الفصل 155: الفصل
155
الفصل 155
ربتَ أوسكار عليَّ وهو يحتضنني مليًا ثم قال:
“أخبريني الآن ما المصيبةُ التي ارتكبتِها.”
“آه.”
أشرتُ إلى ثيو الراقدِ فاقدًا للوعي.
“كادَ أخي ثيو أن يموت؛ ولأنها إصابةٌ قاتلةٌ عجزَ عنها السحرُ العلاجي، استدعاني تشيشير.”
“…….”
رمشَ أوسكار بعينيهِ في صمت.
توقعتُ سيلَ التوبيخِ الذي سينهمرُ عليَّ فأضفتُ مسرعة:
“لا أحدَ يعلمُ بذهابي إلى هناك! فقد استدعاني تشيشير في مكانٍ منعزل!”
“أجل، هذا بديهي.”
ابتسمَ أوسكار ابتسامةً عريضة:
“أي أنه استدعاكِ لإنقاذِ هالكٍ محتوم؟”
“…….”
“أجنَّ ذلك الوغد؟ أيتلهفُ لإعلانِ وجودِ بريميرا هنا في كلِّ الأرجاء؟”
“…….”
“ألديكما خطة؟ أنقذتِ حياتَهُ دون أدنى تفكيرٍ في العواقب، أليس كذلك؟ معذرةً، أجننتِ أنتِ أيضًا؟”
“مـ، معلمي…، لا داعي للحديثِ مبتسمًا؛ فنبرتُكَ مرعبةٌ ولا تبدو لطيفةً على الإطلاق….”
محا أوسكار ابتسامتَهُ إثرَ كلامي وتجهمَ وجهُهُ تمامًا.
راقبتُ ملامحَهُ بحذرٍ وقلت:
“أما الخطة، فـ… سأفكرُ فيها من الآن؛ فما زالَ هناك متسعٌ من الوقتِ قبل انتهاءِ حملةِ الإبادة….”
“وهل ستخرجينَ بحلٍّ بمجردِ التفكير؟”
“عـ، عليَّ المحاولةُ أولًا؛ كالتلاعبِ بذكرياتِ الناسِ لئلا يعلموا بخطورةِ إصابةِ أخي ثيو….”
نقرَ أوسكار على رأسي بخفة.
“آخ!”
“معظمهم من رتبةِ دوس، وتقولينَ تلاعبًا بالذكريات؟”
فمحوُ الذكرياتِ مقبولُ التكلفةِ نسبيًا، أما التلاعبُ بها فيتطلبُ استنزافًا هائلًا لطاقةِ الحياة.
وكلما ارتفعتْ قدراتُ الشخصِ المستهدفِ تطلبَ الأمرُ استنزافَ حياةٍ أكبر….
“لكن مسحَ ذكرياتِ الكثيرينَ بالكاملِ سيثيرُ الشكوكَ حتمًا؛ لذا فالتلاعبُ بها….”
“هراء؛ الأفضلُ اعتبارُهُ ميتًا وحبسهُ في مكانٍ ما ليعيشَ فيه طوالَ حياته.”
“…أتقولُ هذا بجدّية؟”
“أترينني أمزح؟”
“واو، هذا كثيرٌ حقًّا.”
نقرَ أوسكار بلسانهِ واقتربَ من ثيو الراقد.
“أكان بطنُهُ مثقوبًا؟”
“نعم.”
فغرَ فمَهُ وهو يتفحصُ بطنَ ثيو المكشوفَ إثرَ تحطمِ درعهِ وتمزقِ ثيابه:
“أجننتِ بحق؟ أعدتِه سليمًا تمامًا؟ لم تتركي أيَّ مجالٍ للاختلاقِ والتبرير!”
أطبقتُ فمي في صمتٍ متفاديةً نظراتِ أوسكار الحانقة.
“هاه، يا للهول.”
