الفصل 157: الفصل
157
الفصل 157
“لو كنتِ قلقةً على ثيو، لكانَ عليكِ إخباري؛ لِمَ أخبرتِ تشيشير وحدَه من وراءِ ظهري؟”
“…….”
عجزتُ عن الرد.
ليس لأنني لا أملكُ عذرًا، بل لأنَّ قولَه كان صعبًا.
‘كانَ تشيشير أكثرَ ثقةً منكَ في هذه النقطة.’
ولكن كيف أقولُ ذلك؟
سيشعرُ أبي بالحزنِ حتمًا.
“هل كنتِ تثقين بتشيشير أكثرَ من أبيكِ؟”
“أوه؟”
ما هذا؟ أَنطقتُ بها بصوتٍ عالٍ دون أن أشعر؟
نظرتُ إلى أبي في ذعر، فوجدتُهُ يبتسمُ بوهن.
“أجل، أعلمُ لِمَ فكرتِ هكذا.”
“لـ، لا يا أبي! هذا سوءُ فهم؛ ليس لأن تشيشير أقوى منك! في الواقع، أنتَ، أ، أنتَ….”
“…….”
نظرَ أبي إليَّ بنظراتٍ غامضةٍ لسببٍ ما.
***
في الطريقِ نحو المكانِ الذي ذهبَ إليه تشيشير مع ثيو، كان إينوك يقودُ فرسَهُ.
لم يكن في رأسهِ سوى فكرةٍ واحدة.
ابنتي.
طفلتي.
أثمنُ مِن حياتي….
فلذةُ كبدي.
ليليث.
ماذا لو واجهتْ وحشًا سحريًا؟
ماذا لو استنزفتْ طاقةَ حياتها لإنقاذِ ثيو؟
ماذا لو فُضحتْ هويتها وأثارت شكّ الإمبراطور؟
تلك المخاوفُ التي سلبتْ منه صوابَهُ جعلتْهُ يضمرُ استياءً تجاهَ تشيشير.
حتى وإن لم يكنْ هناك خيارٌ آخر، هل كان من الضروريِّ أن يطلبَ ليليث؟
أدركَ هو نفسه فداحةَ تفكيره، فقد كان كلُّ همّهِ في الطريقِ ابنتُه، ليليث، ليليث.
حتى في الموقفِ الذي قد يكونُ فيه ابنُ أخته، ثيو، قد فارقَ الحياة.
كانت أنانيتُه محصورةً في القلقِ على ابنتِه فحسب.
“تشيشير!”
وما إن لمحَ تشيشير عائدًا، حتى بادرَهُ بالمساءلةِ بحدة:
“أين ليليث؟”
“…….”
بدا تشيشير مذهولًا.
إذ لم يكن يتوقعُ أن يسألَهُ إينوك عن ليليث فورًا دون أن يكترثَ لأيِّ أمرٍ آخر.
“أعتذر؛ كلُّه خطئي. أعطتني ليليث أداةً سحريةً لأستدعيَها عند الخطر، فاستخدمتُها لإنقاذِ ثيو. وقد عادتِ ليليث لتوِّها ومعها أخي.”
صُدمَ إينوك من اعترافِ تشيشير المليءِ بلومِ الذات.
ما الذي كنتُ سأفعله؟
أكنتُ سأغضبُ على هذا الفتى؟
“…أجل.”
تمكنَ إينوك بصعوبةٍ من كبحِ مشاعرهِ المضطربة.
‘إن وقعَ أمرٌ خطير…’
لا بدَّ أن ابنتَه هي من طلبتْ منه ذلك؛ لأنها لا تطيقُ رؤيةَ موتِ شخصٍ مقرب.
أما سببُ إعطائها الأداةَ لتشيشير دون غيره؟
‘ليليث… تعرفني جيدًا.’
لقد كان إينوك يعلمُ أنه لن يسمحَ لابنتهِ بالمجيءِ مهما حدث.
حتى وهو يقودُ فرسَهُ إلى هنا، ألم يغرقْ في القلقِ على ليليث بدلًا من التفكيرِ في حالِ ثيو؟
ولابدَّ أن الطفلةَ أدركتْ ذلك.
أدركتْ أن أباها قد يتصرفُ بأنانيةٍ مفرطةٍ من أجلِها.
“…….”
أجل. وكلُّ ذلك القلقِ على ابنتي كان حقيقة.
لم يستطعْ إنكارَه.
فمنذ أن رزقَ بطفلةٍ هي أغلى من حياته، أدركَ إينوك حقيقةً واحدة.
أنَّ من أجلِها، يمكنُهُ أن يصبحَ إنسانًا قاسيًا، وأنانياً إلى أبعدِ الحدود….
وحقيقةُ أن ابنتَه تعلمُ ذلك جعلتْهُ يشعرُ بالخجلِ الشديد.
“أه… كم كبرتْ ليليث؟”
سألَ وهو يعاني من غثيانِ كرهِ الذات.
