الفصل 15
“ألا تستطيع الابتسام وحسب؟”
“كحمم.”
بينما كان نورديك يطلق تنهيدة ساخرة، اكتفى إينوك بسعال خفيف ومفتعل.
“أيها الدوق، قد تبدو كلماتي محرجة، لكني لست مؤهلةً لتعليم الأميرة الصغيرة.”
“هف، هل ابنتنا بمثل هذا المستوى حقاً؟”
“نعم. في حالة الأطفال الذين يظهرون نبوغاً في الرياضيات، من المعتاد أن يتم استقطابهم من البرج السحري لتلقي تعليم الموهوبين المبكر.”
“لهذا السبب تواصلت مع البرج السحري مسبقاً. قالوا إنهم يريدون تقييم مستوى ليليث بأنفسهم بشكل مباشر.”
حين استأنف نورديك حديثه، تجهمت ملامح إينوك بانزعاج واضح.
“دون حتى سؤال ليليث؟ ودون استشارتي ولو بكلمة واحدة؟”
“إنه مجرد اختبار لمستوى الطفلة. أما قرار الانضمام للبرج السحري من عدمه فهو عائد لليليث وحدها بالطبع. لكن إن لم تكن النتيجة سيئة…”
“……”
“سيكون من المريح لقلبك أيضاً أن تعمل الطفلة في البرج السحري مستقبلاً.”
ولم يكن ذلك خاطئاً تماماً.
إمبراطورية بافيليون حيث يُلزم جميع أصحاب القدرات من الفئات العليا بأداء الخدمة العسكرية الإجبارية.
لكن باحثي البرج السحري كانوا دائماً في المرتبة الأخيرة ضمن قوائم التجنيد.
ما لم يقع يوم تنشق فيه الأرض وتتكسر السماء معلنةً نهاية الإمبراطورية، فلن يُطلب منهم أبداً الخروج إلى ساحات القتال الملطخة بالدماء.
“في الوقت الحالي…”
فرك إينوك جبينه بعمق وهو يفكر.
“…سأستفسر من ليليث أولاً. عما إذا كانت الدراسة ممتعة حقاً أم لا.”
“افعل ذلك إذن.”
“عبقرية حقيقية! عبقرية مطلقة! أعظم موهبة لا تتكرر في التاريخ!”
رفعت السيدة لينا إبهامها وبدأت تبالغ في حماسها مقتحمة الحديث.
“كحمم. حسناً… ابنتي بارعة بعض الشيء.”
“ألا تكف عن رفع زاويتي فمك المتلهفتين للارتفاع هكذا؟ تبدو فاقداً لكلّ هيبة.”
حين وبخه نورديك، حاول إينوك إغلاق شفتيه المرتجفتين بقوة واستدار بحدة.
“سأذهب الآن.”
وعلى عكس دخوله العاصف والغاضب قبل قليل، غادر الابن الغرفة بخطوات مفعمة بالحماس والسعادة لدرجة أثارت استنكار نورديك تماماً.
ليتمتم الأب العجوز بتنهيدة عميقة:
“…أتساءل حقاً كيف تحول ابني إلى هذه الشاكلة.”
***
متجر ملابس الأطفال الفاخرة في وسط العاصمة.
ما إن انتهيت من دراستي حتى وجدت نفسي منجرفة للخارج بيد عمتي، لأطلق…
“و، وااااو…”
إعجاباً وذهولاً لا ينتهي.
فستان سماوي مصنوع من قماش ناعم وفاخر. دانتيل أبيض وزخارف براقة مرصعة بالجواهر…
يقال إن الملابس هي جناحا الإنسان، وكانت الفتاة التي تنعكس في المرآة تشبه الأميرات حقاً.
كحمم. يبدو محرجا بعض الشيء أن أسمي نفسي أميرة بلساني.
“واو، ليليث. تبدين جميلة حقاً. تبدين كأميرة حقيقية.”
اقترب ثيو من خلفي وبدأ يقفز حماسة، قبل أن يحيطني بعناق دافئ ولطيف.
