مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 143: الفصلنحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 143: الفصل

143

الفصل 143

 

***

 

في يومِ تنصيبِ الجنودِ الصغار كفرسانٍ رسميين.

 

تأملتْ عيناهُ وهو يرتدي درعًا فضيًّا لامعًا وعباءةً زرقاءَ ما وراءَ المرآةِ.

 

نظراتٌ أعمقُ وأكثرُ حدةً.

 

“هاه.”

 

إلا أنَّ حدةَ نظرتهِ التي بدت مخيفةً للوهلةِ الأولى سرعانَ ما تلاشتْ واسترختْ حينَ فكرَ في شخصٍ ما.

 

“أميرتي الصغيرةُ كانت متوقعةً للكثيرِ اليومَ. يا لهُ من أمرٍ مؤسفٍ.”

 

منذُ بضعةِ أيامٍ، كانتِ ابنته متحمسةً للغايةِ لرغبتِها في الذهابِ بنفسِها إلى الحفلةِ التي ستعقبُ مراسمَ التنصيبِ لتقديم التهاني شخصيًّا.

 

وكانَ ذلكَ طبيعيًّا.

 

فقد كانَ هذا الحدثُ حدثًا لا يتكررُ إلا مرةً واحدةً في العمرِ بالنسبةِ للتوأمِ الأقربِ لليليثِ، وكذلكَ تشيشير.

 

لم يكنْ تشيشير في السادسة عشرةَ من عمرِهِ بعدُ لكي يحصلَ على التنصيبِ الرسميِّ، ولكنْ نظرًا لنقصِ القوى في فرقةِ المبارزين السحريّين، فقد تمَّ ضمُّهُ استثناءً إلى قواتِ النخبةِ قبلَ موعدهِ بسنةٍ كاملةٍ.

 

“لكنْ يا رفاق.”

 

التفتَ إينوكُ مبتسمًا.

 

“ألديكُما ما تقولانِهِ لي، أنتما الاثنانِ؟”

 

ارتجفَتِ الخادمتانِ جيتي وجون اللتانِ كانتا تطيلانِ النظرَ إلى إينوكَ بتخفٍ.

 

“سيدِي، الدَّ… آه!”

 

وخزتْ جيتي خصرَ جون التي كانت على وشكِ قولِ شيءٍ ما بحدةٍ.

 

“ليسَ شيئًا، يا سيدي. أنتَ تبدو وسيمًا للغايةِ اليومَ. اذهبْ وعدْ بسلامٍ!”

 

“نعم، هذا صحيحٌ. تُرى، في أيِّ وقتٍ سينتهي صالونُ أميرتنا اليومَ؟”

 

“أه، أممم. لا أعلمُ حقًّا. بما أنه اليومُ الأولُ لعقدِ الصالونِ، فلن يعلمَ أحدٌ ذلكَ، أليسَ كذلكَ؟”

 

“أليسَ كذلكَ؟”

 

صالونُ السيداتِ الشاباتِ.

 

وهو اجتماعٌ اجتماعيٌّ يُعقدُ للمرةِ الأولى اليومَ، يخصُّ الآنساتِ الصغيراتِ من الرتبة الرابعةِ أوكتافا حتى الرتبة السادسةِ دييز.

 

كانَ المبدأُ الأساسيُّ لهذا الاجتماعِ هو “إخفاءَ الهويةِ” دونَ ذكرِ العائلاتِ، والهوياتِ، أو الطبقاتِ.

 

وقد ابتكرهُ وأنشأهُ مستشارُ إينوكَ، جوزيفُ، بهدفِ طمسِ الفوارقِ الطبقيةِ تدريجيًّا بدءًا من الطبقاتِ الدُّنيا.

 

“أميرتي…”

 

تنهدَ إينوكُ وابتسمَ وهو يفكرُ في ليليثَ.

 

ابنتي الفخورةُ.

 

وبما أنَّ ليليثَ كانت تدركُ جيدًا أنَّ الهدفَ من الصالونِ هو جزءٌ من الثورةِ، فقد تخلتْ حتى عن حفلِ التنصيبِ المنتظرِ لتتوجهَ لحضورِ التجمّع.

 

“آه، لقد تأخرتُ. سأذهبُ. طابَ يومُكما اليومَ أيضًا.”

