الفصل 125: الفصل
125
الفصل 125
“تشيشير…”
لم يجدْ إينوك كلماتٍ يواسي بها الطفلَ، فضمَّهُ إلى صدرِهِ فحسبُ.
شعرَ إينوك بالخوفِ وهو يرى الطفلَ يجهشُ بالبكاء.
خوفاً من مواجهةِ الحقيقةِ.
وما هي الكلماتُ التي قالتْها ابنتُهُ وجعلتْ تشيشير، الذي كان فاقدَ الإحساسِ بالمشاعرِ، ينهارُ بهذا الشكلِ.
“لا أريدُ، قتلَها…”
“…”
“وعدتُها… أرجوكَ…”
كلماتٌ تجعلُ القلبَ يغوصُ في الحزنِ.
ولم يجرؤْ إينوك على معرفةِ ما تعنيهِ عبارةُ “لا أريدُ قتلَ ابنتِكَ”.
لم يشأْ معرفةَ ذلكَ أبداً.
بعدَ أن هدّأَ إينوك روعَ تشيشير وأوصلَهُ لغرفتِهِ، عادَ إلى مكتبِهِ وترددَ طويلاً.
رسالةُ ليليث.
استغرقَ وقتاً طويلاً قبلَ أن يجرؤَ على فتحِها.
هل سأنهارُ إن قرأتُها؟
أيمكنني البقاءُ على طبيعتي؟
‘يا لي من أحمقَ.’
سخرَ إينوك من نفسِهِ وفتحَ الرسالةَ.
-مرحباً يا أبي! عندما تقرأُ هذا، ربما لن أكونَ هنا، أليس كذلك؟
حطمتْ هذهِ الجملةُ الأولى إينوك تماماً.
ثمَّ تلاها ما أربكَهُ.
‘ما هذا…؟’
رغمَ أنهُ لم يخبرْها بشيءٍ قطُّ.
كانت ليليث ترى كلَّ شيءٍ.
رأتْ نصلَ سيفِهِ الذي يشحذُهُ.
وكلَّ خططِهِ للتمردِ.
“كيف…”
وشاهدتْ كلَّ محاولاتِهِ لصدِّ مكرِ الإمبراطورِ.
‘أترى المستقبلَ؟’
ألأنها بريميرا؟
كلا، لو كان هذا السبب لانتصر الإمبراطور في الحربِ منذ البدايةِ.
أدركَ إينوك الحقيقةَ ببطءٍ.
الطفلةُ… الطفلةُ…
-عام 1789، سياسةُ إبادةِ غيرِ القادرين.
لقد وصلتَ إلى هنا، لقد نجحت!ㅠㅠ أبي، لقد تعبتَ كثيراً.
-لكنَّ هذا لن ينتهيَ حتى بعدَ القضاءِ على الإمبراطورِ… فمَن يقتلُ الناسَ هو أنا.
لم تكنْ ترى المستقبلَ، بل كانت تتذكرُ زمناً قد تلاشى.
مثلَ أوسكار، العائدِ عبرَ الزمنِ.
زمناً كان مأساةً بحدِّ ذاتِهِ.
بكلِّ تفاصيلِهِ.
-الأبرياءُ الذينَ لا ذنبَ لهم مساكينُ.
-ومعاناتي وأنا أقتلُهم لا تُطاقُ. لذا…
-لا تترددْ. أرجوكَ. اقضِ عليّ بأسرعِ وقتٍ لإنقاذِ الكثيرينَ.
توقفَ تنفسُهُ. قبضَ إينوك على قميصِهِ بعيونٍ مذهولةٍ.
الآنَ، وفي هذهِ اللحظةِ. كانتِ الأمورُ تجري تماماً كما في ذلكَ الزمنِ المفقودِ.
عدى حقيقةَ وجودِ ابنتِهِ بجانبِهِ سالمةً.
“لماذا…”
لماذا؟
لماذا، وقد كنتِ تدركينَ كلَّ شيءٍ؟
『”لا تهرب بل دعنا نعود إلى العاصمة. ولنعد إلى فرقة الفرسان أيضاً.”』
『”وأنا أيضاً أريد الذهاب معك إلى العاصمة.”』
أكنتِ تحاولينَ العودةَ إلى هنا؟
كان بإمكانِكِ التظاهرُ بالجهلِ والهربِ.
لكانت تلكَ أمنيتَكِ، بالتأكيدِ.
“ها، هاها…”
ضحكَ إينوك بمرارةٍ.
السلامُ، النهايةُ السعيدةُ للجميعِ، والدولةُ الطبيعيةُ…
كانتِ الطفلةُ تظنُّ أنَّ على أبيها حَمْلَ السيف من أجلِ ذلكَ.
