الفصل 14
أخذت أفكر بسرعة وأنا أحاول اختلاق عذر مناسب، ثم توقفت فجأة.
‘لا، انتظر.. ربما كان هذا الوضع.. مناسباً تماماً؟’
ألا يوجد طفل ذكي يفوق أقرانه ولديه موهبة في الحساب السريع؟
وعلاوة على ذلك، أنا ابنة إينوك روبنشتاين الذي تتساوى فيه مهاراته الجسدية والعقلية.
‘ألست ابنة البطل؟ ألا يحق لي أن أكون ذكية قليلاً؟’
أمامي جبل من المهام ولا يمكنني إضاعة الوقت في حفظ جدول الضرب إلى الأبد.
لذا، من الأفضل تعديل خطتي والانتهاء من المستوى الأساسي بسرعة.
وبعد أن استقرت فكرتي، هتفت بحماس:
“معلمتي! هل أجبت عن كل شيء بشكل صحيح؟”
“نـ، نعم… بـ، بل كيف فعلتِ هذا بحق الخالق؟”
“هيهيي! بفضل شرحكِ المميز كان الأمر سهلاً للغاية!”
“لكني لم أشرح سوى…”
“ظهرت تفاحتان ثلاث مرات وأصبحن ستة! شكراً لتعليمك لي، معلمتي.”
انحنيت باحترام وأنا جالسة في مكاني.
“لـ، لكنني لم أخبرك أن تسعة عشر تفاحة إذا تكررت تسع مرات ستصبح مئة وواحدة وسبعين…”
“مـ، معلمتي!”
دعينا نتجاوز الأمر، أرجوكِ.
بدأت أحرك ساقي القصيرتين تحت الطاولة بحماس متظاهرة برغبتي في التعلم أكثر.
“لقد قلتِ إن القسمة تأتي بعد الضرب! إنه أمر ممتع للغاية! علميني إياها بسرعة!”
“……”
رمشت الكونتيسة لينا بعينيها بذهول، ثم راحت تمسح شفتيها الجافتين بتعابير ممتزجٍ بين الحماسة والإثارة.
وبدأت تنشر أوراق الأسئلة التي كانت تحملها وترتّبها أمامها قائلة:
“بـ، برأيي، يبدو أنّ الأميرة… عبقرية نادرة لا تظهر سوى مرة واحدة كل قرن بلا شك.”
تباً، أمور كهذه…
“هاه؟ ليليث كذلك؟”
“ماذا تعني عبقرية نادرة؟”
تبادل ثيو وليون تعليقات مذهولة.
“أيتها الأميرة، سأبذل قصارة جهدي في تعليمك من الآن فصاعداً.”
عزمت الكونتيسة لينا على إثبات جدارتها.
ووسط هذا كله، وجدت نفسي محاصرة بشعور غامر من الخزي والعار لمجرد حل بضعة مسائل ضرب والحصول على لقب ‘عبقرية’.
دون أن أدرك أبداً أن هذا التصرف سيقودني إلى كارثة هائلة فيما بعد…
***
في وقت متأخر من العصر.
كان إينوك يمرر قلمه بسرعة على الوثائق في مكتبه دون توقف.
“هف.”
لقد صدقت توقعات ابنته تماماً بأن أعباءه ستزداد.
كان تسلّم مهام الدوقية الكاملة التي كان يديرها نورديك مسبقاً مرهقاً لدرجة تجعله يتمنى لو كان يملك عشر أيدٍ.
‘حتى أنني لا أملك وقتاً للعب مع أميرتي…’
كان التكيف مجدداً مع منصب وريث الدوق الذي هجره لسبع سنوات أمراً ممتعاً ومزعجاً في آن واحد، لكنه كان يبذل قصارى جهده.
فلكي يعيش كالدوق إينوك لا كالسيد جيمس براون، كانت العودة إلى مهامه أمراً لا مفر منه.
“واو، كفى الآن!”
رغم أن نصف المستندات المكدسة كالجبال كانت بانتظاره، إلا أن إينوك نهض فجأة.
فلم يكن ينوي أن يصبح أباً سيئاً لا يلعب مع ابنته بحجة الانشغال.
“سأذهب للعب مع أميرتي.”
ألقى إينوك قلمه جانباً وخرج من مكتبه بخطوات سريعة.
بكل قوة.
وما إن فتح الباب حتى فوجئ بوجود الخادم واقفاً وكأنه كان يستعد للدخول.
“أهلاً، ريم.”
“إلى أين أنت ذاهب؟”
“إلى ابنتي.”
“لقد خرجت الأميرة في نزهة يا سيدي.”
“ماذا؟ مع من؟”
“أخذتها السيدة أورديا معها. يقال إنهما ذهبتا لتفصيل ملابس جديدة في متجر الأزياء وتناول الحلويات. وقد رافقهما التوأمان أيضاً.”