أرجعَ أوسكار رأسَهُ بإرهاقٍ وتمتمَ ناظرًا إلى الفراغ:
“ألأن أباها يدعو لها دومًا بالنموِّ المعافى أصبحتْ هكذا…؟ لقد كبرتْ معافاةً حقًّا لتثيرَ كلَّ مصيبةٍ ممكنة….”
أطبقتُ شفتيَّ بإحكامٍ أكبر.
“أرجوكِ، انضجي بهدوءٍ قليلًا، اتفقنا…؟”
“حاضر.”
أغمضَ أوسكار عينيهِ مفكرًا في أمرٍ ما ثم نهض.
“فلنقلْ إنني أنا من عالجه.”
“عفوًا؟”
“ستنقلبُ الدنيا إن كُشفَ هذا؛ وحين يعودُ جيشُ الإبادة، سيطالبُ القادة بتفسيرٍ لكيفيةِ نجاته؛ وليس في الإمبراطوريةِ اليومَ من يقدرُ على سحرٍ بهذا المستوى سواي.”
ارتبكتُ:
“لكن الساحرَ المقدسَ المعالجَ هناك قال إن أخي لا أملَ في نجاته، والجميعُ يعلمُ أن السحرَ العلاجيَّ كان عاجزًا عن شفائه.”
“يكفي أن نوجدَ سحرًا يجدي نفعًا.”
“…عفوًا؟”
“يكفي وجودُ سحرٍ يعيدُ المصابَ المشرفَ على الهلاكِ سليمًا تمامًا، ويبدو شبيهًا بقدرتكِ هذه.”
“يا إلهي! أثمةَ سحرٌ كهذا؟”
ابتسمَ أوسكار لرؤيتي أبتسمُ بفرحٍ غامر.
ثم تجهمَ وجهُهُ ثانيةً وقال:
“وهل يعقلُ وجوده؟ سأبتكرهُ بدءًا من الآن.”
***
“هاها! هذا يدغدغ!”
“لا تتحركي! لن يُقصَّ باستقامة!”
فتحَ ثيو عينيهِ على جلبةِ تلك الأصوات.
رأى سقفًا غريبًا.
‘ما هذا؟’
آخرُ ما يذكرهُ كان عشَّ تكاثرِ الوحوش.
فقبل أن يستوعبَ صدمةَ اكتشافِ مئاتِ البيوضِ المخفية، هوجمَ من قِبلِ الوحشِ البالغِ الذي كان يحرسُها.
يذكرُ بوضوحٍ كيف اخترقتْ مخالبُ الوحشِ بطنَهُ قبل أن يستلّ سيفه….
“آه!”
هبَّ ثيو واقفًا وتحسسَ بطنه.
كان سليمًا بلا أدنى جرح، وقد بُدِّلتْ ثيابُه.
“أوه! استيقظتَ يا أخي! أأنتَ بخير؟”
“…ليليث؟”
رفعَ رأسَهُ فرأى ليليث تجلسُ على كرسيٍّ بجانبِ السرير.
وخلفَها رجلٌ يقصُّ شعرَها بمقصٍّ في يده….
‘سيدُ برجِ السحر؟’
لم يتحدثْ إليه مسبقًا، لكنه يعرفُ وجهه.
‘ما الذي يحدثُ بحق الخالق؟’
إرتباكُ الاستيقاظِ في مكانٍ غريبٍ تضاعفَ برؤيةِ سيدِ برجِ السحرِ وليليث فجأة.
وبينما كان يرمشُ في دهشةٍ وحيرة، قفزتْ ليليث واحتضنته:
“لا تشعرُ بألم، أليس كذلك؟ أنتَ بخير؟”
“أجل، بخير؛ ولكن لِمَ أنا هنا؟ ما الذي حدث؟”
“في الواقع….”
“ثيو أنتراس.”
ناداهُ أوسكار وهو يقفُ عاقدًا ذراعيه:
“أتعلمُ من أكون؟”
“أ، أجل.”
وهل يجهله؟
سليلُ عائلةِ مانويل التي توارثتْ سيادةَ برجِ السحر، وعبقريُّ العصورِ الفذ.