حتى وهي تدركُ أنها ستكونُ في خطرٍ، وربما تموتُ.
“هاها…”
واصلَ إينوك السخريةَ من نفسِهِ وعيناهُ غائمتانِ.
الطفلةُ، تلكَ الصغيرةُ الرقيقةُ التي لم تكن أنانيّة مطلقًا…
لم يكن سوى إينوك نفسِهِ مَن علّمَها ذلكَ.
“أنا، أنا مَن…”
تجاوزتِ المأساةُ التي كان يظنُّها مجردَ خيالٍ كلَّ توقعاتِهِ قسوةً وصدمةً.
لو أنهُ فشلَ؟
كلا، لو أنهُ لم يحاولْ أصلاً، هل كان سيتغيرُ شيءٌ؟
تضحيةٌ من أجلِ المبادئِ التافهةِ.
بينما كانت ابنتُهُ تموتُ لتمنعَ تضحيةَ أبيها تلكَ.
“لا أريدُ قتلها…”
بيدِ تشيشير التي رباهُ هو، وبسيفٍ صُنِعَ لأجلِ “المبادئِ”…
أنهى حياة ابنتهُ بيدِه.
“آه، آآه…”
لم يعدْ قادراً على التنفسِ. مزَّقتْ يدُهُ صدرَهُ وهو يلهثُ.
هذا ما حدثَ إذن.
تلكَ كانتِ الحقيقةَ.
بسببِ أبٍ أحمقَ لم يعرفْ ما هو الأهمُّ.
『”لا تذهبْ لهذهِ الحربِ يا أبي. لماذا تستمعُ لكلامِ الإمبراطورِ؟ هل تعتقدُ حقاً أنَّ هذا هو الصوابُ؟”』
في صباهُ.
لم يستطعْ إينوك فهمَ والدهِ نورديكَ وهو يخرجُ للحربِ.
حينها قالَ نورديكُ:
『”ستفهمُني يوماً ما.”』
استشهدتْ والدةُ إينوك.
بأمرٍ من الإمبراطورِ. في حربٍ كان الهدفُ منها موتُهم.
منذ ذلكَ الحينِ.
تماماً مثلَ إينوك، استلَّ نورديكُ سيفَهُ طائعاً، رغمَ أنهُ كان يصدحُ بالحقِّ أمامَ الإمبراطورِ.
『”سيأتي يومٌ تقتلكَ فيهِ مبادئُكَ…”』
أجل يا أبي.
كان كلامُكَ صحيحاً تماماً.
لقد قتلتني، وقتلت ابنتي التي كانت كروحي…
“آه، آآه.”
غصَّتْ عيناهُ المحتقنتانِ بالدمِ بالدموعِ. واستمرَّتْ يداهُ في تمزيقِ صدرِهِ.
أنا مَن قتلتُها.
مبادئُ الأبِ قتلت ابنتَهُ.
“آآه…”
يا للألمِ.
ألمٌ لا يطاقُ.
تخيلُ المأساةِ التي احتملتْها ابنتُهُ وحيدةً…
لا تُحتملُ.
***
‘ما هذا؟’
بعدَ أن تمنيتُ ليلةً سعيدة لأبي ونمتُ، وجدتُ نفسي فجأةً في مكانٍ مجهولٍ.
‘أوه. إنهُ أكسيون؟’
رأيتُ أكسيون المسلحَ والفرسانَ.
ركضتُ نحوهم مسرعةً.
“عمّي!”
ناديتُ بسعادةٍ، لكنهُ لم يردَّ.
أيجاهلُني؟ كلا.
يبدو أنني لم أكن مرئيةً.
“عمّي…؟”
رأيتُ طفلةً تمسكُ بيدِ أكسيون.
إنها أنا!
صورةٌ لي قبلَ بضعةِ أشهرٍ.
حينَ كنتُ أعيشُ في زينون.
كنتُ أرتدي فستاناً رثاً، وكانت عيناي محمرَّتيْنِ من البكاءِ.
‘أوه، هذا حلمٌ إذن!’
خطرَ لي ذلكَ. شعورٌ بالطفوِ، وغرابةُ رؤيةِ نفسي من الخارجِ.
‘واو، هل هذا حلمٌ واعٍ؟’
كان الأمرُ مثيراً، حتى أنني تابعتُ الفرسانَ الذينَ كانوا يتجهونَ لمكانٍ ما.
‘انتظرْ. هذا…’
في لحظةِ الإدراكِ.
خفقَ قلبي بشدةٍ.
‘هذا جزءٌ من الروايةِ الأصليَّةِ لا أعرفُهُ!’
