مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 126: الفصلنحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 126: الفصل

126

الفصل 126

 

نظرَ إليَّ أبي بابتسامةٍ ضعيفةٍ وهو يرى مدى ذهولي.

 

“ما هذا! مَن فعلَ هذا بكَ؟ تكلَّم بسرعةٍ! مَن الذي ضربَ أبي؟”

 

“لا، لا.”

 

شدَّ أبي ذراعي.

 

ثم ضمَّني إلى صدرِهِ، ونهضَ واقفاً وظلَّ صامتاً لفترةٍ طويلةٍ.

 

ما الذي يجري بحقِّ الخالق؟

 

رغمَ أنَّ ملامحَهُ كانت توحي بأنهُ بكى طويلاً، إلا أنني لم استطعْ معرفةَ السببِ.

 

“…يا أميرتي.”

 

“نعم.”

 

بدأَ تنفسُ أبي يصبحُ حاداً.

 

“أبي، أبي؟ ما بكَ…”

 

ألم يكفِهِ البكاءُ خفيةً حتى تورمتْ عيناهُ كضفدعٍ، ليزدادَ الأمرُ سوءاً الآنَ؟

 

“يا أميرتي، أبوكِ…”

 

“…”

 

دفنَ أبي وجهَهُ في عنقي وأخذَ يجهشُ بالبكاء بطريقةٍ تفطرُ القلبَ.

 

“أبوكِ آسفٌ.”

 

“على ماذا؟ نعم؟”

 

“أنا آسفٌ جداً. أبوك… أبوكِ لم يستطيعْ الإيفاءَ بوعدِهِ. لم استطعْ حمايتَكِ…”

 

“…”

 

“عانيتِ وحدكِ كثيراً، ولم أكن أعرفُ شيئاً… كنتِ تنتظرينني، ولم أتمكنْ من الذهابِ لأخذِكِ…”

 

سقطَ قلبي داخلَ صدري بقوةٍ.

 

أدركتُ بشكلٍ مبهمٍ ما كان أبي يقولُهُ.

 

شيءٌ لا يعلمُهُ أحدٌ، ولا يفترضُ بأحدٍ معرفتُهُ.

 

مأساةٌ لم تحدثْ هذه المرةُ.

 

ولكنها مأساةٌ قد تحدثُ في المستقبلِ.

 

اعتذارٌ موجهٌ لنفسي في الروايةِ الأصليةِ.

 

‘ما هذا؟ كيفَ عرفَ بالأمرِ؟’

 

شعرتُ بالارتباكِ وتسمرتُ مكاني.

 

“هذهِ المرةَ، والدكِ…”

 

“أبي، أرجوكَ…”

 

رفعَ أبي وجهَهُ الذي كان مدفوناً والتقى بعينيَّ.

 

حتى وهو يبكي، حاولَ رفعَ زاويتي فمِهِ بابتسامةٍ مصطنعةٍ. وتلكَ الملامحُ زادتني حزناً.

 

“سأحميكِ مهما كلفَ الأمرُ، يا أميرتي.”

 

“…”

 

“لن أجعلكِ تشعرينَ بالوحدةِ أبداً، ولن أدعكِ تتألمينَ أو تعانينَ وحدكِ…”

 

عادَ أبي وضمني بقوةٍ إلى صدرِهِ.

 

كانت ذراعاهُ المرتجفتانِ تنقلانِ إليَّ كلَّ المشاعرِ التي كان يعانيها في تلكَ اللحظةِ.

 

وظلَّ أبي يكررُ نفسَ الكلماتِ مراراً وتكراراً وهو يضمني بحرقةٍ:

 

“أبوكِ حقاً آسفٌ… آسفٌ جداً…”

 

***

رغمَ توقعي للأمرِ، إلا أنهُ حدثَ بالفعلِ.

 

بمجردِ أن ذهبَ أبي ليغتسلَ، فتحتُ حقيبةَ الأغراض القديمةِ داخلَ الخزانةِ وعمَّ اليأسُ قلبي.

