الفصل 156: الفصل
156
الفصل 156
***
في اليومِ التالي.
خرجنا للتسوّق.
‘ما هذه التشكيلة؟’
أوسكار، وأنا، وحتى ثيو.
انتشرَ خدمُ النبلاءِ في كلِّ مكانٍ يتبضعونَ بنشاط.
“أمعلمي معتادٌ على شراءَ المكوناتِ بنفسه؟”
سألتُ أوسكار الذي بدا حملُهُ لسلةِ التسوقِ مألوفًا للغاية.
“أجل؛ إنه طعامي، فمن يشتريهِ سواي؟”
“ظننتُكَ توكّلُ ذلك لأيِّ شخص….”
حياةٌ عفويةٌ لسيدِ برجِ السحرِ في شقة فاخرة لم تخطرْ ببالي قط!
“عجيب؛ تخرجُ كثيرًا إذًا، فلِمَ تبدو صورتُكَ دومًا كرجلٍ يعتزلُ في البرجِ فقط؟”
وبينما كنتُ في حيرتي، نظرَ ثيو السائرُ بجانبي إلى أوسكار وقال:
“ألا تظنينَ أنه يستحيلُ على أحدٍ التعرفُ عليه يا ليليث؟”
“آه!”
كان محقًّا.
قميصٌ متسعُ الياقةِ وسروالٌ قصير.
لن يتخيلَ أحدٌ أبدًا أن رجلًا يحملُ سلةَ التسوقِ كهيئةِ الخدمِ هو سيدُ برجِ السحرِ بعينه.
“عُدْ إلى منزلكَ بعد الغداء؛ فإطعامُ فمٍ إضافيٍّ أمرٌ مريع.”
قال أوسكار لثيو وهو يشتري حزمةَ تفاحٍ من متجرِ الفواكه.
‘أوه! يبدو أنه لمحَ بارقةَ نجاحٍ في ابتكارِ السحر؟’
فأوسكار احتجزَ ثيو بحجةِ متابعةِ حالتهِ تحسبًا لأيِّ طارئ.
لأنه لم يسبقْ له التعاملُ مع سحرٍ معقدٍ وشاقٍّ كهذا، ولم يجزمْ بنجاحهِ على الفورِ البارحة.
“أجل، حاضر!”
أجابَ ثيو بلهجةٍ عسكريةٍ منضبطة:
“أثقلتُ عليكما كثيرًا!”
“حسنًا.”
بدا أن ثيو يذكرُ يقينًا أن إصابتهُ كانت مميتة….
فشكرَ أوسكار أكثرَ من خمسمئةِ مرةٍ بين الأمسِ واليوم.
“سآخذُ ليليث معي حين أغادرُ إذًا.”
“ماذا؟”
حدَّقَ أوسكار في ثيو بحدة:
“اذهبْ وحدك!”
“عفوًا؟”
رمشَ ثيو بعينيهِ ثم تجهمَ وجهُهُ بجدية:
“هـ، هذا غيرُ مناسب….”
وراحَ ينظرُ إليَّ وإلى أوسكار بنظراتٍ حذرة.
“تبًّا؛ أتراني سآكلُها؟ أفكارُ رأسكَ مقروءةٌ على وجهك!”
“كـ، كلا؛ ليس الأمرُ كذلك؛ رأيتُكَ تعيشُ وحدكَ دون خدم، فخشيتُ أن تشقَّ عليكَ رعايةُ ليليث.”
“انظروا كيف يجملُ كلامه! شعرتُ بنظراتكَ المريبة؛ أتنكرُ الجميلَ لمنقذِ حياتك؟!”
لوَّحَ ثيو بيديهِ في ارتباك، لكن بدا أنه قلقٌ في قرارةِ نفسه.
وكان ذلك طبيعيًا.
فلم يرَ وجهَ أوسكار إلا مراتٍ نادرة….
‘ولأنه يجهلُ مدى توطدِ علاقةِ أبي بأوسكار خلالَ السنواتِ الأربعِ الماضية.’
أومأتُ برأسي، فواصلَ أوسكار هجومَهُ حانقًا:
“وماذا إن أخذتَها! رجلٌ من رتبةِ دوس عجزَ عن صيدِ وحشٍ واحدٍ وجاءَ يزحفُ وهو يلفظُ أنفاسَهُ قادرٌ على حمايةِ الطفلة؟”
“آه….”
أظلمتْ ملامحُ ثيو على الفور.
فعجزهُ عن التحكمِ في طاقةِ السيفِ هو أكبرُ همومه.
