الفصل 144: الفصل
144
الفصل 144
***
في الصباح الباكر، قصر دوق ليبر.
“هآآام.”
دخل أكسيون إلى الحمام وهو يتثاءب بكسل وعيناه نصف مغمضتين.
كان تشيشير الذي سبقه بالدخول يقف أمام المرآة، فالتفت وحياه:
“صباح الخير يا والدي.”
“أوه.”
لم يكن الأب وابنه يجدان أي حرج في مشاركة الحمام معًا.
‘…؟ ماذا تفعل؟’
لفت انتباهه فجأة تشيشير المتردد والمرتبك.
كان يقف ملاصقًا لوجهه أمام المرآة ويحمل في يده شفرة حلاقة صغيرة…
‘آها.’
ابتسم أكسيون.
“أبدأت اللحية بالظهور لديكَ بالفعل؟”
رتب سرواله وغسل يديه، ثم أخذ شفرة الحلاقة الصغيرة من يد تشيشير.
“كان يجب أن تخبرني يا بني. تعال إلى هنا، سأعلمك.”
شعر أكسيون بشعور غريب وهو يقف مواجهًا لتشيشير.
نظراتٌ حادة وعيون عميقة.
تشيشير الذي نما في غضون فترة قصيرة ليصل إلى مستوى بصره، أصبحت خطوط وجهه حادة وبارزة بشكل لا يُصدق.
“أنت وسيم حقًّا يا بني.”
الشيء الوحيد الذي كان يمكن اعتباره عيبًا في ملامحه الخالية من أي عيوب هو غياب التعبير.
‘لكن تلك ميزةٌ بحد ذاتها.’
أصبح هذا الوجه بلا مشاعر يعطي إحساسًا بالجاذبية الباردة.
―فكر أكسيون ثم توقف فجأة.
بدا قبل قليل وكأنه أب مبالغٌ في فخره بابنه.
ألم يتبادل للتو قبل يومين مشادة كلامية مطولة مع والد الفتاة في الجوار وهو يقول: “ابنتي هي الأجمل!”، “لا، بل ابني هو الأكثر وسامة!”؟
أصيب بالذعر وكأن عدوى البلاهة قد انتقلت إليه من إينوك، فلماذا يعيد الكرة؟
“احم, احم.”
تخلص أكسيون من حرج إحساسه وسعل ببرود وهو يضبط ذقن تشيشير متسائلاً:
“لكن، ألا تواعد أيّ فتاة؟”
“…….”
صفة ابنه المعتادة.
لا يردُّ على الهراء.
ضحك أكسيون بسخرية على هذا التفاعل الثابت.
“لا، تكلّم قليلاً. أليس الوقت قد أتي لتجد حبيبة يا فتى؟ في جيلي، كان بعض رفاقي آباء بالفعل حين نالوا تنصيب الفرسان.”
بالتأكيد، لم يكن أكسيون وحده من انبهر بوجه تشيشير الوسيم.
المنزل، ساحة التدريب، ساحة المعركة.
كان نطاق تحركات تشيشير يقتصر على ثلاثة أماكن فقط دون أي نشاط اجتماعي، لكن الشائعات انتشرت بشكل غريب.
كان يتلقى العشرات من رسائل الفتيات الخجولة إلى المنزل كل يوم.
طبعًا، لم يقرأ أيًّا منها قط.
“قال الخادم إنه بفضلك لن يضطر للقلق بشأن حطب التدفئة في الشتاء.”
في الشتاء تذهب إلى المدفأة، وفي الأوقات الأخرى إلى سلة المهملات.
“مم، ألم أكن فاقدًا للحس قليلًا؟”
أضاف أكسيون وهو يحاول كبح ضحكته.
“على أي حال. لقد هربتَ فزعاً من إينوك ولجأت إليَّ بسرعة لتجنَّب أن تصبحا شقيقين.”
“……؟”
“يبدو أنني سأضطر للانتظار طويلاً، سيكون من المزعج أن أطلب منكَ البحث عن حبيبة أخرى الآن.”
شعر تشيشير بوخزة لفهمه معنى كلام أكسيون.
“…ليس الأمر هكذا.”
“حسنًا، لا تتحرك. ستجرح نفسك.”