 

لقد اختفتِ الرسالةُ.

 

“أهذا واقعٌ حقاً؟”

 

أسراري التي خططتُ للكشفِ عنها في الوقتِ المناسبِ لكي لا أحطمَ معنوياتِ البطلِ الذي كان مقبلاً على إنجازٍ عظيمٍ.

 

ألم أكتب هويّتي في الرسالة؟

 

استرجعتُ بذاكرتي ما خطتهُ يداي في تلكَ الرسالةِ بغرابةٍ.

 

-…سأُحبسُ في البرجِ. البرجِ الفضيِّ للقصرِ الإمبراطوريِّ…

 

-لمدةِ عشرِ سنواتٍ كاملةٍ…

 

-كلُّ طاقةِ حياةِ وليِّ العهدِ تُستمدُّ من طاقةِ حياتي…

 

-سياسةُ إبادةِ غيرِ القادرين. حتى لو قبضتَ على الإمبراطورِ فلن تنتهيَ المعاناةُ… لأنَّ مَن يقتلُ الناسَ هو أنا.

 

“واو، انتظرْ لحظةً.”

 

أصبتْ بالذعرِ وأمسكتُ برأسي.

 

لقد رتبتُ الأحداثَ المستقبليةَ بتفاصيلَ دقيقةٍ للغايةِ لكي يتمكنَ أبي من التصرفِ بسرعةٍ وذكاءٍ.

 

يا تُرى، بماذا فكرَ أبي حين قرأ كلَّ ذلك؟

 

‘بما أنهُ يعلمُ أنَّ أوسكار قد عادَ بالزمنِ…’

 

فلا بدَّ أنهُ استنتجَ الأمرَ بطريقة ما.

 

سيعتقدُ أنني أيضاً عشتُ جولةً ثانيةً في الحياةِ، وعانيتُ من تلكَ المأساةِ بشكلٍ شخصيٍّ.

 

‘ولكنَّ الأمرَ ليس هكذا أبداً.’

 

يا لهُ من مأزقٍ.

 

هل أخبرُ أبي بالحقيقةِ لاحقاً لئلا يتعذبَ قلبهُ عبثاً؟

 

بأنني جئتُ من كوكبِ الأرضِ في القرنِ الحادي والعشرينَ وتناسختُ داخلَ كتابٍ قرأتُهُ هناكَ؟

 

وأنني لم أختبرْ تلكَ المأساةَ الحقيقيةَ قطُّ، لذا لا داعي للقلقِ؟

 

‘نعم، بالتأكيدِ لن يصدّقني.’

 

سيظنُّ أنني اختلقتُ كذبةً غريبةً لأخففَ عنهُ قلقَهُ وحسبُ.

 

“لا! ولكن لماذا قامَ أبي بتنظيمِ الخزانةِ فجأةً وبشكلٍ عشوائيٍّ هكذا…!”

 

بينما كنتُ أحتدُ بغضبٍ، لمعتْ في ذهني فكرةٌ كالبَرْقِ.

 

تشيشير.

 

‘أيعقلُ هذا؟ أتشيشير مَن فعلَها؟’

 

حتى وإن كان أبي يحظى بدعمِ المؤلفِ والكاتبِ،

 

فمن المستحيلِ أن يستيقظَ صباحاً ويشعرَ بإلهامٍ يقولُ: ‘آه! أشعرُ برغبةٍ ملحةٍ في فتحِ الخزانةِ الآن!’ ويكتشفَ الرسالةَ صدفةً هكذا.

 

‘أنا أشمُّها!’

 

رائحةُ الخيانةِ!

 

أيها الأحمقُ، الغبيُّ، سمكةُ السلورِ، شقائقُ النعمانِ البحريةِ، تشيشير!

 

خرجتُ من الغرفةِ فوراً.

 

سأغتسلُ، وأتناولُ طعامي، وأرتدي ملابسي، ثم أتوجهُ إلى منزلِ تشيشير لأحاسبَهُ.

 

“هاه؟!”