“أنت لطيفة وجميلة حقاً…”
وبسبب ذلك المنظر، أطلقت عمتي التي كانت تجلس بعيداً على طاولة رفقة صاحبة المتجر ضحكة خفيفة ومرحة.
“يا ثيو، هل أختكَ جميلة إلى هذا الحد؟”
“نعم، يا أمي. تبدو تماماً كدمية حقيقية. إنها محبوبة ولطيفة جداً.”
وبسبب تعبير ثيو الصادق، شعرتُ ببعض الخجل والاحراج.
“هووه، تبدو كالملاك، ومن الطبيعي أن يعجب ابنكِ بها إلى هذا الحد أليس كذلك؟ ألم تكن تغنّي أغنية ‘أريد أختاً صغيرة’ طوال الوقت؟”
“هكذا تماماً. وحتى البارحة كان في غاية الحماس لدرجة أنه لم يستطع النوم مطالبًا إياي باصطحابه للخروج مع أخته…”
بدأت عمتي تتبادل أطراف الحديث بهدوء مع صاحبة المتجر مجدداً.
“يا صغيرة! الفستان الذي أرتديته قبل قليل يبدو أفضل بكثير.”
وفي تلك اللحظة، أبعد ليون ذراعي ثيو اللتين كانتا تحضنانني وتحدث بفظاظة ونبرة جافة.
الملابس التي كان يحملها ليون كانت عبارة عن فستان أصفر اللون قمت بتجربته فور دخولنا المتجر.
“أترجحُ أن اللون الأصفر أجمل يا أخي؟”
“نعم. ما ترتدينه الآن يبدو كملابس الكبار جداً. الأصفر يجعلك تبدين كفرخ بطّة لطيف.”
“همم، لا أظن ذلك. اللون السماوي يناسب ليليث بشكل أفضل.”
“أليس لديك عيون يا ثيو؟ الأصفر أفضل بكثير.”
“رغم أن كل شيء سيبدو جميلاً عليها، لكني أختار السماوي إن كان علي الاختيار بينهما.”
“بل الأصفر!”
ولأنهما كانا يتشاجران باستمرار، لم أستطع اتخاذ قرار واضح بشأن ما سأختاره.
كنت معجبة بالاثنين معاً…
“أمم.”
وبينما كنت أتحسس الفستان في يد ليون، لمست عيني سعر الفستان المعلق فجأة.
[1,540,000 تير]
‘ما هذا؟’
دلكت عيني ورمشت مطولاً لأتأكد مجدداً.
أكان مكتوباً مليون ومائة وأربعون ألف تير حقاً؟
بما أن القطعة الذهبية الواحدة تعادل 100 ألف تير، فهذا يعني أن هذا الفستان لا يمكن شراؤه حتى بخمس عشرة قطعة ذهبية.
وللعلم، فإن السيد جيمس براون كان يبيع حمولة كاملة من الخشب ليحصل بالكاد على 50 ألف تير، أي خمس عملات فضية.
‘السـ، السعر جنوني حقاً. هذه الأموال يكسبها أبي بعمل متواصل ودون توقف طوال شهر كامل.’
فتحت فمي بذهول ووقفت صامتة، بينما كانت عمتي التي نهضت من مكانها تتفحص سعر فستان آخر معلق على مقربة.
“يا الهي.”
…أليس غاليا جداً؟ بلى. رغم أن عمتي أخبرتني أنها ستشتريه، إلا أنني شعرت بالحرج فجأة.
“سيدة المتجر.”
“نعم، حضرة الدوقة.”
نادت عمتي صاحبة المحل.
“قلتِ إنه تصميم جديد. ما نوع القماش المستخدم ليصبح سعره زهيداً هكذا؟”
……؟
هاه؟
على عكس توقعاتي تماماً، كادت قدماي أن تخور قوتهما من السؤال.
“لا، يا يا صاحبة السمو. لا تقلقي أبداً. إنه الحرير المعتاد الذي نستخدمه دائماً. لكن وفرة المواد الخام مؤخراً أدت لخفض تكلفة الإنتاج فقط.”