بمجرد أن انتهى أكسيون من ترتيبه―
“يا قائد فرقة المبارزين السحريين خاصّتنا.”
―أمسك بكتف تشيشير وابتسم باتساع قائلاً:
“أهنئك من أعماق قلبي اليوم بحصولكَ على لقب فارس رسمي.”
ابتسم تشيشير بخفة مجاريًا إياه.
“شكرا لكَ يا والدي.”
***
معرض العاصمة الوطني، صالة الزوار.
المكان الذي يُعقد فيه “صالون السيدات الشابات”، وهو تجمع اجتماعي يجمع مستخدمي القدرات من الرتبة الرابعة أوكتافا حتى السادسة دييز.
جلست الفتيات المرتديات أزياءًا أنيقة في مجموعات ثلاثية ورباعية حول الطاولات المستديرة الفاخرة.
“أهلاً بكِ؟”
“نعم، أهلاً بكِ!”
جلست بجانبي فتاة ذات شعر بني قصير ووجه لطيف، حاملة في يدها لوحة رسمٍ وقلمًا.
وكتب على بطاقة الاسم المعلقة على معصمها ‘لارا’.
وهذا اسم مستعار.
لأن الجميع يستعمل أسماء مستعارة في صالون مجهول الهوية.
“الآنسة… جيمس؟ إنه اسم ذكوري، أليس كذلك؟”
أمالت لارا رأسها وهي تقرأ بطاقة اسمي.
“نعم، لأنه اسم مستعار. لقد اخترته باسم الشخص الذي أحبه أكثر من أي أحد.”
“أه، هكذا إذن. أهو والدكِ؟”
وهو، ذكية جداً.
اكتفيت بالابتسام.
“أنا في الرابعة عشرة، اسمي لارا. وذكرتِ أنك في الحادية عشرة، أليس كذلك؟ كنت أنظر إليك منذ قليل. منذ قليل.”
“عفوًا؟ أنا؟”
“نعم، لأني أردت التقرب منك. السبب… هو أنك جميلة للغاية. أتعلمين، هل سبق وأن قيل لك إنك تبدين وكأنك دمية؟ في البداية حين رأيت الآنسة جيمس قلت واو! أهي بشر أم دمية؟ وكنت حائرة، لكن عندما تحدثتِ أدركتُ للتو: إنها بشر!”
“……؟”
شعرت بالذهول من كلام لارا المتدفق بسرعة.
‘…ما هذا؟ أهذه مبالغة مربكة إلى هذا الحد؟’
“أنتِ أجمل شخص رأيته في حياتي منذ وُلدت. أنا مندهشة، حقًّا حقًّا، وبشدة.”
راحت لارا تطلق عبارات الإعجاب كأنها صادقة، وتفحص وجهي بدقة.
بالتأكيد لا يمكن مقارنتها بملك المبالغات في بيتنا السيد جيمس براون…
‘يا للغرابة.’
لم أكن أملك مناعة جيدة ضد المديح الذي أسمعه من شخص آخر غير أبي.
“أمم، لا، ليس هكذا. الآنسة لارا تبدو أجمل بكثير.”
“لماذا لم ألاحظ شخصًا بهذه الجمال من قبل؟ أنا أعرف تقريبًا وجوه جميع أصدقائي الذين يعيشون في العاصمة.”
تجاهلت لارا مديحي ببساطة وسألت:
“مم، إن لم كنتُ محقة… فالآنسة جيمس إذن… من رتبة دييز، أليس كذلك؟”
أوه، خطير.
رفعت إصبعي ووضعته على شفتي.
“لا يمكننا ذكر الرتب هنا.”
“آه، حقًّا.”
ابتسمت لارا باحراج ثم راحت تحرك قدميها بملل.
“ألا ترين الأمر مُملاً قليلاً؟ بصراحة جئت متحمسة بشدة ظناً مني أن أصدقائي سيحضرون.”
“لماذا؟ ألا يوجد الكثير من الناس؟”
تجاوز عدد الفتيات المدعوات الخمسين فتاة، لكن الحاضرات في الصالون اليوم لم يبلغن سوى أربعة وعشرين فتاة فقط.
وحتى بين هؤلاء، النصف أو أكثر ينتمين لرتبة دييز.
‘حتى لو كنّ من طبقات دنيا… فهن لا يردن الجلوس مع طبقات أدنى منهن.’