 

ولكن دون الحاجةِ للذهابِ بعيداً، خرجَ تشيشير للتوِّ من الغرفةِ المجاورةِ لغرفتي مباشرةً.

 

“ماذا تفعلُ هنا! ولماذا أنتَ في بيتنا؟”

 

وحتى قبلَ أن أتلقى إجابتَهُ، أدركتُ الحقيقةَ.

 

لقد فعلَها بالأمسِ.

 

جاءَ إلى بيتنا بنفسِهِ وأعطاها لأبي.

 

“أنتَ، أنتَ…”

 

“أنا آسف.”

 

بينما كنتُ أصرخُ بغضبٍ مشيرةً بإصبعي نحوُه، اعتذرَ بكلِّ برودٍ وبساطةٍ.

 

“ماذا؟”

 

“أنا آسف.”

 

تبخرَ غضبي تماماً وكأن أحدهماً سكبَ عليهِ ماءً بارداً.

 

وقفَ أمامي بثباتٍ تامٍّ مستعداً لتلقي الشتائمِ أو الضربِ إن أرَدتُ.

 

حتى رغبتي في القتالِ تلاشتْ تماماً.

 

“لماذا فعلتَ هذا…”

 

سألتُ بصوتٍ مهزومٍ.

 

“شعرتُ أنَّ العم يجبُ أن يعرفَ الحقيقةَ. لم أكن قادراً على فعلِ أيِّ شيءٍ بمفردي.”

 

“لم أكن أريدُ منك أن تفعلَ شيئاً! أنا فقط…!”

 

“ليليث.”

 

ناداني تشيشير بهدوءٍ.

 

لماذا؟ رغمَ أنَّ نظرتَهُ لم تختلفْ عن المعتادِ، إلا أنَّ شعوراً غريباً ومقلقاً تغلغلَ في صدري.

 

“في الرسالةِ التي كتبْتِها لي، هل تتذكرينَ ما طلبْتِهِ مني؟”

 

“…..”

 

“أنا آسفٌ، لكنني لن أستطيعَ تنفيذَهُ.”

 

الطلبُ. الطلبُ.

 

أيَّ طلبٍ تعني؟

 

إذا بدأتُ في قتلِ الناسِ فلا تترددْ. لأنَّ الوقتَ يكونُ قد فاتَ حينها.

 

أنقذِ الناسَ بأسرعِ وقتٍ ممكنٍ، أرجوكَ.

 

الجميعُ عائلاتٌ وأصدقاءٌ لأحدهم، ومن المؤلمِ حقاً أن يرحل أبرياءَ بلا ذنبٍ.

 

بينما كنتُ أسترجعُ كلماتي، اقتربَ تشيشير بثباتٍ وقالَ:

 

“لن أسمحَ بحدوثِ ذلكَ، ولن أفشلَ.”

 

“…”

 

“ولكن، حتى لو فشلتُ، فلن أنفذَ طلبَكِ. كلا، بل لن أحاولَ حتى.”

 

“تشيشير… ما الذي تتفوهُ بهِ؟ أستراقبُ أبرياءً يُقتلونَ بلا حول ولا قوةٍ هكذا؟”

 

“إذن، ماذا عني أنا؟”

 

كان صوتُ تشيشير منخفضاً وثقيلاً.

 

“ألسْتُ مسكيناً بنظركِ؟”

 

“ماذا؟”

 

“قلتِ إنَّ الجميعَ عائلاتٌ وأصدقاءٌ لأحدهم. وماذا عني؟ ألا عائلةَ ولا أصدقاءَ لي؟”

 

كانت شفتا تشيشير ترتجفانِ وهو يرمقُني بعينيْنِ محتقنتيْنِ بالدموعِ.

 

“ألم تقولي إننا سنصبحُ أصدقاءَ؟ ألم تعديني بأن نكونَ عائلةً؟”

 

“آه، تشيشير…”

 

“قلتُ إنني لستُ بحاجةٍ لكلِّ هذا، ولم أكن أتوقّع شيئًا.”