“يا الهي، أختي قاسية حقاً. أتتركني وحدي؟”
“هوهو، أهذه هي الاوقات التي تفكر فيها بالتنزه الخفيف في العاصمة يا سيدي الشاب؟”
رد إينوك بتذمر وهو يعود لكرسيه أمام كلمات ريم المبطنة بابتسامة:
“…إذن سأنهي ما تبقي من العمل. لماذا أتيتَ إذن؟”
“توقعت أنك ستشعر بالفضول فجئت لأقدم لك تقريراً. ألم تبدأ دروس الأميرة الأولى اليوم؟”
“صحيح، لقد طلبت من أبي تخصيص معلم للإتيكيت لها. كيف كانت ابنتي؟ لابد أنها عانت في دراسة مملة كهذه.”
“أه، كلا. لقد غادر المعلمون وهم يفيضون بالثناء والإعجاب الشديد بها. والسيد الأكبر مسرور للغاية بالتقارير التي تلقاها.”
رفع ريم إبهاميه باعتزاز.
“وكما هو متوقع، السيد الشابّ لم تقصر أبداً في تعليم الأميرة.”
“ماذا تقصد بذلك؟ لم أفعل شيئاً. وماذا فعلت ابنتي؟ انتظر… لحظة. معلمون؟ هل قلت للتو معلِمين بصيغة الجمع؟”
“نعم. الاجتماعيات، الرياضيات، الاقتصاد، الأدب، التاريخ، الإتيكيت. ورغم أنه درسها الأول…”
تلاشى صوت ريم تدريجياً.
بسبب رد فعل إينوك الذي بدا ذقنه يرتجف من الغضب.
“لـ، لمَ تتفاعل هكذا؟ هل هناك مشكلة ما؟”
“ابتعد.”
“سيدي الصغير؟ عذراً؟”
دفع إينوك ريم جانباً واندفع بخطوات ثقيلة ومزلزلة.
وكان المكان الذي توجه إليه بملامح مشتعلة بالغضب هو مكتب والده، نورديك روبنشتاين.
“أبي!”
فتح إينوك الباب بقوة ودون أي استئذان، فعبس نورديك الذي كان يتحدث مع امرأة ترتدي نظارات بتجهم واضح.
“ما الأمر؟”
“أتمزح معي؟ وثقت بك وتركت ابنتي لك، أفتجلسها طوال اليوم أمام طاولة الدراسة؟”
طاااغ-!
“يا إلهي!”
اقترب إينوك كالبرق وضرب الطاولة بقبضته، فانتفضت المرأة الواقفة بجانبه بفزع شديد.
“طلبت منك تخصيص معلم للإتيكيت فقط، أليس كذلك؟”
“اخفض صوتك.”
“أتحبس طفلة في السابعة طوال اليوم في غرفة الدراسة باستثناء أوقات الطعام؟”
طلب فقط أن تتعلم آداب النبلاء الأساسية.
ولكن أن تصل الأمور إلى الاجتماعيات، والاقتصاد… وماذا أيضاً؟ بعد تقرير ريم الصادم، فقد إينوك صوابه تماماً.
ردّ نورديك ببرود وثبات:
“إنها طفلة تحمل اسم روبنشتاين. فهل يعقل أن تعاني من نقص في التعليم؟”
“ابنتي في السابعة من عمرها! لا تزال بسن تلعب فيه. وقد قلت إننا سنكتفي بتعليمها الأساسيات قبل دخولها معهد التدريب! وعندما تعود، سأهتم أنا بكل شيء…!”
“كفى. لقد طلبت من المعلمين اليوم الاكتفاء بتقديم مقدمة فحسب. ومن طلبت تلقي الدروس وحضرها برغبتها هي ليليث.”
“اللعنة، أبي.”
تنفس إينوك بعمق لامتصاص غضبه ومرر أصابعه عبر شعره بضيق.
“ليليث طفلة ناضجة تفوق سنها. إنها تحاول مجاراة توقعات الجد بالفعل. ولأنها تحترم المعلمين، فقد تحاملت على نفسها وتلقت الدروس مجبرة.”
“أحقاً؟ التقارير التي تلقيتها تشير إلى عكس ذلك تماماً. فقد أكد الجميع أنها تتلقى تعليماً يفوق سنها بكثير وكأنها معتادة عليه.”
“أنا لم أعلمها شيئاً مميزاً. إنها ذكية بطبيعتها فحسب.”
وأضاف إينوك وهو يكز على أسنانه بغضب:
“على أي حال، أعيدوا الجميع باستثناء معلمة الإتيكيت. ولا تقترب يا أبي من تعليم ابنتي بعد الآن. سأتولى الباقي بنفسي بعد أن تعود من المعهد.”
استدار إينوك بغضب مغادراً الغرفة، لكنه لاحظ وجود المرأة الواقفة بجانبه فحدق بها بحدة:
“من تكونين؟”
“أ-أنا معلمة الرياضيات…”
أغمض إينوك عينيه وأخذ نفساً عميقاً ليهدئ أعصابه.