كنتُ مخطوفةً.
بأمرٍ من الإمبراطورِ لفرقةِ الفرسانِ، كي يجبرَ أبي على العودةِ.
لم يكن لدى أكسيون خيارٌ.
الآن، وبما أنني أعرفُ الروايةَ، فقد عدتُ للعاصمةِ بهدوءٍ ملتصقةً بأبي، لكن…
‘في الأصلِ، لم يكنِ الأمرُ كذلكَ بالتأكيدِ.’
اتضحَ صدقُ توقعي، فقد وصلَ أكسيون والفرسانُ إلى معهدِ تدريبِ أصحابِ القدراتِ.
وهناك رأيتُ أمي شاحبةَ الوجهِ.
“…أكان لا يزال في زينون؟”
“أجل.”
عضَّتْ أمي على شفتيْها.
“أيها الأحمق، لِماذا…”
كنتُ أشعرُ بالخوفِ.
تعبيرُ أكسيون وهو ينظرُ إلى أمي كان مرعباً جداً.
“إينوك، ذلكَ الرجلُ الذكيُّ، لِمَ فعلَ تلكَ الحماقةَ؟”
“…”
“لأنها ليست ابنتَه وحدَه. لأنه اعتقد أن للأمّ الحق في معرفة مكان ابنتها.”
صرَّ أكسيون على أسنانِهِ وأضافَ:
“هل كان ليتخيّل؟ أنّ الشخص الذّي وثق بهِ هو من باعَ مكانه ومنذ فترة طويلةٍ بالفعل؟”
تجنبتْ أمي النظرَ إلى عينيْ أكسيون.
شعرتُ بالضيقِ.
‘أوف، كنتُ أعرفُ هذا، فلماذا أشعرُ بالحزنِ مجدداً؟ اصمدي.’
صفعتُ خديَّ بقوةٍ.
لم تتقاعدْ أمي إلا بعدَ أن أنجبتْ أخي غيرَ الشقيقِ كايل.
وهذا يعني أنهُ بعدَ سنتينِ فقط من هروبِنا… وصلتِ المعلومةُ للإمبراطورِ.
لماذا لم يجدْنا الإمبراطورُ حتى بلغتُ السابعةَ؟
الأمرُ…
‘واضحٌ. لأنني يجبُ أن أصبحَ غاليةً على قلبِ أبي. لقد خلقَ وقتاً للترابطِ بيني وبينه.’
كلما فكرتُ في الأمرِ، بدا الإمبراطورُ شيطاناً حقيقياً.
“…أنا آسفةٌ يا أكسيون. لكنّك سليمٌ بلا أذى، وهذا مطمئن. لا شكّ أنّ التعاملُ مع ذلكَ الشخصِ كان أمراً صعباً.”
“كان سهلاً.”
سخرَ أكسيون.
“لأنَّ الطفلَة كانت معي، خوفاً من أن تُصابَ بأيِّ مكروهٍ، لم يستطعْ ذلكَ الرجلُ العظيمُ فعلَ شيءٍ، مثلَ الأحمقِ. كان أمراً مضحكاً.”
“…”
“سيصلُ للعاصمةِ الآنَ. انتهى كلُّ شيءٍ، وفقاً لمشيئةِ جلالتِهِ.”
“…أنا آسفة.”
لم تستطعْ أمي النظرَ إليَّ وأنا واقفةٌ هناكَ. بخلافِها، كانت عيناي معلقتينِ بها.
“أنا حقاً آسفةٌ. لا أجدُ ما أقولُهُ. أعرفُ مدى قربِكَ من إينوك… وأعرفُ ثقلَ شعور الخيانة.”
”لحظة، لحظة. عذراً؟”
حينها، تدخل فيليب وهو يمسح عرقه بعصبية:
”كنتُ أكتفي بالاستماع فقط، لكن كلامك يبدو غريباً حقاً.”
صانع البهجة في فرقة الفرسان.
العم فيليب الذي كان يبتسم دائماً.
لكنه كان بارداً وقاسياً للغاية في هذه اللحظة.
”ألا تعلمين عدد المرات التي تجاهل فيها القائد أوامر جلالته؟ ألا تعلمين أنه اضطر للذهاب خاضعًا في النهاية عندما كاد جميع أفراد فرقتنا أن يموتوا من كثرة التسويف؟”
”آه.”
”ولكن ماذا قلتِ للتو؟ خيانة؟ هل تعتبرين ما قام به القائد خيانة؟ ها؟!”
”توقف عن هذا.”
أوقف أكسيون فيليب المنفعل.
أدركت أمي خطأها فاعتذرت فوراً:
”أنا آسفة. كنتُ… كنتُ مشتتة الذهن تماماً. لقد كانت زلة لسان.”
