مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 97: 97نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 97: 97

97

الفصل السابع والتسعون 

كانت الشوارع تعجّ بالناس الذين أخذوا يتأقلمون مع أجواء العيد الإمبراطوري الوشيك. 

في قلب العاصمة، كانت العائلات تتنزه تحت ظلال أوراق الخريف الحمراء، ووجوههم مشرقة بالسعادة أما الزوار القادمون من مختلف المناطق، فكانوا يتجولون بين الزينات الملونة، مستمتعين بمهرجان الموسم. وفي وسط كل ذلك، انتصبت ضيعة بلانشيت العظيمة شامخة، بمنظر أخّاذ بدا وكأنه لوحة مرسومة. 

بدت هادئة وجميلة، كأن شيئًا غير مألوف لم يحدث فيها يومًا. 

في أعلى أبراج الضيعة، ثاني أعلى بناء بعد القصر الإمبراطوري، تسلل نسيم بارد عبر نافذة مفتوحة. كانت الرياح نفسها التي تهبّ في الأسفل، لطيفة وهادئة. تمايل الشعر الذهبي، المتوهج كأشعة شمس الظهيرة، مع ذلك النسيم. 

أما العينان القرمزيتان فظلتا معلقتين بالمشهد البعيد دون أن ترمشا، بينما كان التقرير يُتلى بصوت مرتفع. 

وكعادته، كان تيوبه أول من كسر الصمت بانزعاج واضح. 

“الكونت ألتِن ذهب لمقابلتها. ألا ترى أن هذه مشكلة خطيرة؟” 

“بلى.” 

أجاب كاسيان بهدوء. 

“لا تبدو قلقًا إطلاقًا.” 

ارتسمت ابتسامة باهتة على طرف شفتي كاسيان. 

وضع تيوبه ملف التحقيق فوق الطاولة. كانت الوثائق قد جُمعت بمزيج من الإقناع والتهديد، ثم رُتبت بعناية أمامهما .

تمتم تيوبه ساخرًا: 

“لا بد أنه يظن نفسه الوحيد القادر على جمع المعلومات والتجسس.” 

بدأ كاسيان يقلب الصفحات ببطء. 

احتوى الملف على قائمة بالأشخاص الذين قابلهم عمه، والأماكن التي زارها، وسائر تحركاته وفي الصفحة الأخيرة ظهر اسمها مفصلٌ كالمعتاد. وعمه تجاوز الخط هذه المرة، مع أن الحقيقة هي أنه تجاوزه منذ زمن بعيد. 

في حرب فيولو، حاول اغتيال شقيقه الأكبر كانوا يقولون دائمًا: 

“لا ينبغي أبدًا إبقاء الوحوش الذهبية على قيد الحياة.” 

ومع ذلك، أظهر والده الرحمة حتى وهو يحتضر، حمى أخاه. 

وحتى بعدما سُمِّم ابنه ظل يبتسم بلطف ويسامح. 

أغلق كاسيان الملف وأسقطه فوق الطاولة بصوت مكتوم. 

كان تيوبه يبتسم قبل لحظات، لكنه سكت فورًا عندما لمح البرودة التي غمرت وجه سيده. 

متى تحولت حرارة الربيع في هذه الغرفة إلى هذا الصقيع؟ 

لا، لم يكن برد الخريف بل شتاء حقيقي، حادًّا وقاسيًا. 

شعر تيوبه بانقباض غريب، لكنه تجاهله فما زالت هناك مسألة أخيرة. 

“وماذا سنفعل بشأنها؟” 

“اتركها وشأنها.” 

“…ماذا؟” 

التقت عينا كاسيان بعينيه للحظة، ثم أشاح بنظره. 

خلف ساحة المدينة، حيث اعتاد أن يراها واقفة مرارًا، كانت خيوط الدخان تشوش الرؤية، لكن صورتها أخذت تتضح ببطء من جديد، واضحة، حية. 

كان يعلم أنها لم تعد ذات فائدة له ومن المنطقي أن يتركها الآن، إلا إذا كان قد فقد صوابه تمامًا وذلك احتمال لم يعد مستبعدًا كثيرًا مؤخرًا. 

تفهم قلق تيوبه، لكن صورة وجهها الرقيق استمرت في تشويه أفكاره كما تفعل دائمًا. 

“قلت اتركها.” 

ظل صوته هادئًا، لكن شيئًا غريبًا استقر في عينيه. 

تلك العينان القرمزيتان الباردتان حملتا بريقًا مختلفًا. 

حتى زاوية فمه، المعتادة على الجمود، ارتفعت قليلًا. 

لم تكن ملامح رجل تعرّض للخيانة. 

“تجري لعبة ممتعة للغاية.” 

قال ذلك بنبرة تنطوي على إثارة خافتة. 

“وسيكون من الحماقة أن أنسحب منها الآن.” 

أضاءت أشعة الغروب وجهه بلطف، فأضفت عليه سحرًا خطيرًا. 

كان دخان السيجار يتصاعد ببطء كثيف. 

تك… تك… 

ارتفع صوت عقرب الثواني داخل الغرفة. 

عاد تيوبه للكلام، وهذه المرة كان أكثر توترًا. 

مشروعها، ذلك المشروع الذي كان بالكاد يتنفس بفضل الدعم القادم من الليدي بيوشيل حتى ذلك الدعم بدأ يختفي. 

