الفصل 166: الفصل
166
الفصل 166
‘آه، مؤلم.’
غامتِ الرؤيةُ أمامَ عينيهِ من وطأةِ ألمٍ لم يعهَدْه.
أوسكار مانويل.
منذُ ولادتِه، كانَ يحلُّ كُلَّ شيءٍ بالسِّحرِ ولم يستخدمْ جسدَهُ قطّ.
وبطبيعةِ الحال، لا يذكرُ أنّهُ أُصيبَ إصابةً بالغةً في حياتِه.
المرّةُ الوحيدةُ التي ذاقَ فيها ألمًا فظيعًا، كانت قبلَ العودةِ بالزمنِ حينَ أشبَعَهُ تشيشير ضربًا حتّى شارفَ على الموت…
“كهحك!”
“مـ، ما هذا…”
تعالت صرخاتُ الذُّعرِ من المارّةِ الذينَ شَهِدوا الطعنة.
لا ينبغي لهُ لفتُ الأنظار…
“أنتَ، هيكاب! ستموتُ اليومَ، سترى!”
لوَّحَ السكّيرُ بقبضتِهِ بعنفٍ ثانية.
غيرَ أنّها.
“أهـ، أهـ…؟”
وقبلَ أن تصِلَ إلى وجهِ أوسكار، ترنَّح.
وسقطَ على الأرضِ متخبّطًا كعاجزٍ عن حَملِ جسدِهِ الثَّمِل.
“أُغ!”
وحدَهُ أوسكار أدركَ أنَّ حركةَ الرجلِ شابتْها غرابة.
‘تبًّا، هذا…’
التفتَ فورًا، فإذا بليليث الشاحبةِ ترتعدُ قبلَ أن تهرعَ نحوَهُ مسرعة.
“أسرِعْ، لنهرُبْ فورًا!”
أمسكتْ ليليث بيدِ أوسكار دونَ تردُّدٍ وانطلقتْ تركض.
***
في تلكَ الأثناء.
أُبلِغَ تشيشير، الذي توجَّهَ لاستجوابِ الكاهنينِ المريبين، بنبأِ فرارِ نائبِ الكاهن.
“ما هذا بحقِّ…!”
“نعتذرُ منكَ يا سيّدي. كنتُ أراقبُ الكاهنَ الأكبرَ ولا أعلمُ ما جرى في الخارج. ورغمَ عدمِ صدورِ أوامرِك، فإنَّ الموقفَ كانَ طارئًا… لذا انطلقَ أربعةُ حُرّاسٍ آخرينَ للبحثِ عن نائبِ الكاهن.”
أغمضَ تشيشير عينيهِ قابضًا على رأسِهِ بألم.
لِمَ تتعقّدُ الأمورُ هكذا…
“مهلًا!”
حينَها، تدخَّلَ الكاهنُ الأكبرُ الذي كانَ يُتابعُ الموقفَ بقلق.
سألَهُ تشيشير على الفور:
“ما سببُ فرارِ نائبِ الكاهن؟ اعترِفْ بالغايةِ من انضمامِكُما إلى موكبِ الحجّاج.”
“غاية؟ مهلًا، قبلَ ذلك… لِمَ احتجزتُمونا أصلًا؟ لا، لا فائدةَ من هذا الحديثِ الآن.”
أشارَ الكاهنُ الأكبرُ إلى الحارسِ الواقفِ في الغرفة.
“أخرِجْهُ، أريدُ التحدُّثَ معكَ على انفراد.”
استغربَ تشيشير موقفَ الكاهنِ الأكبرِ غيرَ المفهوم.
فإن كانَ نائبُ الكاهنِ قد خالفَ الأوامرَ وفرَّ، فلا بُدَّ أنَّ وراءَهُما خطبًا…
“انتظرْ في الخارج.”
أمرَ تشيشير الحارسَ فورًا رغبةً منهُ في عدمِ إضاعةِ الوقت.
غادرَ الحارسُ الغرفة.
ومهما كانت نواياهُ، فلن يصعبَ عليهِ إخضاعُ كاهنٍ عجوزٍ بمفرده.
“والآن…، أوه.”
في تلكَ اللحظةِ ذُهِلَ تشيشير.
إذ أخذَ الكاهنُ الأكبرُ يتحوَّلُ أمامَ عينيهِ إلى هيئةٍ مألوفة.