 

“…”

 

“ولكنَّكِ أنتِ… أنتِ من أعطاني كلَّ هذا.”

 

كانت عيناهُ تتلألآنِ بدموعٍ تحبسُها جفونُهُ بالقوةِ كمن يحملُ عبئاً لا يُطاقُ.

 

“وبعدَ كلِّ هذا… كيفَ تتوقعينَ مني أن… أن…”

 

“تشـ، تشيشير. ليس هكذا، أنا فقط…”

 

“هيه، يا أولاد.”

 

في تلكَ اللحظةِ، ظهرَ أبي صاعداً السلالمَ بهدوءٍ.

 

“لا تتشاجروا.”

 

كان يرتدي ملابسَ خروجٍ كاملةً.

 

وعيناهُ اللتانِ كانتا منتفختينِ قبلَ قليلٍ عادتا إلى طبيعتِهما تماماً وكأن شيئاً لم يكن.

 

وفجأةً…

 

“لا، لماذا تناديني في صباحِ اليومِ هكذا فجأةً؟”

 

ظهرَ أكسيون خلفَهُ صاعداً الدرجَ بتذمرٍ.

 

تفاجأ حين رأى تشيشير.

 

“أنتَ؟ ماذا تفعلُ هنا في مثلِ هذا الوقتِ المبكرِ؟”

 

“أكسيون.”

 

أمسكَ أبي بذراعِ أكسيون المندهشِ بقوةٍ وثباتٍ.

 

“عليَّ الذهابُ إلى القصرِ الإمبراطورِيِّ حالاً.”

 

“هاه؟ لماذا؟ أهو استدعاءٌ طارئ من الإمبراطور؟”

 

أومأ أبي برأسِهِ.

 

‘أدعاهُ الإمبراطورُ؟ آه، بما أنهُ اختلق الرؤيا الكاذبةِ، فهل يريدُ منهُ الاستعدادَ للحربِ الآنَ؟’

 

أخذتُ أتنهدُ في سرّي.

 

“سأذهبُ لفترةٍ قصيرةٍ، لذا أرجوكَ اعتنِ بالصغار ريثما أعودُ.”

 

“…”

 

توقفَ أكسيون بعينين مذهولتين.

 

“ماذا قلتَ؟ أتطلبُ مني رعايةَ الأطفالِ؟”

 

“أجل، لقد سمعتَ جيداً.”

 

“…أجننتَ يا رجل؟”

 

تذمرَ أكسيون باستياءٍ شديدٍ.

 

ولكنني كنتُ أدركُ جيداً سببَ إحضارِ أبي لأكسيون في هذا الوقتِ المبكرِ.

 

‘هفو، من الواضح أنَّ نفسيةَ أبي منهارةٌ تماماً.’

 

إنهُ خائفٌ.

 

خائفٌ من تركِي وحدي.

 

‘لو كنتُ أعلمُ أنَّ الأمرَ سيصلُ إلى هذا الحدِّ لما كتبتُ تلكَ الرسالةَ من الأساسِ.’

 

مهما كنتُ سأبقى في المنزلِ آمنةً، إلا أنَّ الأفكارَ السوداويةَ ستستمرُّ في نهشِ عقلِ أبي دونَ توقفٍ.

 

وسيبالغُ أبي في محاولاتِ حمايتي بلا داعٍ.

 

“هناك السيد الأكبر، وهناك الخدمُ، والجميعُ…”

 

“وما شأنُ هذا!”

 

قاطعَهُ أبي وهو يبتسمُ ويطبطبُ على كتفِ أكسيون برفقٍ.

 

“أريدُ أن أجعلَكِ تذوقُ متعةَ التربيةِ ورعايةِ الأطفالِ، لهذا السببِ أعددتُ لكَ هذهِ الفرصةَ.”

 

“آه.”

 

انفتحَ فمُ أكسيون ببطءٍ شديدٍ.

 

“…أيها المجنون.”

 

***

 

مكتبُ الإمبراطورِ، نيكولاس.