“آه، أهذا هو السبب؟”
تفقدت عمتي بضع قطع أخرى وسألت بابتسامة دافئة:
“هل جربتِ كل الفساتين؟”
“نـ، نعم! يا عمتي!”
سارعت بتفقد سعر الفستان السماوي الذي كنت أرتديه الآن.
مليون ومائة وستون ألف تير. بل إن الفستان الأصفر الذي اختاره ليون أرخص قليلاً.
“يا عمتي، أرغب في أخذ الفستان الأصفر هذا…”
حين حاولت قول ذلك، كانت عمتي قد ابتعدت للتو نحو منضدة الحساب رفقة صاحبة المتجر.
“يبدو أن ما ترتدينه الآن مقاسه مناسب تماماً لذا سأجعلك ترتدينه ونغادر فوراً. أما البقية، فقومي بتفصيلها وفقاً لمقاساتها وأرسليها إلينا حال الانتهاء منها يا سيدتي.”
“حاضرة.”
ماذا؟ بقيت متسمّرةً في مكاني كالتمثال قبل أن تلتفت عمتي وتناديني:
“ليليث، ألن نذهب الآن؟ ألم تقولي إنكِ ترغبين في تناول الكعك؟”
“عـ، عمتي. الملابس… ألم نكن بصدد اختيار الملابس؟”
“مم؟”
أمالت عمتي رأسها باستغراب لبرهة قبل أن تطلق ضحكة قصيرة مستسلمة لشقاوة اللحظة:
“كلا. لم أقصد اختيار قطعة واحدة، بدا لي أنكِ استمتعتِ بتجربة كل ما علقَ ببصرك. لذا طلبت جميع موديلات الربيع المعروضة هنا. أما البقية فستصل المنزل قريباً لنستمتع بتجربتها مجدداً هناك.”
“مااذا؟”
كانت الفساتين المعروضة في المتجر تتجاوز العشر قطع.
عشر فساتين بسعر يقارب مليون ونصف تير لكل منها يعني أن إجمالي السعر… خيالي!
“لـ، لا داعي. أنا…”
وحين حاولت إخبارها أن فستاناً واحداً يكفي، ابتسمت عمتي بلطف وقالت:
“لا يمكن للمرء شراء فستان واحد فقط، أليس كذلك؟”
ارتداء فستانين للخروج فقط، والتي كان يتم غسلها بجهد وتبادلها دورياً كعادة العامة، هو أمر لن يفهمه من يعيش في رفاهية النبلاء قط.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
‘أـ، أليس هذا المشهد هو ذاته ما كنت أراه في التلفاز: احسب حساب كل هذه القطع من هنا إلى هناك!؟’
حجم إنفاق يفوق الخيال.
يبدو أن الأغنياء حين يزورون متاجر الملابس ينفقون الملايين دون أن ترف لهم عين.
بـ، بما أنها مصرة على الشراء فسأقبلها بصدر رحب… انحنيت باحترام وأنا في حالة من الذهول:
“شـ، شكراً لكِ يا عمتي! سأرتديها بسرور!”
***
تذوب بسلاسة فور لمسها للسان، كريمة الفراولة الناعمة.
“هففف…”
أمسكتُ بوجنتي من شدة السعادة وارتخيت كلياً على المقعد، مما أثار ضحك عمتي وأبناء عمومتي التوأم.
“ألهذه الدرجة هو لذيذ يا ليليث؟”
“نعم. إنه الأفضل على الإطلاق…”
سألني ثيو وهو يمسح بقايا الكريمة العالقة بفمي، فأجبته بنظرات تائهة يغمرها السرور.
كان سعر كعكة الفراولة المباعة في أرقى مقاهي العاصمة مخيفاً بعض الشيء، لكنَّ مذاقها كان أسطورياً.
‘أيمكنني تناول كلِّ هذا حقاً؟’
برج حلويات مكون من أربعة طوابق يضم أشكالاً شهية من الكعك، المعكرون، والبسكويت وكأن كل قطعة تقول: “كليني أرجوكِ!”.
“توقفي وتناولي هذه أيضاً يا ليليث.”