منظر أمي المرتجفة، ومنظر أكسيون وفيليب الغاضبين.
حقاً، كان كل ذلك صعب الاحتمال.
‘أكسيون… لم ينفذ أوامر الإمبراطور مباشرة إذن…’
لم أكن أعلم لأنه لم يكن يتحدث عن ذلك.
باستثناء أبي أو أوسكار، لا يوجد مستخدم قدرات شجاع بما يكفي لعصيان أوامر الإمبراطور بريميرا.
لكن يبدو أن أكسيون ظل يقاوم حتى اللحظة الأخيرة.
”ليس لدي ما أقوله لكِ أكثر من ذلك. بمجرّد فتح النواة، وقياس الرتبة ستنتهي القصة، أليس كذلك؟ ولن تضطر الطفلة لرؤية وجهكِ مجدداً أيضاً.”
أمسك أكسيون بيدي محاولاً دخول مبنى معهد التدريب.
وفي تلك اللحظة.
”أه، أمي؟”
بينما كنت أراقب الوضع بتوتر في المنتصف، نفضتُ يد أكسيون وتشبثتُ بأمي.
”أمي… أأنتِ أمي حقاً؟”
”…….”
ارتبكت أمي.
توقفَ أكسيون والفرسانُ ونظروا إليَّ.
“أمـي… أنا خائفةٌ. ذاك الرجلُ، آه… اهيك، واااااااع!”
“يا صغيرتي، لا تبكي. أنا هنا. لا بأسَ.”
احتضنتني أمي وأنا أرتجفُ خوفاً من أكسيون والفرسانِ.
‘آه، يا لي من أسوأ طفلة.’
راقبْتُ المشهدَ ببلادةٍ وضحكتُ في سرّي.
نفسي في القصة الأصلية، ليليث في السابعةِ من عمرِها، لذا لم تكن تدركُ شيئاً.
بجانبِ الفرسانِ العمالقة، بدتْ تلكَ المرأةُ التي تبدو رقيقةً، والتي هي أمي للوهلةِ الأولى…
تبكي وتتمسكُ بها.
وكأنَّ أمها هي طوقُ النجاةِ.
‘حمقاءُ.’
لم يكنْ لدي خيارٌ سوى أن تحملني أمي وتدخلَ بي للمعهدِ.
‘لا! لا تدخلي!’
إنهُ جحيمٌ!
حاولتُ الوصولَ لظهرِ أمي التي كانت تحملني، لكنَّ ذلكَ لم يجدِ نفعاً.
‘يا لهُ من يومٍ سيئٍ!’
لم أكن أرغب في رؤية المزيد، ولكن في اللحظة التي حاولت فيها اللحاق بها جاهدة.
تم فصلي عن الحلم فجأة وكأنني أُخرجتُ من الماء بواسطة شخص ما.
***
“واو!”
استيقظتُ من الحلمِ ووجدتُ أشعةَ الشمسِ ساطعةً.
الصباح.
يا لروعةِ الحلمِ الواعي.
حاولتُ رؤيةَ الروايةِ الأصليةِ مراراً وتكراراً، لكنَّ قدرتي لم تسمحْ لي بذلكَ.
‘لماذا حلمتُ بهذا؟ وهل يمكنني رؤيةُ المزيدِ؟’
تمنيتُ رؤيةَ المزيدِ، لكنه انقطعَ فجأةً.
يا لهُ من أسلوبٍ دراميٍّ.
بينما كنتُ أفكرُ بذلكَ، قفزتُ من السريرِ.
“أوه؟”
كان أبي بجانبي.
لماذا، لقد وضعَ كرسياً بجانبِ سريري، وكان نائماً عليهِ بوضعيةٍ غيرِ مريحةٍ.
“أبي! ماذا تفعلُ! متى عدتَ؟”
بصوتي، انتصبَ أبي جالساً.
“لا، الملابسُ… لماذا لم تغيرْها؟ ولماذا نمتَ بهذا الشكلِ غيرِ المريحِ… آآآآه!”
رأيتُ وجهَ أبي فصرختُ.
ما هذا؟
ما الذي حدثَ؟
لماذا، لماذا…
لماذا تبدو عينا البطلِ الوسيمِ هكذا؟
“أميرتي. هل نمتِ جيداً؟”
صوتٌ مبحوحٌ.
رفعَ أبي عينيهِ المنتفختينِ كالبالوناتِ بصعوبةٍ.
“أبي، لماذا… مـ، مَن الذي…”
“أوه.”
“لقد حوَّلَ أحدهم أبي إلى ضفدعٍ!!!”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.