“…الدوق؟”
لقد كانَ إينوك.
“ما هذا بحقِّ…”
“أعتذرُ منكَ يا تشيشير. القصّةُ طويلة، لكنّكَ ستفهَمُ دونَ حاجةٍ للشرح، أليسَ كذلك؟”
“…….”
استعادَ تشيشير على الفورِ الحوارَ الذي تنصَّتَتْ عليهِ ليليث.
『“كانا يقولانِ إنّهما لو تحوّلا إلى امرأتين أفضل، أو أيِّ شيءٍ ما عدا العجائز… ويتذمّرانِ من شدّةِ حذري!”』
『“وقَلِقا أيضًا من تدهورِ طاقتي، وقالا إنّهما سيأخذانِني فورَ الوصولِ إلى القريةِ وأنا بكاملِ صحّتي!”』
“آه.”
تنهّدَ تشيشير مغطّيًا عينيهِ بيده.
إنّها أوّلُ رحلةٍ طويلةٍ تخوضُها ليليث بمفردِها،
فلحقَ بها إينوك بدافعِ القلق.
“إذًا، هل يعقلُ أنَّ نائبَ الكاهنِ هو…”
“أجل، إنّهُ سيّدُ برجِ السِّحر.”
عضَّ تشيشير شفتَهُ السفلى.
“لو لمحتُم لي وحدي على الأقل…”
“لم يتسنَّ لي ذلك. فقد عقدنا العزمَ على إخفاءِ هويّتِنا حتّى النهاية، فهل كنّا نتوقّعُ أن تحتجزَنا فجأة؟”
“ظنَّتْ ليليث بعدَ تنصُّتِها على حديثِكُما أنَّ لديكُما نوايا سيّئة، وأنا بدوري صدّقتُ كلامَها…”
“تنصَّتَتْ على حديثِنا؟ أيُّ حديث؟ لا، نحنُ في عجلةٍ الآن، لندعِ التفاصيلَ لوقتٍ لاحق. أوّلًا…”
تحوَّلَ إينوك ثانيةً إلى هيئةِ الكاهنِ العجوز.
“عليَّ الذهابُ للبحثِ عن سيّدِ البرج! وأنتَ استدعِ الحُرّاسَ الذينَ انطلقوا لمطاردتِه!”
“…حاضر، أُمرُكَ.”
***
ما هذا الموقف؟
أمسكتُ بيدِ أوسكار وركضتُ بعشوائيّةٍ وأنا أرتّبُ الأحداثَ في ذهني.
كنتُ أسيرُ في الشارعِ الرئيسيِّ بحثًا عن الجدِّ سكار، نائبِ الكاهن…
فرأيتُ رجلًا طويلَ القامةِ ذا شعرٍ أبيضَ مألوف، ودهشتُ قائلةً: ‘يا إلهي، كم يُشبهُ مُعلِّمي!’…
لكن حينَ دقّقتُ النظرَ وتبيّنَ أنّهُ أوسكار حقًّا، ما كدتُ أنادي: “مُعلِّمي؟” حتّى غرسَ الرجلُ الواقفُ أمامَهُ خنجرًا فيه؟
‘ما الذي يجري بحق الخالق!’
لم يكن هناكَ متّسعٌ للتفكير.
فبعدَ أن استخدمتُ قدرتي لإسقاطِ الرجلِ بأكبرِ قدرٍ من الطبيعيّة، لم يعدْ في ذهني سوى الهربِ السريع.
فضلًا عن أنّهُ مهما كان سببُ وجودِ أوسكار هنا، فلا ينبغي أن يراهُ أحدُ المعارف…
“هنا، إلى هنا!”
“تبًّا…”
ولشدّةِ قلقي على جرحِ أوسكار المطعون، لم نبتعدْ كثيرًا، بل دخلنا أوّلَ زُقاقٍ قابَلَنا.
وفورَ دخولِنا، أسندَ أوسكار ظهرَهُ إلى الجدارِ وجلسَ منهَكًا.
“آه.”
قطَّبَ وجهَهُ متألّمًا وقبضَ على الخنجرِ المغروسِ في كتفِه، ثمَّ انتزعَهُ مع أنّةِ وجع.
“آخ، اللعنة!”
