الفصل 142: الفصل
142
الفصل 142
اهتزت الحشود رعبًا من قوة الإمبراطور، بريميرا.
حياةٌ أزهِقت بلا وعي بمجرد إيماءة يدٍ واحدةٍ.
كان هذا المنظر يشبه منظر جحيمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
“يحيا بريميرا!”
“يعيش بريميرا!”
أطلق أكسيون ضحكة ساخرة وهو يرى الحشود تبدي رهبة بالغة تجاه الإمبراطور.
“صحيح، لقد خرج ليقوم بهذا الاستعراض بنفسه إذن.”
توقف أكسيون الذي كان ينظر حوله بذهول فجأة.
كان تعبير وجه تشيشير الواقف بجانبه لافتًا للنظر.
‘…أي تعبير هذا؟’
خلافًا للآخرين الذين بدت عليهم علامات الذهول والخوف من قدرة الإمبراطور، بدا تشيشير وكأنه يشعر بنشوة غامرة.
ولم يكن اعتقاده خاطئًا.
فقد كان يشعر في تلك اللحظة بارتعاشة قوية من المشاعر المتأججة بداخله.
‘ليليث، أعتقد أنني أدرك الآن لماذا كنتِ تخافين ذلك الرجل إلى هذا الحد.’
أقوى شخص عرفه تشيشير، إينوك. وليليث التي كانت بريميرا.
كلاهما كان يخاف قدرة الإمبراطور بشكل غريب ومفزع.
تشيشير الذي لم يخض تجربة كهذه من قبل استوعب الأمر بصعوبة في البداية، لكنه أدرك ذلك بمرور الوقت بمرارة عميقة بعد وقوع ليليث في سبات الحمّى المقدّسة.
شخص قوي يستطيع تهديدك بإيماءة واحدة.
شيطان قادر على الإمساك بأجنحة الملاك وكسرها بلا رحمة.
رغب تشيشير في تأمل وجهه وحفره في أعماق قلبه.
رغبة القتل.
الدافع الذي سيجعله يتحرك في المستقبل.
***
مات الجدّ كبير الكهنة.
انقلبت العاصمة، ومرّ شهران سريعًا بعد ذلك.
“أوه.”
خلال ذلك الوقت، تغير العام وأصبحتُ في الثامنة من عمري.
‘رغم أنني عشت بجد إلى حد ما لأكثر من نصف عام منذ مجيئي إلى العاصمة…’
لكن وكما هو متوقع، الإمبراطور لم يكن شخصًا سهلاً، مما جعلني أشعر بقليل من الكآبة هذه الأيام.
طبعًا، كان التفكير في إحداث ثورة أخذت عشر سنوات في غضون نصف عام طمعًا أشبه بطمع اللصوص.
‘آه، الأمر ليس سهلاً…’
تمددتُ بوهن وأنا أحل الواجبات التي كلفني بها أوسكار.
“ألن تجلسي باستقامة وأنت تحلينها؟”
“آه، معلمي!”
ظهر أوسكار وهو يلقي كتابًا ثقيلًا كالكتلة الحديدية أمامي بصوتٍ ثقيل.
“ما هذا؟”
“ألم تكن تلك واجبات لأسبوع الماضي؟ توقفي عن حلها وانظري إلى هذا بدءًا من اليوم.”
فتحت الكتاب.
وصعقت.
‘…هـ-هندسة إسقاطية؟’
هذه رياضيات تُدرّس في الجامعة!
حتى لو بذلت جهدًا ذهنيًّا واستحضرت حياتي السابقة، فلن أتمكن من حلها.
لأنني لم أكن في تخصص رياضيات.
“مـ-معلمي…”
“لنصل اليوم حتى الصفحة 30 من هذا.”
تحدث أوسكار ببرود، وعقد ساقيه ليبدأ في قراءة كتابه الخاص.
“هـ-هل يجب عليَّ حقًّا حل أشياء كهذه…؟”
“نعم. ألم أقل إنني سأعلمك صيغة سحر الانتقال؟ تحتاجين لمعرفة هذه لتستطيعي استخدامها.”