 

غادرَ إينوكُ الغرفةَ مسرعاً بخطواتٍ خفيفةٍ.

 

وبقيتِ الخادمتانِ وحدهما.

 

حدقتْ جون في جيتي بملامحَ غاضبةٍ.

 

“ماذا تفعلينَ بحقِّ الخالق؟ كان يجبُ أنْ تخبري السيدَ!”

 

“وإنْ أخبرتُهُ؟ أتريدينَ رؤيةَ قائدِ فرقةِ الفرسانِ المقدسةِ وهو يتركُ مراسمَ التنصيبِ ويهرعُ إلى صالونِ الآنساتِ؟ والأدهى أنهُ ليسَ حتى والدتَها؟ بل والدُها؟”

 

كانتِ الاثنتانِ تنتميانِ إلى نقابةِ المعلوماتِ <النسر الأحمرِ>، واكتستا بالقلقِ بسببِ شائعةٍ وصلتهُما مسبقًا.

 

“إذنْ ماذا سيحلُّ بالآنسةِ! كم ستشعرُ بالخزي والإحراج حينئذٍ!”

 

“أه، هذا ما أعنيهِ تمامًا. إنني أجنُّ.”

 

رغم التغيراتِ الكبيرةِ والصغيرةِ التي شهدتها الإامبراطوريةُ على مدارِ السنواتِ الأربعِ الماضيةِ، إلا أنَّ النظامَ الطبقيَّ الراسخَ منذ مئاتِ السنينِ لم يكنْ ليزولَ بين عشيةٍ وضحاها بطبيعة الحالِ.

 

وهذا يعني أنَّ الآباءَ والأمهاتِ الذين أرسلوا بناتِهم إلى الصالونِ لم يكونوا ليقبلوا بسهولةٍ فكرةَ الاجتماعِ الذي يُعقدُ بـ”هويةٍ مجهولةٍ”.

 

وهذا يقودنا إلى أنَّ جميعَ الأمهاتِ والزوجاتِ النبيلاتِ يخططنَ لمفاجأةِ بناتهنَّ بالذهابِ لاستقبالهنَّ فورَ انتهاءِ الصالونِ.

 

وبعبارةٍ أخرى―

 

‘مهما يكنْ، أليسَ من المفترضِ على الأقلِ أنْ يعرفَ الجميعُ عائلةَ ابنتي!’

 

―هكذا كان تفكيرهنَّ.

 

“آه، مستحيلٌ. التفكيرُ وحدَهُ في الأمرِ مقززٌ للغايةِ.”

 

أمسكتْ جون رأسَها بقوةٍ.

 

ستخرجُ ليليثُ من الصالونِ سعيدةً مع رفيقاتِها من نفسِ السنِّ.

 

لكنْ فورَ خروجِهنَّ ستسمعُ الصديقاتُ يصحن “أمي!” ويركضنَ نحو أحضانِ الأمهاتِ النبيلاتِ اللاتي جئنَ لاستقبالهنَّ.

 

وبما أنَّ ليليثَ تفتقدُ لوالدةٍ، ستقفُ وحدها هناكَ في المنتصفِ ببلادةٍ و…

 

“آآآآه!”

 

بعد أن هزتْ رأسَها لتطردَ هذا التصورَ المروعَ، أمسكتْ جون بياقةِ جيتي.

 

“ماذا نفعلُ؟ هل نذهبُ نحن الاثنتانِ لجلبِ الآنسةِ؟”

 

“أجننتِ؟ ما الذي ستفعلهُ خادمةٌ إذا ذهبتْ إلى هناكَ! سيبدو موقفُ الآنسةِ أكثرَ بؤسًا!”

 

“أه، أختي. أنا حقًّا لا أستطيعُ فهمَ هؤلاءِ الأمهاتِ النبيلاتِ. أشعرُ بالشفقةِ على الآنسةِ. تخيلي فقط حشدَ الأمهاتِ اللواتي سيتجمعنَ هناكَ.”

 

موقفٌ لا يُحسدنَ عليهِ، فلا سبيلَ للمضيِّ قدمًا أو التراجعِ.

 

طبعًا، لو عُلمَ بالأمرِ، لهرعَ إينوكُ فورًا لجلبِ ابنتِهِ.