“أووم.”
“أيتها الصغيرة، جربي هذه أيضاً.”
“نوم-نوم.”
وكأن إطعامي وترقبي وأنا أبتلع الطعام كان مسلياً بالنسبة لهما، لم يتوقف الأخوان عن تقديم الأطباق لي بفارغ الصبر.
حتى انتفخت وجنتاي تماماً.
“هاها، لطيفة للغاية. أمي، ليليث تبدو كالسنجاب الصغير تماماً.”
“إنها تأكل بشهية طيبة وهذا يسرني. لكن لا تسرعي في الأكل كثيراً لئلا تصابي بعسر هضم.”
“حاضرة!”
تناول المعكرون الذي كان باهظ الثمن لدرجة أن تناوله مرتين في الشهر كان يعتبر ترفاً كبيراً، وبكميات مفتوحة هكذا…
‘هذه هي الجنة حقاً.’
أنا سعيدة للغاية لأنني أتيت إلى العاصمة.
“أليست هذه عربة كونتيسة فاليرين؟”
في تلك اللحظة، نهضت عمتي وهي تراقب العربة المتوقفة خارج المتجر.
وما إن نزلت سيدة نبيلة ممتلئة الجسم من العربة حتى لوحت لعمتي بحماس وسعادة عبر النافذة.
“وهناك إيريكا أيضاً.”
“ماذا؟ يا إلهي!”
ماذا جرى؟ نهض ليون واقفاً بفزع وارتباك شديدين وبدأ يتلفت حوله قبل أن يختبئ بسرعة خلف الكرسي الذي أجلسُ عليه.
“ماذا تفعل يا أخي؟ هل تختبئ؟ لأنك لا تبدو مخفياً تماماً على أي حال.”
“آه، هذا مزعج للغاية…”
استسلم ليون وجلس مجدداً على مقعده وهو يجذبني لأجلس بحضنه بحماية.
“ما الأمر؟”
“ليون لا يملك علاقة جيدة مع إيريكا. فقد حاول إخافتها قبل أيام عبر جلب عنكبوت ضخم لإرهابها، لكنها أصيبت بجروح بطفيفة فتعرض لتوبيخٍ قاسٍ من أمي.”
“أهها!”
أومأت برأسي متذكرة شرح ثيو.
إذن فهو المتسبب في حادثة العنكبوت الشهيرة تلك.
أومأت برأسي وتابعت إيريكا وهي تدخل إلى المتجر.
“واو! تلك الأخت تبدو كأميرة حقيقية…”
كانت إيريكا فتاة جميلة بشعر عسلي مموج يصل حتى خصرها وعينين خضراوين تشبهان لون أوراق الشجر النضرة.
وطويلة القامة برشاقة مميزة. وبدت تماماً كعارضة أزياء أطفال رائعة تظهر على غلاف المجلات.
“ليووون!”
هرعت إيريكا ووجنتاها محمرتان بخفة، لكنها توقفت فجأة في منتصف الطريق.
وبينما كانت تبتسم بسعادة، انقلبت تعابير وجهها فجأة وثبتت نظراتها الحادة نحوي.
وبتحديد أكثر… نحو ذراعي ليون اللتين تحيطان بكتفي.
“ما هذا يا ليون؟ ومن تكون هذه الفتاة؟”
؟
فتاة؟ صحيح أن جنسي أنثى، لكني مجرد طفلة في السابعة من عمري تدعى ليليث.
وفجأة، تحولت الأجواء إلى دراما حب وغيرة محتدمة.
‘هذا مخيف حقاً…’
أمام نظرات إيريكا الحارقة التي كانت تكاد تحرقني بنظراتها فحسب، سحبت الشوكة من فمي ووضعتها بهدوء، ثم دورت عيني بتوتر.
“أيتها الفتاة، من تكونين بحق الخالق؟”
“وما شأنك أنتِ لتعلمي؟”
…لا، لمَ يختار إجابات توحي بسوء التفاهم دائماً؟ رمقت ليون بنظرات مستنكرةٍ ومليئة بالدهشة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.