ولهذا يشعرُ بالذنبِ دومًا خشيةَ إثقالِ كاهلِ من حوله….
‘يا لكَ من معلمٍ أحمق!’
وخزتُ خاصرةَ أوسكار منبهةً إياه.
أحسَّ أوسكار بقسوةِ كلامهِ حين رأى كآبةَ ثيو، فتنحنحَ وتمتم:
“لا تقلق؛ فأبوها هو من ائتمنني عليها بنفسهِ قبل انطلاقِ الحملة.”
“عفوًا؟ أحقًّا؟ خالي؟”
نظرَ ثيو إليَّ في دهشة. فأومأتُ له برأسي.
“هـ، هكذا كان الأمر؛ أعتذر، لقد أفرطتُ في القلقِ بلا داعٍ….”
“خذ هذا.”
بينما كان ثيو يعتذر، أخرجَ أوسكار شيئًا من جيبهِ وناوله إياه فجأة.
‘ما هذا؟’
بدا شبيهًا بسواري للوهلةِ الأولى.
سوارٌ يحملُ بلورةً أرجوانيةً على شكلِ قلب، مما يليقُ بالأطفالِ فقط….
‘عجبًا، أليست تلك نواةَ وحشٍ سحري؟’
تبينَ لي بالتدقيقِ أنها نواةُ وحشٍ صُقلتْ على شكلِ قلبٍ وليست بلورة.
“إنها أداةٌ سحريةٌ تستجيبُ لنواةِ الطاقة؛ لن تنبعثَ منكَ سوى الطاقة السحرية أثناءَ ارتدائها، مما سيعينُكَ على ضبط قوّتك.”
“آه؟”
“……؟”
اتسعتْ عيناي أنا وثيو في دهشةٍ معًا.
“مـ، معلمي؟ إن كان لديكَ شيءٌ كهذا….”
…فما كلّ العناءِ الذي كابدهُ ثيو حتى الآن؟
عجزتُ عن إتمامِ سؤالي.
لأن أوسكار حدَّقَ فيَّ بملامحَ ساخطة.
“ماذا؟ ماذا!”
“كلا، شعرتُ بالأسفِ عليه فقط….”
“أترينني أتفرغُ لرعايةِ أبناءِ الآخرين؟ صنعتُها للتوِّ لشعوري بالحاجةِ إليها إثرَ ما حدث.”
لأن ثيو شارفَ على الموتِ ولأنني ذهبتُ بتهورٍ إلى ساحةِ الحرب.
عجزَ أوسكار عن البوحِ بذلك واكتفى بالتحديق، فابتسمتُ بحرجٍ وحككتُ وجنتي.
“هذا…، آه….”
بدا ثيو متأثرًا للغايةِ عند استلامِ السوار.
فانحنى بزاويةٍ قائمةٍ أمام أوسكار في منتصفِ السوقِ وصاحَ شاكرًا:
“شكرًا جزيلًا لكَ يا سيدَ برجِ السحر! سأحسنُ استخدامَه!”
“……؟”
“أيها الـ، المجنون! أجننت؟ اصمت!”
همهمات.
ما هذا؟ أسمعتم تواً؟
تمتمات.
يقولون إنه سيدُ برجِ السحر؟
تساءلَ البعضُ غيرَ مصدقينَ ما سمعوه.
“هيك!”
جفلَ ثيو مدركًا زلته، وأمسكتُ بوجنتيَّ في هلع.
التفتَ أوسكار وغطى وجهَهُ بسلةِ التسوقِ وفرَّ مسرعًا.
“انتظرنا يا معلمي!”
“أ، أنا قادمٌ معكما! سأحملُ السلةَ عنكَ!”
ركضنا مسرعينِ خلفَ أوسكار الذي هربَ بأقصى سرعته.
***
في وقتٍ متأخرٍ من المساء.
عادَ ثيو إلى منزلهِ بعد الغداء، وكنتُ أبحثُ مع أوسكار عن ثيابِ النومِ في الحقيبةِ التي جهزها أبي.
لم أتمكنْ من تبديلِ ثيابي البارحةَ لهولِ الأحداث، ولكن….
“هذه هي ثيابُ النوم!”
ثيابُ نومٍ سماويةٌ مرسومٌ عليها غيوم، اشتريتُها سابقًا كطقمٍ متطابقٍ مع أبي.
كانت هذه أولَ مرةٍ أرتديها فيها.
