حياتُكَ الخاصّة، فكيفَ تستسهلُ فكرةَ الموتِ في سبيلِ طفلة؟”

 

“سؤالٌ طريف.”

 

ابتسمَ إينوك بسخرية.

 

لا يفهم؟ وهو أقدرُ الناسِ على الفهم.

 

“الأمرُ ممكن، لأنَّ الطفلةَ هي عالمي وكُلُّ ما أملك.”

 

واستعادَ ذكرياتِ رؤيتِهِ الأولى لها:

 

“أتعلم؟ حينَ وُلِدتْ ليليث، شعرتُ بدهشةٍ بالغة؛ رضيعةٌ صغيرةٌ تشبهُني تمامًا، تتنفّسُ وترمشُ وتبتسم…”

 

“…….”

 

“كانت بالغةَ الصِّغَرِ والضَّعف، وأنا مَن جلبَها إلى هذا العالم. والتفكيرُ في ذلكَ يزرعُ الشعورَ بالمسؤوليّةِ أوّلًا؛ شعورُ أنّهُ ينبغي لي حمايتُها.”

 

تعمَّقتْ نظرةُ إينوك:

 

“تأخَّرتْ ليليث في الكلام، لكن ما إن نطقَتْ حتّى راحت تسألُ عشراتِ المرّاتِ في اليوم: ‘أبي، ما هذا؟ وما ذاك؟’”

 

“…….”

 

“كانت تجهلُ كُلَّ شيء، فعالمُ الطفلِ يكونُ خاويًا، وحينَها أُعلّمُها: هذهِ زهرة، وذاكَ قمر.”

 

وتلكَ الكلماتُ جعلتْ أوسكارَ يستحضرُ ذكرياته؛

 

حينَ كانَ يُعلّمُ الطفلةَ المحبوسةَ التي فقدتْ عالمَها كُلَّ شيءٍ من البدايةِ خُطوةً بخُطوة.

 

“لو قلتُ لها عن هذهِ قمرًا وعن ذاكَ زهرةً لصدّقتْ. كانَ الشعورُ، كيفَ أصفُه؟ كأنّي… أصنعُ عالمَ الطفلةِ بيدي.”

 

“…….”

 

“فالطفلةُ لا تملكُ سواي، وأنا كلُّ شيءٍ لها، ولا تعرفُ إلّا ما أُعلّمُها إيّاه.”

 

التفتَ إينوك نحوَ أوسكار وأضاف:

 

“وحينَ تُدركُ أنَّكَ عالمُ هذا الكائن، يغدو غاليًا للغاية، ويصبحُ كُلَّ ما تملك.”

 

كُلُّ ما يملك…

 

أجل، هذا صحيح.

 

“ومنذُ تلكَ اللحظة، امتلأَ عالمي بتلكَ الطفلةِ وحدَها، لدرجةِ أنّها أصبحتْ كُلَّ شيءٍ وأعظمَ معنى في حياتي.”

 

كانَ أوسكارُ يفهمُ كُلَّ ما يقولُهُ إينوك تمامًا؛

 

فقد خاضَ التجربةَ ذاتَها حينَ امتلأَ عالمُهُ بتلكَ الطفلةِ وحدَها.

 

“وأنتَ أيضًا… تمثّلُ معنًى كبيرًا للأميرة؛ فلا بُدَّ أنَّ بينكُما ذكرياتٍ كثيرةً أجهلُها.”

 

ابتسمَ إينوك.

 

لم يقوَ أوسكارُ على النظرِ في عيني إينوك بعدَ كلامِه، فاستدارَ للجهةِ الأخرى.

 

واضطربَ عقلُه.

 

『“كُلُّ هذا لأجلِكَ يا مُعلِّمي.”』

 

كلماتُ الطفلةِ التي أبدتِ استعدادَها لفعلِ أيِّ شيءٍ في سبيله.

 

ورغمَ ما جلبَتْهُ تلكَ الكلماتُ لأوسكار من ألمٍ وقلقٍ وتوتُّر…

 

“ومُعلِّمي شخصٌ أُحبُّهُ بقدرِ حبي لأبي، لذا سنسعدُ معًا حتّى الموتِ حتمًا.”

 

غمرَتْهُ غبطةٌ عارمةٌ من حقيقةِ أنَّ مكانتَهُ قد عظُمتْ في قلبِها إلى هذا الحدّ.

 

مشاعرُ متناقضةٌ إلى حدِّ السخرية.

 

“أنا أثقُ بليليث، ستجدُ سبيلًا حتمًا، وكذلكَ أنا.”

 

سبيل…

 

لو كانَ هناكَ سبيل، لكنتُ أوَّلَ مَن علم به.

 

فلا يمكنُ استخدامُ سحرٍ تجرّأَ على السلطةِ الإلهية دونَ دفعِ الثمن.

 

والبحثُ عن مخرجٍ هو تِيهٌ وسطَ ضبابٍ كثيفٍ لا أملَ فيه.

 

ولهذا لم يفكّرْ قطُّ في رسمِ مستقبلٍ يظلُّ فيهِ على قيدِ الحياة…

 

“لذا، دعنا ننجو معًا.”

 

عضَّ أوسكارُ على شفتِهِ إثرَ نبرةِ إينوك الحاسمة:

 

“لننجُ معًا حتمًا.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.