“ليس بشكلٍ واضح. لكن… رأيتُ شعرَها قد طالَ بشكلٍ ملحوظ.”
طأطأ تشيشير رأسَهُ.
“…أعتذرُ بشدة.”
“لا…. كلا.”
هذا الفتى الصغيرُ الذي يعاني من ثقلِ تأنيبِ الضمير….
لِمَ كنتُ أعتزمُ توبيخَه؟
يا لي من إنسانٍ أنانيٍّ وبغيض.
غطى إينوك عينيهِ الدامعتينِ وعضَّ على شفتيه.
“أنتَ بخير. كلُّ شيءٍ سيكونُ بخير.”
***
لم يكن أبي يعرفُ ما يدورُ في رأسي، فقد جثا أمامي بصمتٍ وعيناهُ مبللتان.
“أبي؟”
ثم أمسكَ كتفيَّ بتمهلٍ وقال:
“حتى وإن كنتِ قلقةً، فلا يجوزُ لكِ التصرفُ بمثلِ هذه التهور.”
“أجل. أنا آسفة.”
“أحقًّا نادمة؟”
“نعم. لن أفعلَ ذلك مجددًا.”
“كاذبة.”
جفلتُ.
“حتى وإن قلتِ ذلك، ستتصرفينَ بالطريقةِ نفسها لو تكررَ الموقف.”
يا لجيمس براون المحنك.
إنه يعرفني حقًّا.
“لن أمنعَكِ من فعلِ ما تريدين. لكن، عليكِ فقط إخباري مسبقًا…؛ افعلي ذلك فحسب.”
“…….”
“أعلمُ لِمَ لا تثقينَ بأبيكِ؛ ولكنني أدركتُ أمرًا هذا اليوم. لن أتصرفَ بأنانيةٍ بسببِ قلقي عليكِ… بعد الآن.”
ذُهلتُ.
رغم أنني لم أقلْ شيئًا، إلا أن أبي أدركَ كلَّ شيء.
لأنه أبٌ يحبني كثيرًا، ولأنه يخشى عليَّ من أيِّ مكروه….
أدركَ أنه كان يتوقعُ مني ألا أحاولَ إنقاذَ أحدٍ خوفًا عليَّ، وأنه لن يسمحَ لي بالاقترابِ من ساحةِ المعركةِ أو استخدامِ قدرتي.
“إن كانَ هناك شيءٌ ترغبينَ في فعلهِ بقوتك، فسأفكرُ في الأمرِ بجدية. ولن أمنعَكِ بتهور.”
“…….”
“لذا أرجوكِ، يا أميرتي. أخبريني دائمًا قبل أيِّ خطوة. أليس كذلك؟”
“حاضر، يا أبي. أنا آسفةٌ حقًّا….”
“أجل، يا أميرتي.”
ابتسمَ أبي واحتضنني.
“لقد عانيتِ كثيرًا. لابدَّ أنكِ كنتِ خائفة.”
“كلا. لم أكن خائفةً أبدًا.”
“أجل، فأنتِ شجاعة. لكنني أنا من خفتُ عليكِ. كدتُ أفقدُ عقلي من القلق….”
“آسفةٌ لأنني قلقتُكَ….”
“كلُّ شيءٍ بخيرٍ الآن. المهمُّ أنكِ عدتِ بسلام.”
أبعدني أبي عن حضنهِ والتقى بصري بعينيهِ وابتسم.
“لكن، من أين حصلتِ على تلك الأداةِ السحرية؟”
ورغم سؤالهِ، فقد نظرَ فورًا نحو أوسكار وكأنه يعلمُ الإجابة.
قرأ أوسكار نظراتِ أبي فعبسَ بحدة.
“واو، أتنوي لومي؟ أتعتقدُ أنني أعطيتُها لها لتستخدمَها هكذا؟ لقد صنعتُها لأستخدمَها عند خطرٍ يمسُّها، فاستولتِ الفتاةُ على الزوجِ بكاملهِ قسرًا!”
أشارَ أوسكار إليَّ وهو يزفرُ غاضبًا.
“إنها ليست مجردَ ابنة فارس. إنها بلطجية! تظنُّ أن دلالها يحلُّ لها كلَّ شيء! كيف ربيتها على هذا؟!”
“واو، يبدو أنها حصلتْ عليها بفضلِ دلالها….”
“…لا، انتظرْ.”
“كلا، يا سيدَ برجِ السحر. لا تسيئ الفهم. لم أكنْ لألومَكَ.”
نهضَ أبي واقتربَ من أوسكار وهمسَ في أذنه.
بدا أوسكار ممتعضًا، ثم خلعَ مئزرهُ ودخلَ غرفتهُ ليعودَ بصندوقٍ صغير.
أخذهُ أبي وابتسم.
“شكرًا.”
“انتظرْ قليلًا. أعطني زوجًا أنا أيضًا.”
فتحَ أوسكار الصندوقَ الذي قدمهُ لأبي وأخرجَ شيئًا.