“آه! هكذا إذًا. لكن هل يجب معرفة صيغة الانتقال حتمًا؟ بما أن لا أحد يعرفها على أي حال، فحتى لو عرفتها وحدي…”
“يا هذه، تخيلي حدوث أمر خطير لاحقًا. سيكون مريحًا الهروب باستخدام قدرتك. لكن ألن تثيري الشبهات لو استخدمت سحراً غير موجودٍ أصلاً؟”
“…بالتفكير في الأمر، هذا صحيح.”
يطلب مني الحل دون أن يعلّمني حتى.
بالطبع يعتقد أنني أعرف كل شيء بالفعل.
“معلمي، إذًا. لدي اعتراف صغير لكَ.”
“ما هو.”
“أنا في الحقيقة كنت في القسم الأدبي…”
“ماذا؟ ما الذي يعنيه ذلك؟”
“لم أكن تخصصَ رياضيات.”
“……؟”
ابتسمت بابتسامة متكلفة وأنا أراقب عيني أوسكار الحائرتين.
كنت أحل المشكلات بالاعتماد على الذكريات وليس لأنني عبقرية، ورغم أن أوسكار كان يعلم ذلك بوضوح…
لكن قولها بلساني جعلني أشعر بالحرج.
“أنا… مم، في العالم الذي عشتُ فيه قبل ذلك. كنت أعرف حتى المتجهات لأنني درستها لأجل تدريس الأطفال…”
“…….”
“هذا الذي أحضرته اليوم، الهندسة الإسقاطية هذه… لا يعرفها سوى أصدقائي الذين يدرسون الرياضيات في الجامعة، لذا لا أعرفها جيدًا. لم أدرسها من قبلُ قط…”
كان كلامي غير مفهوم بنصفه، لكن يبدو أنه استوعب جوهر الأمر، فارتفعت زاويتا فم أوسكار ببطء.
“أهكذا إذن. إذن على عكس ما حدث حتى الآن، فأنت بحاجة لتعليمٍ حقيقي وصحيح من هذا المعلم؟”
“مـ-معلمي.”
ابتسم أوسكار بشرٍّ.
بدا مصممًا تمامًا على تدريبي وتعليمي بجدية.
“انتظر!”
لحسن الحظ لدي رشوة.
أخرجت صندوق هدايا جميلًا كنت قد دفعته إلى زاوية المكتب.
“هدية لكَ!”
“ما هذا؟”
“افتحها وسترى.”
أمال أوسكار رأسه بفضول وفتح الصندوق.
ما ظهر كان ريشة كتابة جميلة.
“أوهوهو! هذه باهظة الثمن للغاية! لقد اشتريتها من المصروف الذي ادخرته قرشًا بعد قرش!”
“…لماذا تعطينني هذا فجأة؟”
“لأن اليوم هو عيد ميلادكَ يا معلمي! 18 فبراير!”
اتسعت عيناه.
ابتسمتُ باتساع.
“لم يعد لدي أي شيء لا أعرفه عنك يا معلمي~!”
“…….”
نظر أوسكار إلى الهدية بتعابير غريبة لفترة طويلة.
بدا وكأنه سعيد بها، على الأرجح.
“كل عام وأنتَ بخير بمناسبة عيد ميلادك الثامن عشر. أتمنى أن أحتفل بعيد ميلادك العام القادم، والذي يليه، وبعد عشر سنوات عندما تصبح في الثامنة والعشرين، والثامنة والثلاثين، والثامنة والأربعين، والثامنة والخمسين…”
“كفى، كفى.”
“…على أي حال، سأحتفل بعيد ميلادكَ طوال حياتي!”
نظر إليَّ أوسكار بعينين عميقتين وقال: “حسناً.”
ابتسمتُ بخفة وهمست:
“معلمي، معلمي! هل نلعب اليوم بدلاً من الدراسة بمناسبة عيد ميلادكَ؟”
قرب أوسكار وجهه وابتسم ابتسامة خفيفة، ونقر على طرف أنفي بخفة.
وقال:
“افتحي الكتاب يا أميرة.”
“…اهيء.”
***
الوسط، معبد فالتيراك.
ظهر ظهر رجل جالس وحيداً بشرود في قاعة الصلاة الواسعة.
وعندما اقترب جوزيف، استدار الرجل الذي كان يصلي، إينوك.
“أتيتَ؟”
“أراك هنا بعد فترة طويلة. إنه المكان الذي التقيْتُ بك فيه لأول مرة. كيف حال مهاراتك في البوكر، هل تحسنت قليلاً؟”
“إطلاقًا. ليس لديّ أي موهبة فيها.”