 

كان في الغرفةِ شخصانِ فقط؛ الإمبراطورُ وكبيرُ الكهنةِ.

 

كبيرُ الكهنةِ، تيموثي هارتمان.

 

رجلٌ طاعنٌ في السنِّ يبلغُ من العمرِ ثمانيةً وسبعينَ عاماً.

 

رجلٌ تلاشتْ منهُ كلُّ مظاهرِ القوةِ المقدسةِ الجبارةِ، وحيويّةُ الشبابِ، وحتى الإيمانُ النقيُّ الذي كان يملأُ قلبَهُ قديماً…

 

ولكنَّ شيئاً واحداً ظلَّ صامداً وثابتاً فيهِ حتى آخرِ رمقٍ.

 

وهو الطمعُ المطلقُ.

 

“أشكرُ جلالتَكَ على اهتمامِكَ البالغِ بعجوزٍ مثلي لا فائدةَ منهُ.”

 

انحنى تيموثي باحترامٍ أمامَ نيكولاس الذي كان منهمكاً في كتابةِ الوثائقِ بقلمِهِ.

 

الرؤيا التي تحثُّ على توحيدِ القارةِ.

 

أمرٌ تم تزييفُهُ باتفاقٍ كاملٍ مع رغبةِ الإمبراطورِ.

 

ولكن، مَن ذا الذي يجرؤُ على إثباتِ زيفِ هذهِ الرؤيا؟

 

“لا داعي للشكرِ.”

 

“بل يجبُ عليَّ شكرُكَ يا مولاي.”

 

كبيرُ الكهنةِ تيموثي الذي عجزَ عن سماعِ صوت الحاكم الذي سمعه صبيٌّ صغير، هوتْ مكانتُهُ إلى الحضيضِ.

 

ولكنَّ إعلانَ الرؤيا الكاذبةِ هذهِ المرةِ بأمرٍ من الإمبراطورِ، كفيلٌ برفعِ سمعتِهِ وقدرِهِ دفعةً واحدةً.

 

“سأشعر بالإحراج إن استمررت في شكري. فأنا أيضاً حققتُ غايتي من هذا التخطيطِ، فلنساعدْ بعضنا بعضاً.”

 

“أتمنى حقاً أن تسيرَ الأمورُ كما نريدُ.”

 

قال تيموثي بقلقٍ:

 

“حتى لو كان السيرُ إينوك، فهل يتجاهلُ حقاً رؤيا واضحةً في ظلِّ الأجواءِ الحاليةِ للعاصمةِ؟”

 

“لن يكونَ الأمرُ سهلاً بالطبعِ.”

 

نفخَ نيكولاس بضيقٍ.

 

“أليس هو الرجلَ الذي لا يخشى حتى الإمبراطورَ أمامه؟ فما بالك برؤيا بلا جسدٍ أو كيانٍ؟”

 

“عفواً؟ أتعني أنَّ إينوك لن يستعدَّ للحربِ بطاعةٍ؟”

 

“غالباً، نعم. ولكنَّ هدفي الأساسيَّ من وراءِ هذهِ الحيلةِ هو كسرُ شوكةِ إينوك.”

 

أضافَ نيكولاس بتنهيدةٍ:

 

“إن وجدَ نفسهَ في مواجهةِ الإجماعِ الشعبيِّ المطلقِ لمبادئِهِ ومواقفهِ، فقد يضطرُّ لتغييرِ أفكارِهِ ببطءٍ…”

 

“…فهمتُ.”

 

تأملَ تيموثي الإمبراطورَ الذي بدا غيرَ معتادٍ على الحذرِ، وفكرَ في إينوك.

 

إينوك روبنشتاين.

 

الرجلُ الذي لا يستطيعُ حتى بريميرا السيطرةَ عليهِ بالقوة.

 

الإمبراطورُ كان دائماً، يتمنى امتلاكَه، ويخشاهُ في آنٍ واحدٍ.