“…….”
أغمضتُ عينيَّ لهولِ المنظر، ثمَّ أسرعتُ نحوَه.
ومددتُ يدي—
“إيّاكِ!”
—صَفْع!
ضربَ أوسكار يدي بعُنف.
ثمَّ أمسكَ بكتفِهِ النازفِ وحملَقَ فيَّ بنظرةٍ مخيفة.
“كُفّي… عن هذا التصرفِ المزعج… سأتولّى الأمرَ… بنفسي… فورَ أن تمتَلِئَ المانا…”
فورَ أن تمتَلِئ؟
أيعني هذا أنّهُ يفتقرُ إلى المانا الآن؟
ولماذا؟
لا، ليسَ هذا هو المهمُّ الآن.
نظرتُهُ القاتلةُ تلك حينَ هممتُ باستخدامِ قدرتي.
لم يكن موقفُ أوسكار هذا جديدًا عليّ.
“لن أكُفّ!”
صرختُ في وجهِهِ واستخدمتُ قدرتي فورًا، دونَ حاجةٍ للاقترابِ أو اللمس.
1sec
ثانيةٌ واحدة؛ قدرٌ من طاقةِ الحياةِ يُضاهي ما يُستهلَكُ في مجرّدِ نَفَس.
وحينَ التأمَ الجُرح، ارتعدَ أوسكار غيظًا وصرخَ بصوتٍ جهوريّ:
“قلتُ لكِ إيّاكِ!!!”
“آخ، أذناي!”
سددتُ أذنيَّ بيديّ.
“لِمَ لا تُطيعينَ الكلام! أتهزئينَ بحديثي؟!”
لطالما كانَ هكذا دائمًا.
رغمَ علمِهِ بأنَّ علاجَ الجروحِ هو الأقلُّ كُلفةً في طاقةِ الحياة.
كانَ يمنعُني منعًا باتًّا من استخدامِها.
وأنا أعلمُ أنّهُ يفعلُ ذلكَ لمصلحتي،
خشيةَ أن أعتادَ مساعدةَ الآخرينَ بسهولة، فيتبلَّدَ حذري من استخدامِ قدرتي…
“ألم أقُلْ لكِ دَعيني وسأتولّى الأمرَ فورَ استعادةِ المانا…!”
“أدعُ ماذا! ما الذي أدعُهُ بحق الخالق!”
“…أفزعتِني.”
“لا أطيقُ رؤيتَكَ تتألّمُ ولو لثانيةٍ واحدة!”
“…….”
“أيتطلّبُ شفاؤُهُ سنةً أو عشرَ سنوات؟ إنّها ثانيةٌ واحدة، فأينَ المشكلة؟!”
“أأنتِ حمقاء؟ أنا…!”
خفضَ أوسكار صوتَهُ وهمَسَ رغمَ انفعالِه:
“…أترينَني منعتُكِ لأنَّها تستهلكُ طاقةَ حياةٍ كبيرة؟”
“أعلم! أعلمُ أنَّكَ تمنعُني كي لا أستسهلَ الأمرَ وأستخدمَها بتهوُّرٍ لأنَّ كُلفتَها ضئيلة!”
“إن كنتِ تعلمين، فلِمَ بحقِّ…!”
“لكن إن تألّمتَ، فسأستخدمُها حتّى لو كلّفني الأمرُ سنةً أو عشرَ سنوات!”
رَمَشَ أوسكار مذهولًا من مقاطعتي له وصراخي المستمر.
“تحسَبُ هذهِ الفتاةُ أنَّ علوَّ الصوتِ يكفي…”
خفضَ أوسكار بصرَهُ الحادَّ أمامَ إصراري وتنهّد.
ثمَّ صاحَ فيَّ ثانية:
“ألم تقولي إنَّهُ لن تحدُثَ أمورٌ خطيرة! فما هذا إذًا!”
“……؟”
أصابتني الحيرةُ من كلامِه.
“أنا لم أتعرَّضْ لأيِّ خطر، بل أنتَ مَن تورَّطَ في الخطرِ حينَ تشاجرتَ مع غريبٍ وطُعِنتَ بالخنجر.”
“…….”