ضحك جوزيف الذي كان يحمل أوراق البوكر في يده وجلس بجانبه.
ثم تغيرت تعبيرات وجهه لتصبح حادة فجأة وكأنه لم يكن يضحك للتو.
“تم تقليص سلطة المعبد. خسر الإمبراطور الكثير في هذه الحادثة.”
مات كبير الكهنة الذي نشر رؤيا كاذبة وخدع الأمّة.
نجا الإمبراطور من المأزق عبر أداء استعراض عقابي مباشر، لكنه…
تعرض لضربة واضحة بلا شك.
“تأكد أن إرادة الحاكم هي السلام. لذا فلن يتمكن الإمبراطور من تهيئة أجواء الحرب بتهور في الوقت الحالي.”
“سيكون الأمر كذلك.”
شعر إينوك وكأن أنفاسه تحررت قليلاً على الأقل.
“من الآن فصاعدًا، سيبذل الإمبراطور قصارى جهده لإعادة ترتيب طاقم المعبد، واستعادة مكانته المنهارة، وإعادة ضبط أجواء العاصمة.”
“…….”
“إنه وقت حبس الأنفاس وبناء أساسٍ للقفز مرة أخرى.”
وأضاف جوزيف وهو يبتسم:
“هذه فرصة رائعة جدًّا بالنسبة لنا. فلن تضطر للتعامل مع صداع الحرب لفترة.”
“سيكون وقتًا يتطلب منّا التحرك دون توقف بالقدر نفسه.”
“صحيح. فالهدف النهائي ليس قطع رأس الإمبراطور، بل زعزعة النظام الطبقي المهيمن على أساس الإمبراطورية واجتثاثه في النهاية.”
تبادل الرجلان الخطط المستقبلية بجدية لفترة طويلة.
وحين همّ إينوك بالمغادرة.
“لكن، ألن تتوقف عن ذلك؟”
أشار إلى الأوراق التي كان جوزيف يحرّكها بمهارة بين أصابعه وابتسم.
“آه، لقد جئت إلى الوسط بعد فترة طويلة لذا أردت لعب مباراة واحدة. كيف يفوّت العصفور المطحنة؟”
“أنت إنسان لا يتغير أبدًا.”
“لكنني أقلعت عن التدخين يا رجل؟”
ضحك إينوك. وابتسم جوزيف معه ثم أضاف بنظرات جادة لدقيقة:
“صاحب السعادة.”
“نعم.”
“أنا لا أراهن على لعبة بلا فرصة للفوز.”
“…….”
“رغم أنها ستكون معركة طويلة، إلا أنني قفزت إلى هنا لأني رأيت مستقبلًا واثقًا بالنصر. لذا ثبّت قلبك ولا تقلق.”
ابتسم جوزيف.
“لأن المنتصر في النهاية سيكون أنت يا صاحب السعادة.”
الحوارات مع جوزيف كانت تمنح إينوك الطمأنينة دائماً.
إنه شخص يَمتنّ له.
“لكن.”
أومأ إينوك برأسه وأبعد القلق عن وجهه متحدثًا بمزاح متعمد:
“هل أنت متأكد حقًّا من أنك قفزت لوجود فرصة فوز؟ ألم تقرر مساعدتي فقط بسبب أميرتنا الصغيرة؟”
“آه. لا يمكنني الجزم بالنفي التام ولكن…”
“آهاهاهاها!”
ضحكا مطولاً.
لوح جوزيف بالأوراق بعد أن نهض.
“بما أنك جئت بعد فترة طويلة، فما رأيك؟ مباراة معًا؟”
“لا. العب وحدك. أنا.”
هز إينوك كتفيه.
“لا يمكنني فعل ذلك بدون أميرتي.”
***
الآن بعد أن قُطعت ذراع الإمبراطور بموت كبير الكهنة.
هذا الوقت الذي يستعيد فيه الإمبراطور أنفاسه هو الفرصة بالنسبة لإينوك.
إنه وقت جلبِ رياح التغيير.
“أميرتي!”
نظر إينوك إلى السماء الزرقاء ونادى ابنته عبثًا ثم ابتسم.
أن تصبح أبًا.
أمر عجيب حقًّا عندما تفكر فيه.