لا مفر من ذلك.
فالتغيير يحتاج إلى وقت.
“حسنًا، لكن اليوم هو اليوم الأول فقط. عندما يصبح الصالون أكثر شهرة، سيحضر المزيد من الناس بالتأكيد.”
“أليس كذلك؟ أترى ستُظهر ابنة دوق روبنشتاين وجهها ولو مرة واحدة؟”
تجمدت عضلاتي بذهول لكلام لارا.
“أتعرفينها؟ ابنة دوق روبنشتاين من رتبة أوكتافا أيضًا. في الواقع، جئت إلى هنا اليوم لعلي أتمكن من رؤية وجهها.”
“أه، هكذا إذن…”
البحث عني رغم أنّ الغرض من الاجتماع هو السرية التامة!
‘هل من الجيد أنني أخفيت قدراتي؟’
فالشعر الفضي والعيون الزرقاء كانا لافتين للغاية وتسببا في الكثير من الشائعات.
لهذا السبب جئت اليوم متخفية بشعر بني وعيون بنية تمامًا مثل السيد جيمس براون.
شعر مموج وناعم يصل حتى الخصر مع طوق مرتب للشعر.
إنه الأسلوب الذي تتبعه تسع فتيات من كل عشر فتيات في عمري، لذا لم يكن ليلفت الانتباه.
“الآنسة جيمس، هل ترسمين؟”
“آه، نعم.”
سألتني لارا وهي تراني أحرك قلمي بلا مبالاة.
لم يكن الصالون شيئًا مميزًا.
إما أن ترسم الفتيات الصغيرات ما يحلو لهن، أو يقرأن الكتب.
وبهذا يقضين وقتاً في التحدث والتقارب.
“أريني رسمتكِ أنتِ أيضاً يا لارا!”
“هل أفعل؟”
كادت تخرج ضحكتي عندما نظرت إلى ورقة الرسم التي مدتها لارا.
ألانها لا تجيدُ الرسم؟ كلا.
‘أعرف تمامًا لمن تعود هذه الملامح.’
كانت مهارة لارا في الرسم ممتازة.
عيون حمراء متألقة، أنف مستقيم، شفاه مشدودة.
وجه شاب مرسوم بمهارة فائقة.
“إنه السيد الشاب ليبر، أليس كذلك؟”
مئة بالمئة، إنه تشيشير.
“أهوه؟ كيف عرفتِ؟”
“لأن رسمكِ رائع. وفوق هذا، السيد الشاب ليبر يحظى بشعبية طاغية.”
نعم، فشعبيته كانت تعانق السماء.
أعلى رتبة، دوس.
الوريث الوحيد لعائلة دوق ليبر.
صبي خاض إنجازات لا مثيل لها في الحروب.
شارك تشيشير في قمع الوحوش باستمرار وحقق عشرات الإنجازات الحربية.
ولهذا السبب حصل على تنصيب رسمي كفارس في سن الخامسة عشرة على غير العادة…
‘بل أصبح قائد فرقة المبارزين السحريين!’
حتى ليون أخي الذي ينال التنصيب معه قد تجاوزه، وسيعلق شارة القيادة.
منذ حادثة الوحوش المقدسة قبل 4 سنوات حيث أبيدت الفرقة تمامًا، كان منصب القائد شاغراً طوال تلك المدة وسيتم شغله اليوم.
‘قدرات البطل عظيمة، عظيمة حقًّا. من يتولى قيادة فيلق في الخامسة عشرة من عمره؟’
حتى أبي نال منصب قائد وهو في السادسة عشرة.
“هل سبق ورأيتِ وجه السيّد الشاب ليبر يا آنسة جيمس؟”
“آه، نعم. حدث ذلك صدفة.”
“أليس وسيمًا بحق؟ لم أرى شخصًا بمثل وسامته من قبل قط…”
طبعًا، ثمانون بالمئة من شعبية تشيشير تعود لوسامته.
كان تشيشير يزداد وسامة يومًا بعد يوم.
وسيم حقًّا حقًّا.
رغم أنني أراه مرارًا، إلا أنه يبدو لي جديدًا كل يوم.
‘ليت طوله يتوقف عن النمو قليلاً…’
كان ينمو بطول مفرط. وهذا ما كان يزعجني هذه الأيام.