 

ولكنْ، لو حضرَ دوقُ روبنشتاين بنفسهِ إلى ذلك المكانِ، فسيفقدُ الصالونُ هدفهُ…

 

ومن جهةٍ أخرى، وبما أنَّ جميعَ الأمهاتِ ذاهباتٌ، فإنَّ فكرةَ وقوفِ ليليثَ وحدها ممسكةً بيدِ أبيها في مكانٍ يعجُّ بالأمهاتِ فقطْ تثيرُ شعورًا غريبًا من القلقِ في النفوسِ…

 

“أختيييي! انتظري! لقد لمعتْ في ذهني فكرةٌ رائعةٌ!”

 

“ما هي؟”

 

برقتْ عينا جون بحماسٍ.

 

***

 

“ماذا تفعلانِ هنا أنتُما الاثنتانِ؟”

 

شعرَ ثيو أنتراس بالحيرةِ حين رأى جيتي وجون خادمتي ليليثَ أمامهُ تمامًا عندما كان على وشكِ المغادرةِ.

 

“سيدي الشاب، لقد جئنا لرؤية دوقةِ العائلةِ. لدينا أمرٌ نرجو مساعدتها فيه…”

 

“أمي؟ في ماذا؟”

 

تدخلَ ليون فجأة.

 

“يا أبنائي! تنصيبًا موفّقًا، ونلتقي في قاعةِ الاحتفالاتِ لاحقًا!”

 

في تلك اللحظةِ، توقفتْ دوقةُ أنتراس، أورديا، التي كانت تنزلُ من الطابقِ الثانيِ.

 

“واو، أنتِ مذهلةٌ حقًّا اليومِ.”

 

توقفَ زوجُها، أليكسي، وفتحَ فمهُ دهشةً وإعجابًا.

 

كانت زوجتُه التي زينتْ نفسها بكل فخامةٍ من أجلِ الاحتفالِ مبهرةً لدرجةِ خطفِ الأنفاسِ.

 

“يا سيّدتي، ألديكِ مرافقٌ؟ إن لم يكنْ، فما رأيكِ بتناولِ فنجانِ شايٍ معي اليومِ؟”

 

“ابتعدْ عن الطريق.”

 

دفعتْ أورديا أليكسي الذي اقتربَ ساخرًا، وتقدمتْ نحو جيتي وجون.

 

“ما الذي جاء بكما إلى هنا؟”

 

“تقولانِ إنَّ لديهما طلبًا لأمي.”

 

قال ثيو، فأخذت جيتي وجون تترددانِ بخجلٍ.

 

رغم أنهما أتيتا خوفًا على ليليثَ، إلا أنَّ اليومَ هو يومُ مراسمِ التنصيبِ للتوأمِ التّي تأتي في العمرِ مرةً واحدةً.

 

ومهما كانت ابنةُ الأخ غاليةً، أيمكن أن تُقارنَ بالابنينِ؟

 

“ما الأمر إذنْ؟ تكلمَا.”

 

“في الواقعِ، اليومَ هو اليومُ الأولُ لصالونِ الآنسةِ الصغيرةِ…”

 

“نعم، أعلمُ. وماذا بعد؟”

 

بدلًا من جيتي التي بدت مترددةً رغم فتحِ الحديثِ، بادرتْ جون بالقولِ:

 

“يقالُ إنَّ السيداتِ النبيلاتِ جميعهنَّ ذاهباتٌ اليومَ لاستقبالِ بناتهنَّ من الصالونِ! إنْ ظلّتِ الأمورُ هكذا، ستعودُ الآنسةُ وحدها إلى المنزلِ، ونحن قلقتانِ للغايةِ!”

 

“ماذا؟”

 

فُجعتْ أورديا.

 

لقد كانَ صالونًا يُعقدُ بهويةٍ مجهولةٍ عمداً لتمهيدِ الحدودِ الطبقيةِ وإلغاءِ الفوارقِ.

 

ولكنْ أن تخرجَ النبيلاتُ شخصيًّا لاستقبالِ بناتهنَّ منهُ؟

 

‘أه، صحيحٌ. يبدو الأمرُ منطقيًّا. قد يجدُ النبلاءُ صعوبةً في تقبلِ فكرةِ اجتماعٍ اجتماعيٍّ بهويةٍ مجهولةٍ في الوقتِ الحاليِّ.’