“عجبًا، لِمَ ثيابُ أبي هنا أيضًا؟”
كانت ثيابُ نومِ أبي في الحقيبةِ أيضًا.
استغربتُ وأخرجتُها، فسقطتْ قصاصةُ ورقةٍ من بينها.
[سيدَ برجِ السحر، هذه هديتي لك.
أعتمد عليكَ في رعاية أميرتي.]
“هيهي.”
بدا أنه أرادَ إهداءَها لأوسكار لكونها جديدة.
أن يكافئَ جليسَ أطفالٍ لأسبوعٍ ببيجامةِ نومٍ واحدة….
يا لضميرِ السيدِ جيمس براون.
“أمرٌ لا يُعقل.”
ضحكَ أوسكار غير مصدّقٍ حين قرأ القصاصة، كأنه شاطرني الفكرةَ ذاتها.
“إنها جميلة، فلترتدِها يا معلمي.”
“لا أريد! ليست جميلةً إطلاقًا! إنها طفوليةٌ جدًا!”
“تشه.”
“نظفي أسنانكِ ونامي سريعًا!”
“حاضر.”
ذهبتُ إلى الغرفةِ وارتديتُ ثيابَ النوم، ثم قصدتُ الحمامَ حاملةً فرشاةَ أسناني.
كما يليقُ بشقّةٍ فاخرة.
كان الحمامُ باهرَ الفخامة.
غير أن المرآةَ كانت مرتفعة، فصعدتُ على كرسيٍّ صغيرٍ لتفريشِ أسناني.
“……؟”
دفعَ أوسكار البابَ المفتوحَ ودخلَ حاملًا فرشاتَه.
وهو يرتدي بيجامةَ الغيومِ السماوية!
“قلتَ إهها طفوييةٌ يا معفمي!”
ضحكتُ والفرشاةُ في فمي.
فهمَ أوسكار كلامي المتلعثمَ ووقفَ بجانبي قائلًا:
“أجل، طفوليةٌ بالفعل؛ ارتديتُها بمحضِ المصادفةِ لأن ثيابَ نومي في الغسيلِ ولا أملكُ بديلًا.”
“هاها!”
وبدأ أوسكار بتفريشِ أسنانهِ هو الآخر.
ظهرنا في المرآةِ نرتدي البيجامةَ ذاتَها ونفرشُ أسناننا.
“ههه….”
“فيمَ تفحكين! كفي عن الفحك!”
غمرني شعورٌ جميل، فضحكتُ خلسةً كلما التقتْ أعينُنا عبرَ المرآة.
***
انقضتْ أربعةُ أيامٍ بعد ذلك.
واصلَ أوسكار العملَ دون نومٍ لصعوبةِ ابتكارِ السحرِ على ما يبدو.
محاطًا بالكتبِ يخطُّ بقلمهِ طوالَ اليوم، يصرخُ أحيانًا: “آااخ! ليس هذا!”، ويُتلفُ عشراتِ المعادلاتِ التي صاغها.
ومع ذلك حرصَ على وجباتي الثلاثِ وحلواي ومواعيدِ تنظيفِ أسناني واستحمامي.
‘هاه، عليَّ أن أكبرَ سريعًا لأردَّ الجميلَ لمعلمي.’
تعاظمَ شعوري بالذنبِ لاستمرارِ هذا الحالِ لأربعةِ أيام.
“تبًّا، هل أكثرتُ من الكريمة؟ أخشى أن تصبحَ دسمة….”
كان أوسكار يرتدي المئزرَ ويخلطُ الحليبَ والكريمةَ في وعاءٍ فضي، ملقيًا نظراتٍ خاطفةً على الوصفة.
خرجَ من غرفتهِ في الموعدِ تمامًا ليعدَّ لي وجبةَ الغداء….
“يا معلمي.”
“ماذا؟”
تركتُ رسمي في غرفةِ المعيشةِ وهرولتُ إلى المطبخِ قائلة:
“يكفيني تناولُ شطيرةِ الصباحِ المتبقية….”
“لا بأس.”
“ماذا تطبخ؟”
“سباغيتي.”
“أوه.”
سباغيتي بالكريمةِ على الأرجح.
“…أتحوي لحمًا؟”
ابتسمَ أوسكار بسخرية:
“نعم، نعم.”
“أيُّ لحم؟”
“لحمٌ مقدد.”
“واو، هذا رائع!”
أدهشني خلالَ إقامتي معه أنه يجيدُ كلَّ شيء.