“سيدي الدوق؟ ألا ترغب في الاستماع إلى ما أقوله أولاً؟”
“توقف عن الغضب واستمع إلى المعلمة أولاً. إنها السيدة لينا معلمة الرياضيات.”
“ليس لدي وقت لسماع أي شيء.”
ألقى إينوك نظرة استخفاف نحو السيدة لينا وأضاف:
“لا داعي لحضوركِ غداً.”
“لـ، لا يمكنك فعل ذلك يا صاحب السمو.”
“ماذا؟”
“الأميرة الصغيرة تمتلك موهبة فطرية مذهلة في الرياضيات. ولديها شغف حقيقي بالتعلم. يجب أن تستمر في التعلم الآن.”
“سأتدبر أمري بنفسي. لا أقصد منعها من التعلم، بل تدريسها بما يناسب عمرها…”
شراااش.
أمام إينوك الممتعض، مدت السيدة لينا ورقة ملفوفة ونشرتها أمامه بكامل طولها.
كانت خطوط الكتابة الملتوية تعود لليليث.
نظر إينوك إلى الورقة مطولاً، ثم كز على أسنانه بقوة.
“…هل جعلتِ طفلة في السابعة تحل مسائل ضرب؟ بل ووصلت حتى تسعة عشر ضرب تسعة…”
“هذا ليس كل شيء!”
“لم أكن قد علمتُها سوى الجمع والطرح بعد…”
“نعم، نعم! عندما سألت الأميرة عن مستواها الدراسي، أخبرتني أن الدوق علمها حتى الطرح. ولأنها طلبت مني تعليمها الضرب، شرحت لها مبدأ أن اثنين ضرب ثلاثة يساوي ستة. ولكن…”
أخرجت السيدة لينا مجموعة أوراق أخرى من بين أحضانها ووضعتها على الطاولة.
كانت هناك آثار واضحة لعمليات قسمة، وأربع عمليات حسابية رئيسية، وحتى كسور وعشور تُحسب بدقة.
فتح إينوك فمه بذهول بعد رؤية ذلك.
“هل تمزحين معي الآن؟ ماذا طلبتِ من طفلة في السابعة فعله بحق الخالق؟”
“أـ، أرجوك اهدأ. اقترحت الاكتفاء بالقسمة خشية أن تتعب، لكن الأميرة أخبرتني أنها مستمتعةٌ للغاية وطلبت المزيد.”
أشارت السيدة لينا بهدوء وثبات إلى أوراق التمارين.
“وعلاوة على ذلك، انظر بنفسك. لم تخطئ في أي مسألة قط. لقد أدركت ذلك منذ أن حسبت تسعة عشر ضرب تسعة عقلياً وبشكل فوري.”
وأضافت السيدة لينا بصوت جاد:
“الأميرة عبقرية. عبقرية رياضية لا تظهر إلا مرة كل قرن.”
“……”
“تعلم شيئاً فتستوعب عشراً. ما إن شرحت لها القسمة حتى استوعبت مفهوم الكسور فوراً، وعندما تساءلت عن الأعداد الواقعة بين الصفر والواحد قامت بكتابة الكسور العشرية بمفردها.”
“هذا…”
“أنا لم أفعل شيئاً حقاً. وتساءلت عما إذا كان هذا هو المستوى الطبيعي لطفلة في السابعة، فسألت بقية المعلمين.”
“انظر بنفسك.”
أخذ نورديك كلمات السيدة لينا وأخرج نتائج دروس اليوم التي احتفظ بها في درج مكتبه.
“كان المعلمون الآخرون ينوون مجرد التعرف على ليليث. لكن من طلبت منهم الاستمرار في الشرح وإعطاء الدروس كانت ليليث بنفسها. ولوحظ بوضوح أنها لم تكن تفعل ذلك مجبرة أو كارهةً للأمر.”
تفحص إينوك بهدوء خط يد ابنته المتعرج.
الاجتماعيات، الاقتصاد، الأدب، التاريخ…
رغم أن هذه كانت المرة الأولى التي تتعلم فيها هذه المواد، إلا أنها كانت مرتبة ومنظمة ببراعة تثير الإعجاب.
“سيدي الدوق.”
قالت السيدة لينا وهي تعدل نظارتها:
“الأميرة عبقرية بلا شك. وحين قلتَ إنها تتصرف بسبب التوتر، كنتَ مخطئًا تماماً، لأن سعادتها البالغة وشغفها بالتعلم لا يمكن تزييفهما أو إخفاؤهما أبدأً.”
“……”
“إنها عبقرية حقيقية.”
أغلق إينوك عينيه بصمت لبرهة.
“عبقرية حقيقية حقاً.”
همست السيدة لينا بنبرة تشبه وسوسة الشياطين في الأذن.
“عبقرية مطلقة.”
وسرعان ما أخذت زوايا فم إينوك ترتجف، ملوحة بابتسامة تكاد ترتسم بوضوح.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.