 

عند التفكيرِ بالأمرِ، كانَ ذلكَ أمرًا متوقعًا تمامًا.

 

“أه، إذن فهذه مشكلةٌ كبيرةٌ. أسيذهبُ جميعُ الآباء بينما تكون ليليث بمفردِها؟”

 

“يا إلهي، حقًّا؟ ألن يتمكنَ خالي من الذهابِ بسببِ حفلِ التنصيبِ؟”

 

علقَ ثيو وليون كلٌّ منهما.

 

“لو أخبرناهُ، لكانَ السيدُ سيجدُ طريقةً للذهابِ على أي حالٍ… ولكن بما أنَّ الأمهاتِ فقط هنَّ من سيذهبنَّ…”

 

أنهت جيتي كلامَها بوهنٍ.

 

وبما أنَّ الجميعَ سيأتينَ بصحبةِ الأمهاتِ…

 

“نعم، لقد فهمتُ ما تقصدانِهِ.”

 

ربتتْ أورديا على كتفيهما بعد أن استوعبتِ الأمرَ فورًا.

 

“شكراً لكما على إخباري. كدتُ أرتكبُ خطأً جسيماً لو لم تشيرَا إلى ذلكَ.”

 

ثم التفتتْ نحو التوأمينِ.

 

“أولادي، اليومُ يومٌ هامٌّ للغايةِ ولا تستطيعُ أمُّكما حضورَ الاحتفالِ معكُم. يجبُ أن أذهبَ إلى ليليث.”

 

“لا بأسَ يا أمي. من الطبيعي تماماً أن تذهبي لجلبِ ليليث.”

 

“نعم، أنا بخيرٌ أيضاً. لا تقلقي واذهبي.”

 

ابتسمتْ أورديا لردِّ التوأمينِ المنفتحِ، ثم قالت لأليكسي الواقف خلفها:

 

“عزيزي، اعتنِ بالأطفال في غيابي.”

 

“لا تقلقي يا سيدتي.”

 

ثم استدارتْ لتبدأَ بصعودِ الدرجِ الذي نزلتْ منهُ للتوّ على عجالةٍ.

 

إطلالةٌ قضتْ في تزيينِها وتنسيقِها ساعتينِ كاملتينِ.

 

وبقدرِ ما كانَ الأمرُ محزنًا، إلا أنه بناءً على مفهومِ الصالونِ، لم تستطعِ الذهابَ لرؤيةِ ليليثَ وهي ترتدي تلك الثيابَ المبهرجةَ.

 

“أيتها الفتاتان، هل تساعدانني؟ أعتقدُ أنني بحاجةٍ لإعادةِ تصفيفِ مظهري.”

 

قالت أورديا وهي تنزعُ أقراطَها اللامعةَ.

 

وبالنظرِ إلى العمةِ الرائعةِ التي اختارت ابنةَ أخيها دون ترددٍ، تنفستْ جيتي وجون الصعداءَ وتبعتاها بخطواتٍ حماسيةٍ وردتا بصوتٍ واحدٍ:

 

“نعم، بكل تأكيدٍ!”

 

“سنتولى الأمرَ فورًا!”

 

***

 

في ذلكَ الوقتِ، برج السحر.

 

“ما هي القمامةُ الجديدةُ التي صُنعتْ وأُحضِرتْ هنا لترميها بوجهي؟”

 

جلسَ سيدُ البرجِ باسترخاءٍ تامٍّ رافعًا ساقيهِ فوقَ المكتبِ ومستعرضًا التقاريرِ بغطرسةٍ.

 

“أمنحكم المالَ، ووجباتِ الطعامِ في مواعيدِها، وكل ما أطلبهُ هو دراسةُ الصيغِ السحريةِ بارتياحٍ تامٍ، فهل هذه هي النتيجةُ الوحيدةُ التي تقدّمونَها؟”

 

سيدُ البرجِ، أوسكار مانويل.

 

يبلغُ من العمرِ واحدًا وعشرينَ عامًا.