صاحبُ نفوذٍ عظيمٍ يزودُ الموهوبينَ بالمعادلاتِ السحرية، وشخصيةٌ مهيبةٌ.
‘أهذا منزلُ هذا الرجل؟ لِمَ أنا هنا أصلًا؟’
توترَ ثيو من نظراتِ أوسكار الحادة، واحتضنَ ليليث في حجرهِ دون وعي.
“استمعْ جيدًا.”
تنحنحَ أوسكار وقال:
“شارفتَ على الموتِ في حملةِ الإبادةِ هذه، وأنا من أنقذَ حياتك.”
“…عفوًا؟”
“عليكِ البقاءُ في هذه الغرفةِ بصمتٍ طوالَ اليومِ لمتابعةِ حالتك.”
ما معنى هذا الكلام؟
اتسعتْ عينا ثيو ونظرَ إلى ليليث طلبًا لمزيدٍ من التوضيح.
غير أن ليليث ابتسمتْ بحرجٍ واكتفتْ بالرد: “أجل، هذا صحيح؛ معلمي هو من أنقذَ حياتك….”
“اعلم هذا الأمرَ وكفى.”
أنهى أوسكار كلامَهُ بجفاء.
رمشَ ثيو بعينيهِ غارقًا في الحيرة.
***
‘أكان شروعُ ثيو في الموتِ قدرًا محتومًا كما خشيت؟ أم مجردَ مصادفة؟’
ليتها كانت مصادفة….
تنهدتُ وأنا غارقةٌ في التفكير.
‘لكن لدينا ما يجبُ حلهُ الآن؛ ليس الوقتُ مناسبًا للقلقِ بشأنِ القدرِ أو المصادفة.’
فلإقناعِ الجميعِ بنجاةِ ثيو، كان لا بدَّ من إثباتِ وجودِ السحرِ الذي عالجه.
حالةٌ شُفيتْ فيها الأعضاءُ التالفةُ بالكامل.
لم يكن هناك سحرٌ علاجيٌّ نادرٌ قادرٌ على إنقاذِ من كان موتُهُ حتميًا، ولكن….
“يا معلمي، ألا يمكنني المساعدةُ في شيء؟”
“لا.”
…أوسكار يعكفُ على ابتكارهِ الآن.
انغمسَ في العملِ واضعًا نظاراتِ القراءة.
تكدستِ الكتبُ على طاولةِ غرفةِ المعيشة، ولم يتوقفْ قلمُ أوسكار عن الكتابةِ لدقيقةٍ واحدة.
‘واو، عبقريٌّ حقًّا.’
أُعجبتُ به من جديد.
انحدرتْ من سنِّ قلمهِ معادلاتٌ معقدةٌ ورسومٌ بيانيةٌ ورموزٌ قديمةٌ دون تردد.
كيف ينوي تجسيدَ قدرةِ بريميرا بالسحر؟
سألتُهُ بدافعِ الفضول—
“الأساسُ هو العودةُ الجزئيةُ بالزمن؛ أنا مشغولٌ فلا تسألي ثانيةً.”
اكتفى أوسكار بهذا الرد.
لكني فهمتُ الفكرةَ العامة.
‘أي إرجاعُ العضوِ إلى حالتهِ السليمةِ قبل الإصابة؟’
سألتُهُ بدافعِ القلق:
“ولكن يا معلمي، ألا يتطلبُ سحرُ الرجوعِ بالزمنِ ثمنًا؟”
“سأستخلصُ الهيكلَ الأساسيَّ لمعادلةِ الرجوعِ وأدمجهُ مع السحرِ العلاجي؛ لا مجالَ لتطبيقِ خواصِّ السحرِ المحظور، فلا تقلقي.”
أوه….
من المدهشِ أنني لم أفهمْ حرفًا مما قاله….
لكن أوسكار أجرى من أبحاثِ الرجوعِ بالزمنِ ما يكفي، ولن يُعجزَهُ الأمر.