طولي الحالي يبلغ 145 سم.
لقد نموت أنا أيضًا بشكل متوافق مع عمري مستخدمة قدراتي بجد.
لكنه ظل بعيد المنال، لدرجة أننا لو وقفنا جنبًا إلى جنب لبدا فرق الحجم وكأنه بين أب وابنته.
قبل أيام عندما كنا نتمشى شعرت بألم في قدمي فطلبت منه حملي، وحين نظرت إلى المرآة في المنزل ورأيت ذلك المنظر…
『”مـ-ما هذا؟ أنبدو هكذا أمام الناس؟”』
‘…ولماذا؟’
كان منظري وأنا محمولة على ذراعيه يبدو حقًّا كابنة محمولة على حضن أبيها، مما جعلني أشعر بشعور غريب.
‘يا إلهي.’
رغم أن الأمر قد يكون قاسيًا بحقّه، لكنني صليت في سرّي اليوم أيضًا:
‘أرجوك يا إلهي، اجعل طول تشيشير يتوقف عن النمو قليلاً.’
***
“هل قمتَ بقياس طولك اليوم؟ هل فعلت؟”
“…نعم، 182.”
“آه، تبًّا!”
شد ليون قبضته بغضب.
ازداد طول تشيشير سنتيمترًا إضافياً مقارنة بشهر مضى.
وبهذا المعدل سيخترق السماء.
“أيها الفارس ليون أنتراس، لقد حان دورك، تفضل بالدخول إلى القاعة الكبرى.”
قال الفارس الإمبراطري الذي كان يوجه نظرات خالية من التعبير نحو ليون المزعج.
كانا آخر شخصين ينتظران الحصول على التنصيب.
“فوف، سأسبقك.”
“حسنًا.”
انفتحت أبواب القاعة الكبرى الثقيلة.
حاول تشيشير عمداً ألا يوجه نظره للداخل وهو يلتقط أنفاسه.
أُغلق الباب مجددًا، وأغمض عينيه بقوة وهو يقف وحيداً.
‘أنا متوتر.’
أمن أجل نيله صفة فارس رسمي؟
أَمِنْ أجل الحصول على التنصيب؟
كلا.
“أيها الفارس تشيشير ليبر، تفضل بالدخول إلى القاعة الكبرى.”
بعد دقائق من الانتظار، وقف تشيشير أمام الباب المفتوح.
القاعة الكبرى الفخمة المتلألئة بالذهب والجواهر.
وفي نهاية السجادة الحمراء، كان هو يقف.
الإمبراطور، نيكولاس فون بافيليون.
‘أخيراً.’
بدأ تشيشير يمشي ببطء.
وسط أجواء مهيبة.
‘لقد التقينا.’
الوقت الذي بدا وكأنه لن ينتهي أبدًا أتى به ليقف أخيراً أمام الإمبراطور.
كان الإمبراطور جميلاً.
ورغم تجاوزه الخمسين، بدا شابًّا ونبيلاً.
يخفي وجهه الخالي من التجاعيد خلف قشرة شريرة مظلمة.
“……؟”
ارتفع حاجب الإمبراطور الذي كان يستعد لنشر مرسوم التنصيب.
لأن الفارس لم ينحنِ فورًا بل كان يحدق به بتأمل ونظراتٍ ثابتة.
اللقاء الأول.
شعر تشيشير بنبضات قلبه تتسارع بعنف.
دماء تغلي في هذه اللحظة.
جسده كله يرتجف.
منذ أن أمسك بالسيف، كان له هدف واحد فقط.
الإمبراطور، قتل هذا الوجود الهائل الواقف أمامه.
قطع تلك الأيدي القذرة التي تحاول كسر أجنحة الملاك بلا رحمة.
وتحطيم الساقين اللتين تلاحقان أطراف ثيابها من الخلف.
وفي النهاية، قطع أنفاسه.
“رعيّتُكَ، تشيشير ليبر…”
ركع تشيشير أمام الإمبراطور محاولاً إخفاء مشاعره المتأججة بعمقٍ في صدره.
من أجل ملاكي،
الشيطان الذي يجب أن يُقتل ويزول.
“…جئتُ لأصبح سيف بريميرا العظيم.”
سيف ملاك، لا سيف شيطان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.