 

“هل تحزمونَ أمتعتكم منذُ اليومِ؟ هل تريدونَ الطردَ لتستعيدوا وعيكم؟”

 

رجلٌ شابٌّ في مقتبلِ العمرِ لا يمتلكُ أي ذرّةٍ من اللطفِ أو الأسلوبِ الجميلِ.

 

وبالنسبةِ للباحثينَ في برج السحر الذينَ يكبرونهُ سنًّا، فقد كانَ الشابُّ يمثلُ ‘الشيطانَ’ المجسدَ في صورةِ رئيسِ عملٍ.

 

“أعيدوا صياغتَها وإحضارَها!”

 

فواااش―!

 

طارتْ عدةُ صفحاتٍ من التقاريرِ التي رماها أوسكارُ من يدِهِ لتشقَّ الهواءَ بعبثيةٍ.

 

أليست هذه ساعاتُ عملٍ إضافيةٍ مؤكدةٌ؟

 

“يا سيد البرج! أرجوكَ، إلا اليومِ!”

 

توسلَت الباحثة ذات الخمس والثلاثينَ ربيعًا، كارين، بذلٍّ وهي تشبكُ يديهِا أمامَ رئيسها الذي يصغرها بأربعةَ عشرَ عامًا.

 

“اليومَ مستحيلٌ حقًّا! عليَّ الذهابُ بسرعةٍ!”

 

“…أنتِ تلقين بالقمامةِ هنا وتتحدثين دونَ ذرةِ ضميرٍ؟ اعملي لوقتٍ إضافيّ!”

 

“أَلـ… ألا يمكنني العملُ عن بُعدٍ؟ سأعيدُ كتابةَ التقريرِ وتسليمهِ غدًا كحدٍّ أقصى!”

 

لوّحَ الشيطانُ بيدهِ بلا مبالاةٍ وكأنَّ الفكرةَ غيرُ مطروحةٍ للنقاشِ من الأساسِ.

 

ثم عادَ ليمسكَ بقلمِهِ، وبخفة.

 

تفقدَ التقويمَ الموضوعَ على المكتبِ.

 

14/3

 

صالونُ السيداتِ الشاباتِ.

 

مراسمُ تنصيبِ الفرسانِ.

 

أهو تقويمُ سيدِ البرجِ، أم جدولُ مواعيدِ ابنةِ نبيلٍ ما في مكانٍ ما؟

 

إلى جانبِ تاريخِ اليومِ، كان جدول ليليثَ مدونًا هنا وهناك على التقويمِ.

 

‘تذمرتْ طوالَ الأيامِ لعدمِ قدرتها على حضورِ حفلِ التنصيبِ، فهل ذهبتْ إلى الصالونِ إذن؟’

 

تذكرَ أوسكارُ ليليثَ التي كانت مستاءةً لأنَّ جدولَ الصالونِ المتأخرَ تزامنَ صدفةً مع موعدِ حفلِ تنصيبِ الفرسانِ.

 

“سيد البرج، أرجوكَ، اليومَ فقط. إنْ سامحتني اليومَ فسأعملُ لوقتٍ إضافيّ طوالَ الشهرِ القادمِ بلا توقفٍ.”

 

“واو. ألا زلتِ هنا؟”

 

حدقَ أوسكارُ في كارين التي كانَت لا تزالُ تحومُ أمامهُ بنظراتٍ حارقةٍ.

 

“أرجوكَ. عليَّ الذهابُ لجلبِ ابنتي اليومَ.”

 

“ابنةٌ؟ ألديكِ ابنةٌ؟”

 

“نعم. ألم تكنْ تعلم…؟”

 

بعد سنواتٍ طويلةٍ من العملِ معًا.

 

تمتمَت كارين في سرِّها مستاءةً من لامبالاةِ رئيسها.

 

“إذنْ إلى أينَ ذهبتِ ابنتُِك لتذهبِي لجلبِها؟”

 

“إلى صالونِ السيداتِ الشاباتِ الذي يُعقدُ في العاصمةِ اليومِ. إنهُ اليومُ الأولُ.”

 

“……؟”

 

رُفع رأسُ أوسكارَ الذي كانَ غارقًا في مكاتبِهِ بلا اهتمامٍ فجأةً.