غير أنني شعرتُ بالخجلِ والحرجِ لأنني ورطتُهُ وتركتُهُ يحلُّ مشكلتي.
أنبني ضميري من النومِ وتركهِ يعاني بمفرده، فقاومتُ النعاسَ وجلستُ بجانبهِ رغم حلولِ موعدِ نومي.
“اذهبي للنوم.”
لاحظَ أوسكار نعاسي ببراعةٍ وقال:
“لستُ ناعسة، سأقرأُ كتابًا.”
لن أنامَ أبدًا.
“يا معلمي، أنا بشرٌ ولدي ضمير.”
“ما هذا الهراءُ فجأة.”
“لن يرى معلمي نومي الليلة.”
سأسهرُ مع أوسكار الذي يكابدُ كلَّ هذا المشقةِ لأجلي حتمًا!
حتمًا!
***
“خاه….”
أسندَ أوسكار ذقنَهُ وضحكَ وهو ينظرُ إلى ليليث الغارقةِ في النوم.
ألم تقولي إنني لن أرى نومكِ الليلة؟
كانت نائمةً بعمقٍ ووجنتُها منبسطةٌ كالكعكةِ فوق الكتابِ المفتوحِ على الطاولة.
“أنتِ.”
“…….”
“ادخلي ونامي.”
بدا أنها لم تسمعْ صوتهُ من فرطِ استغراقها في النوم.
تنهدَ أوسكار ورفعَ جسدَ الطفلةِ واحتضنَها برفق.
حين حملَها مسندًا ظهرَها وساقيها، مالتْ رقبتُها إلى الخلفِ فجأة.
“يا إلهي، الرقبة!”
كادتْ تحدثُ مصيبة.
أعادَ أوسكار ضبطَ ذراعيهِ وعدَّلَ رأسَ الطفلةِ بحذر.
“تنامُ بعمقٍ حقًّا، ولا تستيقظ.”
ابتسمَ أوسكار وهو ينظرُ إلى وجهها فاغرِ الفمِ الغارقِ في الأحلام.
مشى بحذرٍ ودخلَ الغرفةَ ومددَ الطفلةَ على السرير.
غطاها باللحاف، وأزاحَ خصلةَ شعرٍ دخلتْ في فمها المفتوح….
‘جميلة.’
راقهُ وجهُ ليليث المفعمُ بالنضارةِ والحيوية.
فحين كانت دميةً للإمبراطور، كانت بريئةً بسذاجة، غير أن شحوبَ وجنتيها وانطفاءَ عينيها كانا يبعثانِ على الشفقةِ دومًا.
كانت كدميةٍ تتنفسُ فقط.
أما الآن فهي كإنسانٍ حقيقيٍّ ينبضُ بالحياة.
تضحك، تبكي، تغضب….
تجيدُ الحديث، وتعبرُ عن مشاعرِها بطلاقة….
وبدت أسعدَ من في الوجودِ لعيشها يوميًا بجانبِ أبيها كما تمنَّت.
غمرَ قلبَ أوسكار تأثرٌ عميقٌ لرؤيةِ الطفلةِ تعيشُ بسلامٍ هكذا.
وكيف لا؟
أن تعيشَ حياةً عادية، معافاة، وسعيدة….
ولرؤيةِ هذا المشهدِ بالذات.
ضحى بكلِّ ما يملك.
“لذا عيشي حياةً مديدة.”
حبذا لو كفَّتْ عن المصائب، لكن ذلك عسيرٌ لأنها ليست كائنًا عاديًا للأسف.
“وما صعوبةُ تنظيفِ فوضاكِ؟”
فلم أتركْ شيئًا إلا وفعلتُهُ لأجلكِ.
لذا كلُّ ما أتمناهُ هو أن تكبري بصحةٍ وعافيةٍ كما يقولُ أبوكِ.
“طابتْ ليلتُكِ.”
لمسَ أوسكار وجنةَ الطفلةِ برفقٍ وهو يبتسم، ثم غادرَ الغرفة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.