نظرتُ فإذا بها صدفةٌ سحرية.
‘آه، أأدركَ فائدتَها إذًا؟’
يبدو أن أبي سألَ إن كانَ بإمكانهِ الحصولُ على واحدة.
أعطاني أوسكار صدفةً بيضاءَ ثم ارتدى مئزرهُ مجددًا.
“إياكِ أن تعطيَها لغيري، سأعرفُ الأمرَ حقًّا.”
أضافَ أوسكار وهو يلوحُ بمضربِ الخفقِ تهديدًا:
“وإن ذهبتُ ولم أجدْكِ أنتِ، بل وجدتُ شخصًا آخرَ غيرَكِ، فسأقتلهُ بنفسي، أيًّا كان!”
“هييك! حـ، حاضرة. فهمت.”
“واو، هذا قاسٍ قليلاً.”
قال أبي ببلاهةٍ وهو يتجولُ حول أوسكار الذي يطبخ.
“…؟ ما الخطب؟ لا تفتلْ عضلاتِك وتتجولَ في المطبخِ دون داعٍ، أخبرني كيف سويتم الأمرَ أولًا. لا بدَّ من توحيدِ روايتنا.”
“أجل، لهذا أتيتُ في الواقع. سأشرحُ لكَ أثناءَ الأكل. عليَّ الذهابُ بعد الأكلِ فورًا لإبلاغِ البلاطِ الإمبراطوريِّ بوضعِ الحملة.”
“……؟”
“بالمناسبة، ماذا تطبخ؟ ألا يبدو لذيذًا؟”
“وهل يهمّني رأيك؟”
تعجبَ أوسكار.
“لأنني سأتناولُ الطعامَ أيضًا؟ هل هذا سؤالٌ مستغرب؟ لقد أتيتُ مباشرةً من الطريقِ وأنا جائعٌ جدًا.”
استغربَ أوسكار من وقاحةِ أبي، لكن أبي لم يبالِ:
“عد لبيتكَ بعد العملِ إذن! فهذه الكميةُ تكفي لشخصينِ فقط، لي وللطفلةِ!”
“عجبًا. ما المشكلة؟ أطبخُ حصةً إضافية. كلا، أنا آكلُ ضعفَ هذه الكمية.”
خطفَ أبي كيسَ المكرونةِ من على الطاولةِ واندفعَ نحو المطبخ.
“سأساعدكَ؛ فطبخي ممتاز.”
“أجل، يا معلمي! أبي يجيدُ الطبخَ أيضًا! لنأكلْ معًا!”
ركضتُ خلفهما لأشاهدَ أبي وهو يطبخ.
“واو، واو. هذا مذهل.”
امتلأ المطبخُ بالضجيجِ فجأة.
بدا أوسكار غيرَ راضٍ وارتجفَ غيظًا.
“تبًّا، لقطيعِ الوحوشِ هذا… لقد أبادوها في خمسةِ أيامٍ فقط….”
تمتمَ وهو يرمقُ أبي الذي يغني بسعادة.
“لِمَ عاد هذا الرجلَ بهذةِ السرعة؟!”
***
القصر الإمبراطوري، قاعةُ الاجتماعات.
بعد تقديمِ التقريرِ عن الحملة، اجتمعَ عشرةٌ من قادةِ الجيشِ لمناقشةِ التداعيات.
كان محورُ الاجتماعِ هو انسحابُ قائدِ فرسانِ المبارزين السحريين، تشيشير ليبر، من الميدانِ ونجاةُ ثيو أنتراس.
لم يكن انسحابُ تشيشير لإنقاذِ ثيو المصابِ إصابةً قاتلةً ذا أهميةٍ كبرى لأحد.
بل ما أثارَ دهشةَ الجميعِ هو….
“أمرٌ مخزٍ!”
تدخلُ سيدِ برجِ السحر، أوسكار مانويل.
لقد أنقذَ ثيو أنتراس الذي كان على وشكِ الموتِ المحقق.
فتكشفَ وجودُ مهارةٍ سحريةٍ غيرِ معلنة.
“سحرٌ قادرٌ على معالجةِ جروحٍ قاتلةٍ لا يُجدي فيها العلاج!”
قال القائدُ العجوزُ لفرسانِ السحر، جيليان فالينسيانو، بغضبٍ عارم.
“يا صاحب الجلالة، لا يمكنُ غضُّ الطرفِ عن هذا!”
كان الإمبراطورُ نيكولاس يجلسُ في الأعلى متأملًا.
“ما الغايةُ التي سمحنا لأجلِها لبرجِ السحرِ بالسلطة؟ ألم تكنِ الاتفاقيةُ تنصُّ على مشاركةِ السحرِ للمنفعةِ العامة؟”
تابعَ جيليان صراخه.
“أن يحتكروا سحرًا عظيمًا كهذا؟! يجبُ استدعاءُ سيدِ البرجِ ومساءلتُهُ وإخضاعُهُ للعقاب!”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.