 

ومع ذلكَ…

 

أحقاً لا توجدُ طريقةٌ؟

 

“يا مولاي، أليس لإينوك ابنةٌ صغيرةٌ؟”

 

سألَ تيموثي بحذرٍ شديدٍ:

 

“لماذا لا تستغلها؟”

 

“…”

 

توقفَ نيكولاس عن الكتابةِ لبرهةٍ، ودرسَ كلامَهُ بتمعنٍ ثم ابتسمَ باستهزاءٍ:

 

“وكيفَ؟”

 

“…..”

 

“أتقترحُ اختطافَها؟ هل جننتَ؟ أن نفعلَ شيئاً يجعلُ جميعَ النبلاءِ يقلبونَ ظهورَهم لنا وبشكلٍ علنيٍّ؟”

 

“أه، لا، بالطبعِ لا. ليس هذا ما قصدتهُ، بل قصدتُ بما أنَّ جلالتَكَ تملكُ قدراتٍ جبارةً، فلماذا لا تستخدمُها في…”

 

رفعَ نيكولاس رأسَهُ بغضبٍ:

 

“أتريدُ مني إخفاءَ الطفلةِ ببساطةٍ؟ أم تريدُ إجبارَها على طاعتي؟ هل تعتقدُ أنَّ التحكمَ بأصحابِ القدراتِ بهذهِ السهولةِ يتوفرُ لشخصٍ غيرِ البريميرا مثلي؟”

 

شعرَ نيكولاس بالاستفزازِ.

 

“أن يقودَ الإمبراطورُ حرباً ويستخدمَ طفلةً كرهينةٍ لإخضاع أبيها؟ يا لها من وجبةٍ شهيةٍ لصحفِ الفضائحِ.”

 

“كلا يا مولاي، أنا لم أقصد…”

 

كان تيموثي يتعرقُ بغزارةٍ.

 

لكنَّ نيكولاس لم يتوقفْ عن الكلامِ.

 

إذ يكفى مجردَ التفكيرِ في ليليث لتشتعلَ أعصابُهُ غضباً.

 

“يبدو أنَّ المكوثَ الطويلَ في المعابدِ قد أصابكَ بالغباءَ يا كبيرَ الكهنةِ. كيفَ لي أن أجعلَ ابنةَ إينوك رهينةً دونَ أن يدري أنني صاحبُ القدرةِ الخفيَّةِ وراءَ الأمرِ؟ لو كان هذا ممكناً لما ترددتُ لحظةً واحدةً، أتعلمُ؟”

 

“…”

 

“إينوك ينتظرُ بفارغِ الصبرِ فرصةً لقتلي وتمزيقي إرباً. أتريدُ مني إعطاءَهُ المبررَ القانونيَّ والشرعيَّ ليشهرَ سيفَهُ في وجهي مباشرةً؟”

 

لو كان الأمرُ بهذهِ السهولةِ لما احتاجَ لإحداثِ أزمةِ الوحوش المقدسةِ أصلاً.

 

كلُّ ما جعلهُ يدبرُ ذلكَ كان محاولةً لإيقاعِ ليليث في الخطرِ ضمنَ الإطارِ القانونيِّ الذي تسمحُ بهِ سلطةُ الإمبراطورِ.

 

“يا مولاي، اهدأْ. لم أكن أعني أمرًا بهذه السذاجةٍ.”

 

مسحَ تيموثي عرقَهُ وتابعَ لتهدئةِ الإمبراطورِ:

 

“هناك طريقةٌ لجعلِ الأمورِ تحدثُ دونَ أن يعلموا أنها قدرةُ جلالتِك. طريقةٌ تجعلُ السيرَ إينوك يأتي إلى جلالتِك بنفسِهِ ليترجى من أجل حياةِ ابنتهِ.”

 

“ماذا؟”

 

“أليسَت الطفلة من فئة طاقة مقدسة؟”

 

اتسعتْ عيناها نيكولاس عند سماعِ سؤالِ تيموثي.

 

لأنهُ أدركِ تماماً ما كان يرمي إليهِ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.