أمسكَ أوسكار برأسِهِ وتنهَّدَ لعجزهِ عن الردّ، ثمَّ تمتمَ بنبرةٍ هادئة:
“…قصدي، لِمَ خرجتِ إلى هنا بمفردِكِ بعدَ حلولِ الظلام؟ أتحسبينَ أنَّ أولئك المجانينَ يُميّزونَ مَن يستفزُّون؟”
“آه، ذاك… لم أتوقّعْ حدوثَ هذا. يبدو أنَّ في موكبِ الحجّاجِ خاطفًا وقد هرب، فشعرتُ بوجوبِ التحرُّك.”
“ماذا؟ أتمزحين؟”
شحبَ وجهُ أوسكار.
“وتقولينَ إنَّ موكبَ حجّاجٍ فيهِ خاطفٌ ليسَ خطيرًا؟”
“هذا ما يثيرُ حيرتي! لم يكن هناكَ أيُّ خطرٍ في البداية! إنّهما كاهنانِ عجوزانِ من أرغونيا، لكنَّ أمرهما مريبٌ للغاية.”
“……؟”
“الفارُّ هو نائبُ الكاهنِ العجوز، وحينَ حاولتُ استخدامَ قدرتي لتحديدِ مكمنِهِ تطلّبَ الأمرُ خمسَ سنواتٍ كاملة! يبدو أنّهُ يُخفي قوّةً ما.”
“…….”
“ولم أستطعِ التضحيةَ بخمسِ سنوات، فخرجتُ للبحثِ عنهُ بنفسي قبلَ أن يبتعد، ولهذا وصلتُ إلى هناك.”
لسببٍ ما، ظلَّ أوسكار فاغرًا فاهُ في صمتٍ دونَ أن يُجيب.
“يا إلهي.”
اقتربتُ وتفقّدتُ طرفَ ثوبِهِ الملطّخَ بالدماءِ لأتأكّدَ من التئامِ جُرحِهِ وسألتُه:
“ولماذا نفِدَتِ المانا منكَ أصلًا؟”
“…نفِدَتْ لأنّي استهلكتُها.”
“وما الذي قد يجعَلُ مُعلِّمي يستهلكُ كُلَّ المانا لديه؟”
أوسكار بالذاتِ دونَ غيرِه؟
وهو صاحبُ أضخمِ مخزونِ مانا بينَ أصحابِ القدراتِ بعدَ أبي وتشيشير؟
“…….”
لسببٍ ما، تردَّدَ أوسكار في الإجابةِ عن سؤالي وعادَ إلى الصمت.
“ألن تُجيب؟ ولِمَ أنتَ هنا أصلًا؟”
“جئتُ لاصطحابِك.”
“ماذا؟”
“لِمَ أتيتِ إلى هنا أساسًا؟ لا تجنينَ سوى المشقّةِ والعناء!”
“أنتَ مَن سمحَ لي! وافقتَ على ذهابي، فلِمَ تأتي الآنَ لأخذي؟”
“لم أوافِقْ أصلًا!”
“بل وافقتَ!”
“لم أسمعْكِ.”
“نعم؟”
“…قلتُ لم أسمعْكِ حينَها، كنتُ شاردَ الذهن.”
“يا للعجب.”
كنتُ أستغربُ كيفَ وافقَ بهذهِ السهولة.
حتّى أنّي أخبرتُهُ بالحقيقةِ بأنّي ذاهبةٌ لإنقاذِ الناسِ بقدرتي، وكانَ من المريبِ أن يوافقَ دونَ تردُّد.
“دَعِكِ من هذا، ولنعُدْ إلى البيت.”
“مستحيل.”
“ولماذا؟ ما سببُ إصرارِكِ على إكمالِ الحجّ؟ أيوجدُ شيءٌ في موليك؟”
“…….”
وافقَ في المرّةِ السابقةِ لأنّهُ لم يسمعْ، ولو عَلِمَ الآنَ لثارَتْ ثائرتُه.
فغيَّرتُ مجرى الحديث:
“لا يصحُّ أن نظلَّ واقفينَ هنا. أليسَ في موكبِ الحجّاجِ مَن يَعرِفُ وجهَك؟ سيكونُ الموقفُ حرجًا إن رَأوك، فلنذهبْ للبحثِ عن نُزلٍ نقيمُ فيه.”
بدا أنَّ أوسكار اقتنع بكلامي، فوقفَ بملامحَ متبرِّمة.