ذكاءٌ متقد، لياقةٌ عاليةٌ تمكنهُ من السهرِ بلا كلل، وطبخٌ ممتازٌ فوق كلِّ ذلك!
أعدَّ لي أطباقًا متنوعةً كلَّ يومٍ وكانت جميعُها شهية.
“لا أريدُ العودةَ إلى المنزل.”
“ماذا؟”
“يعجبني البقاءُ مع معلمي؛ الطعامُ لذيذٌ والمنزلُ رائع، أيمكنني المجيءُ للزيارةِ ثانية؟”
“أتريدينَ مني تكرارَ مهنةِ المجالسةِ المجنونةِ هذه؟”
“هاها! أمزحُ فقط.”
ابتسمَ أوسكار وخفقَ المكوناتِ بالمضربِ وقال:
“إن غابَ أبوكِ ثانيةً فتعالي إلى هنا بدلًا من الذهابِ لأيِّ مكانٍ آخر.”
“أوه! حقًّا؟ أيمكنني ذلك؟”
“أجل.”
لم أكن أمازحُهُ في الواقع، بل كنتُ صادقة….
في تلك اللحظة.
طق، طق، طق—!
“يا إلهي!”
نظرتُ إلى أوسكار فزعةً من صوتِ الطرقِ العنيفِ على الباب.
طق!
فرقعَ أصابعَهُ في الهواءِ بهدوءٍ بينما واصلَ خفقَ المكونات.
فُتحَ البابُ وسُمعتْ حركةُ زائرٍ يدخل.
نظرتُ خلسةً نحو المدخل:
“واو، إنه أبي!”
قال إن الحملةَ ستستغرقُ أسبوعًا!
لكنهُ أنهاها في خمسةِ أيامٍ فقط.
وقفَ أبي بدِرعهِ دون تبديلِ ثيابهِ كأنه هرولَ إلى هنا، وتجمدَ حين التقتْ أعينُنا.
وجهٌ مقطبٌ يعلوهُ التأثر.
همَّ بالدخولِ مسرعًا، لكن.
“اخلعْ حذاءكَ الموحلَ قبل الدخول! هناك خفٌّ داخلي!”
تجمدَ ثانيةً إثرَ صراخِ أوسكار الذي لم يلتفتْ حتى ليرى الطارق.
امتثلَ أبي لطلبِ صاحبِ البيتِ فخلعَ حذاءَهُ وارتدى الخفَّ ثم دخل.
“أبـي! لِمَ أتيتَ مبكرًا هكذا؟”
فتحتُ ذراعيَّ فرحةً بلقائه.
لكن أبي الذي توقعتُ أن يحملني ويغمرني بالقبلاتِ لم يبدِ أيَّ ردةِ فعل.
واكتفى بالنظرِ إليَّ بملامحَ متصلبةٍ وصارمة.
“أ، أبي؟ ما بك؟ أأنتَ غاضب؟”
“أجل؛ أبوكِ غاضبٌ للغاية.”
استحضرتُ أخطائي سريعًا فأدركتُ الأمر.
‘صحيح.’
نسيتُ لمرورِ أربعةِ أيام.
لا بدَّ أن أبي علمَ بكلِّ شيءٍ من تشيشير.
إعطائي الأداةَ لتشيشير دون علمه، وذهابي لساحةِ الحرب، واستخدامي لقدرتي لعلاجِ ثيو دون تفكيرٍ في العواقب….
‘لكن النتيجةَ كانت سليمةً في النهاية.’
أكرهُ التوبيخَ بصراحة.
أكرهه، ولكن….
“سيعاقبُ أبوكِ أميرتَهُ الآن؛ قفي باستقامة.”
“أمم.”
خفتُ من نبرةِ أبي الصارمة، فنظرتُ خلسةً نحو أوسكار طالبةً النجدة.
“ههه؛ إلى ما تنظرين؟”
لكن أوسكار اكتفى بالضحكِ ببرودٍ وهو يحركُ الخفّاقة:
“تستحقينَ العقابَ هذه المرة؛ أمركِ أبوكِ بالوقوفِ باستقامة، فاثبتي سريعًا.”
…لستَ في صفي الآن إذًا.
وقفتُ باستقامةٍ أمام أبي وشفتاي ممدودتانِ من الحزن.
“أميرتي، ما هذا الفم؟ أرجعي شفتيكِ الجميلتين.”
أعدتُهما فورًا إثرَ تنبيهِ أبي بالطبع….
ضحكَ أوسكار بصوتٍ عالٍ على خضوعي.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.