حقيقة أنك تستطيع فعل أي شيء من أجل طفلكَ وأن تصبح قويًّا مهما بلغ الأمر…
“والدكِ.. يُحبكِ كثيرًا وكثيرًا!!!”
تردد صدا صوته المفعم بالصدق وكأنه ينقش فوق السماء الهادئة.
وجدد الرجل عهده الذي كان يكرره دائمًا لنفسه منذ فترة.
أميرتي.
من أجلكِ،
سيفعل والدكِ كل شيء.
***
عام الإمبراطورية 1783، مارس.
أحد أيام أوائل الربيع حيث تبدأ البراعم بالتفتّح.
كان قصر عائلة أنتراس صاخبًا منذ الصباح.
“أنا وسيم للغاية.”
لم يستطع ليون أنتراس مغادرة المرآة لفترة طويلة.
كان يبدو مختلفًا تمامًا بعد أن رتب شعره الجميل الذي كانت ليليث توبخه يوميًّا لترتيبه بعناية.
“كيكي. ألن تقع الصغيرة في حبي عندما يراني؟”
ابتسم ليون بغرور وهو يمرر يده على غسرته الممشطة بعناية.
ربما لأنه كلما كبر بدت خطوط وجهه حادة بشكل غريب على عكس توأمه ثيو الذي كان يطابقه تمامًا.
فقد بدا أكبر سنًّا من عمره.
“أيها الخادم، العباءة!”
“حاضر، سيدي الصغير!”
قام الخادم الواقف خلفه بإلقاء عباءة حمراء على ظهره.
عباءة حمراء مطرزة بشعار الجيش الإمبراطوري بمهابة ودرع أسود.
كان رمز فرقة المبارزين السحريين.
“مظهري رائعٌ حقًّا.”
ابتسم ليون بخفة، وارتدى قرطًا من الروبي في أذنه اليمنى وربط سيفه إلى خصره.
“حسنًا، لنذهب… يا إلهي، انتظر!”
تسمر ليون الذي كان على وشك مغادرة الغرفة والتصق بالحائط.
“أيها الخادم، انظر.”
“نعم.”
نظر الخادم بعينين مرتجفتين إلى الحائط الذي كان يقف أمامه ليون. كانت هناك علامات تقيس الطول منقوشة على الحائط.
“سيدي الصغير، أنزل أطراف أصابع قدميك…”
“لم أفعل هذه المرة!”
“نعم نعم.”
هز الخادم رأسه يائساً وهو ينظر إلى الطول.
“178…”
“أااااه!”
صرخ ليون بيأس.
“سيدي الصغير، لا تحزن. أين يوجد شخص بطولكَ في عمرك أصلاً؟ إنك أطول حتى من السيّد الصغير ثيو بستنتيمترين.”
“تشيشير! ذلك الوغد! ….تجاوز 180 بالفعل!”
“هذا لأن السيد الصغير ليبر غريب جدًّا.”
ربما لأنه كان يستخدم جسده ويعمل في ساحات المعركة بما لا يناسب عمره. فقد نما الصبيُّ بشكل غير طبيعي خلال مرحلة النمو.
لم يستطع الخادم فهم سبب عدم رضا سيده الصغير عن طوله الذي يحسده الجميع عليه.
“أتناول وجبتين في الوجبة الواحدة فلماذا لا أطول؟ لماذا؟!”
“ستنمو أكثر.”
“ماذا أنمو أكثر! الرجال يكتمل نموهم في السادسة عشرة! وقال أبي إن طوله الحالي هو نفس طوله حين كان في السادسة عشرة!”
“لا. ستنمو أكثر حقًّا. إن كنت قلقاً إلى هذا الحد فتناول ثلاثة أطباق بدل اثنين بدءاً من اليوم. على أي حال، لقد تأخرنا فلننطلق بسرعة.”
حاول الخادم تهدئة ليون.
وجاء صوت العجلة من الخارج.
“بنيّ، اخرج بسرعة.”
“ليون، ماذا تفعل بحق الخالق؟ اخرج بسرعة! ستتأخر!”
صوت والده أليكسي وشقيقه التوأم ثيو.
“حسنًا! أنا آتٍ!”
أطلق ليون زفرة، وفتح الباب بقوة وابتسم.
ليون أنتراس، 16 عامًا.
اليوم هو يوم تنصيبه الرسمي كفارس.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.