 

“ولماذا تذهبين إلى هناكَ؟”

 

“عذرًا؟”

 

“أليسَ هذا تجمّعًا اجتماعيًّا بهويةٍ مجهولةٍ؟ ألا يفترضُ بالجهةِ المنظمةِ إرسالُ أشخاصٍ لجلبِهنَّ وإعادتهنَّ؟”

 

“…تبدو عالمًا جيدًا بهذهِ الأمورِ؟”

 

تفاجأَت كارين.

 

سعلَ أوسكارُ المرتبكُ بخفّة ثم صرخَ فجأةً:

 

“إذن لماذا تذهبين إلى هناكَ بحقِّ خالق الجحيمِ! لماذا يُعتبرُ ذلكَ الصالونُ سريًّا وبهويةٍ مجهولةٍ من الأساسِ؟ وأيُّ غبيٍّ هذا الذي يذهبُ لجلبِ ابنتِهِ من مكانٍ كهذا؟ ليقولَ للعالمِ: ‘هذه ابنتي من عائلتي’؟”

 

“نعم، بلى…”

 

“ماذا؟”

 

“لأنَّ الأمهاتِ في العائلاتِ النبيلاتِ المهتماتِ بالأمرِ هنَّ متحمِّساتٌ. يقلنَ إنه حتى لو كانتِ الهويةُ مجهولةً، يجبُ دعمُ بناتهنَّ ومنحهنَّ الثقةَ.”

 

“ألا يُعاني هؤلاءِ من مشكلةٍ في عقولِهم؟”

 

فتحَ أوسكارُ فمَهُ على وسعِهِ.

 

“أتعني أنَّ جميعَ الفتياتِ الذاهباتِ إلى الصالونِ اليومِ ستأتي أمهاتهنَّ لجلبِهنَّ؟”

 

“الأمهاتُ بالتأكيدِ. أعتقدُ أنَّ معظمَ السيداتِ اللواتي أعرفهنَّ سيتوجهنَ إلى هناكَ.”

 

نظرَت كارين إلى أوسكارَ الذي بدا مذهولًا وصامتًا، ثم شبكت يديها برجاءٍ مجددًا.

 

“سيد البرج، أرجوكَ. إذا ذهبتْ زميلاتُها ووجدنَ أمهاتِهنَّ في انتظارهنَّ، تخيلْ شعورَ ابنتي وحدها هناكَ. كم ستتأذى نفسيًّا كطفلةٍ صغيرةٍ؟ هذهِ الذكرياتُ ستبقى محفورةً في قلبِها طوالَ حياتِها.”

 

“آه، اللعنةُ حقًّا!”

 

نهضَ أوسكارُ بسرعةٍ وتفقدَ التقويمَ مجددًا.

 

14/3

 

صالونُ السيداتِ الشاباتِ.

 

مراسمُ تنصيبِ الفرسانِ.

 

كانَ والدُ الطفلة، إينوك، محاطًا بجدولِ مواعيدَ لا يمكنه الهروبُ منهُ مهما حاولَ.

 

“أليسَ لدى هؤلاءِ السيدات ما يفعلنه غير ذلك!”

 

تمتمَ أوسكارُ بغضبٍ وهو يرتدي معطفَهُ الخارجيَّ دون تفكيرٍ إضافيٍّ.

 

ثم همَّ بالمغادرةِ إلى وجهةٍ ما―

 

“سيد البـ…ـرجِ!”

 

―فامسكَت كارين بذراعهِ بستماتةٍ بالغةٍ.

 

“اتركيني! اتركيني! أنا مشغولٌ للغايةِ!”

 

“أرجوكَ، اسمح لي…”

 

“حسنًا! اذهبي!”

 

“…حقًّا؟”

 

“أجلْ، اذهبي! ألن تتركيني فورًا؟!”

 

“أه، شكرًا لكَ؟!”

 

شعرَت كارين بالارتياحِ، ولكنها سرعانَ ما أمالَت رأسَها بحيرةٍ وهي ترى أوسكارَ يختفي في الأفقِ بسرعةِ البرقِ.

 

“ولكنْ، إلى أينَ يذهبُ سيد البرج بهذا الشكلِ!”

 

بانغ―!

 

دون حتى أن يجيبَها، اختفى أوسكارُ كطيرٍ اشتعل ذيلُهُ بالنيرانِ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.