وحينَها.
“تبًّا… ما~ذا؟ فاشل؟ عاطلٌ، حقير؟ هيكاب!”
من الجانبِ المقابلِ للزقاقِ الذي دخلناه.
ترامى إلى مسامعِنا صوتٌ مشؤوم.
تجمَّدتُ أنا وأوسكار غريزيًّا وحبسنا أنفاسَنا.
وسرعانَ ما رأينا ذلكَ المعتوهَ الذي طعنَ أوسكار قبلَ قليلٍ يمرُّ من هناك.
يا إلهي.
أرجوكَ واصِلْ طريقَك…
ولا تنظرْ إلى هنا…
“أوه؟”
وكأنّهُ يسخرُ من رجائي، التفتَ الرجلُ نحو الزقاقِ مباشرة.
وحينَ رآنا، أو بالأحرى حينَ رأى أوسكار، جنَّ جنونُه.
“أنتَ أيُّها الوغد…! كنتَ هنا إذًا~؟”
“تبًّا، نصحتُهُ بالذهابِ إلى بيتِهِ والنوم.”
تمتمَ أوسكار متنهّدًا وهو يضعُ يدَهُ على جبينِه.
نظرتُ إلى سواري فورًا.
خلسةً دونَ لفتِ الانتباه.
ونويتُ إسقاطَهُ ليرتطمَ رأسُهُ بالأرضِ فورَ توغُّلِهِ في الزقاقِ ثمَّ نفرّ…
“إيّاكِ.”
غيرَ أنَّ أوسكار أمسكَ بمعصمي حاجبًا السِّوارَ ودفعَني خلفَه.
“…ماذا ستفعل؟ ألم تقُلْ إنَّ المانا لديكَ قد نفِدَت؟”
التفتَ أوسكار حانقًا من نبرتي المشكِّكة.
“ما هذهِ النبرة؟ وتلكَ النظرة؟ أأعجزُ عن حمايتِك؟”
“لستُ أقصدُ ذلك، لكن يبدو أنّي مَن يجبُ أن يحميَكَ الآن…”
“انتظري! لقد تدرّبتُ جيّدًا!”
التفتَ أوسكار نحوَ الرجلِ بكلِّ ثقة، لكن…
“…يا للهول، ثانية؟”
كانَ الرجلُ قد استلَّ خنجرًا آخرَ في يده.
“كم سكينًا يحملُ هذا المجنونُ معهُ بحق الخالق!”
وكأنَّ صوتَ أوسكار كانَ إشارةَ البدء، اندفعَ الرجلُ نحونا.
أو بالأحرى، هَمَّ بالاندفاع.
“آخ!”
ففي لمحِ البصر، انقضَّ عليهِ ظلٌّ من الخلفِ وضَرَبَ فخذَهُ ليُسقِطَهُ جاثيًا على ركبتيه.
ولم يكنِ المهاجمُ المباغتُ سوى…
‘…الجدّ ريك؟’
الكاهنُ العجوز، ريك.
لم أصدّقْ عينيّ.
وتلا ذلكَ مشهدٌ لا يُصدَّق.
طَـرْق!
ضغطَ ريك بسرعةٍ على مؤخّرةِ رأسِ الرجلِ الجاثي ليصدمَهُ بالأرض.
“يا رجل، مهلًا.”
وفي الوقتِ نفسِهِ أمسكَ بذراعِهِ الحاملةِ للخنجر.
“كيفَ تُلوّحُ بشيءٍ خطيرٍ كهذا هكذا.”
وبذراعٍ نحيلةٍ تبدو عاجزةً حتّى عن حَملِ ملعقة…
طَقْطَقَة.
“أااااخ!”
لَوَى ساعدَ الرجلِ الضخمَ بكلِّ خفّة.
وحينَ سقطَ الخنجرُ من يدِ الرجلِ الخائرة، التقطَهُ ريك ورماهُ بعيدًا.
ثمَّ وجَّهَ ضربةً خاطفةً بحافّةِ يدِهِ إلى مؤخّرةِ عنقِ الرجلِ المتخبّطِ ليُفقِدَهُ وعيَهُ بسلاسة.
……نهايةٌ متقَنة.
“…….”
“…….”
“…….”
وخيَّمَ الصمتُ على المكان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.