والآن دخل الكونت ألتِن على الخط، عارضًا تمويلًا كاملًا. 

كانت الظروف مثالية، تحالفًا ملتويًا بكل معنى الكلمة. 

قال تيوبه بانزعاج واضح: 

“الكونت ألتِن عرض مبلغًا يكفي لإنهاء المشروع بالكامل.” 

ظل كاسيان صامتًا فتابع تيوبه: 

“إذا دعمها، فستنجح حتمًا في إكمال ذلك المتعقب السحري أو أيًّا كان اسمه.” 

لم يتغير تعبير كاسيان. 

“من الواضح أنها ستقبل عرضه. الجميع يقول إن بينهما علاقة وثيقة.” 

امتلأت الغرفة بالدخان مجددًا

. ومن خلال الضباب الرمادي، ظهرت صورة يوريسييل في ذهنه. 

المرأة التي كان ينبغي أن يتخلى عنها منذ زمن بعيد ولا تزال تشغل أفكاره دون إذن. 

قال تيوبه محذرًا: 

“أنت تسمح لشخص سام بالدخول إلى حياتك.” 

ابتسم كاسيان ابتسامة خافتة، ثم سحق نصف السيجار المحترق داخل المنفضة. 

لم يكن تيوبه مخطئًا، كان ينبغي أن تتحطم تلك المرأة تمامًا، أن تتحول إلى رماد لا أكثر مثل ذلك الرماد الموجود أمامه. 

حتى لو كانت كل كلمة قالتها كذبًا، حتى لو كانت همسات الحب الرقيقة مجرد تمثيل. ربما… ربما كانت تستحق الحرية الآن. 

لكن لِنكن واضحين، لم يكن هو من أطلق سراحها، هي من تحررت بنفسها. حين أخبرها بخبر خطوبته ماذا قالت؟ 

قالت إنها ستختفي كأنها لم تكن موجودة أصلًا، تمامًا كما خططت منذ البداية. 

عادت إلى ذهنه صورتها الأخيرة وهي تنطق بتلك الكلمات القاسية، بوجه هادئ وراضٍ. 

نعم، لقد كانت تستعد لتركه دائمًا. 

حتى في اللحظات التي كانت تعانقه فيها وتهمس بأنها تحبه. 

ومن الغريب أنه وجد ذلك مثيرًا للشفقة، لأنه كان يعلم، لقد عرف دائمًا أن كل ذلك كان كذبًا وفجأة بدأ يتساءل. 

بعد أن يصبح مخطوبًا كيف ستتصرف؟ 

هل سيعني لها الأمر شيئًا؟ تلك التي وعدت بثقة أنها سترحل عندما يحين الوقت أي خيار ستتخذه هذه المرة؟ هل ستحاول إنقاذه بتلك العينين البريئتين اللتين لم تسمحا يومًا لأدنى تنازل أخلاقي؟ أم ستكشف أخيرًا عن القلب الرمادي الملطخ بالرماد الذي أخفته طوال الوقت وتخونه؟ 

كانت هذه الأسئلة تدور في رأسه كعاصفة لا تهدأ ثم، وسط الصمت، صدر أمره. 

ابتلع تيوبه ريقه بصعوبة، لم يفهم الأمر بالكامل، لكنه شعر بمعناه. 

ولم يكن من الصعب تخمين المقصود منه. 

“سيدي…؟” 

حاول تيوبه مرارًا إقناعه بالتراجع، لكن كاسيان لم يكن رجلًا يعود عن قرار اتخذه وعندما غادر تيوبه الغرفة، كانت أطراف أصابعه ترتجف قليلًا. 

***

بعد زيارة الكونت ألتن لم يتغير شيء على نحو يثير الدهشة. 

ما زالت تواجه الواقع نفسه كل يوم، واقعًا متداعيًا ينهار أمام عينيها وكان عليها أن تشهده، أن ترثيه. 

أصبح جزءًا من حياتها اليومية لم يعد الأمر مفاجئًا بل صار مجرد شكل حياتها الجديدة. وفي تلك اللحظات، كانت تتذكر ما وصفته الليدي بيوشيل بـ«رحمتها الأخيرة». 

فيقبض ذلك التذكر على صدرها حتى يصعب عليها التنفس. 

استمرت في البحث عن ممول جديد. 

طرقت كل الأبواب الممكنة، من كبار النبلاء إلى ملاك الأراضي الصغار الذين يملكون المال أكثر مما يملكون الحكمة. 

ولأول مرة بدا الأمر وكأنه معجزة، لقد وجدت ممولًا بالفعل وكأن السماء قررت منحها ولمشرفها فرصة أخيرة لكن الأمل لم يعش سوى يوم واحد. 

【نأسف. لقد قررنا سحب دعمنا للمشروع.】 

لم تتضمن الرسالة أي تفسير. 

بدا مشرفها محطمًا بالكامل. 

ذهبت بنفسها إليهم وتوسلت أن يعيدوا النظر لكن النتيجة بقيت كما هي وكما توقعت كانت الليدي بيوشيل هي من يقف خلف الأمر. والفشل المتكرر استنزفها، حطمها حتى لم يبقَ داخلها شيء تقريبًا. ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى أدركت أنها، مهما حاولت، لن تستطيع الإفلات من الفخ الذي نصبته بيوشيل. 

كل ما تبقى في أيامها البائسة كان واقعًا كئيبًا وخرائب متناثرة. 

خسرت المشروع ثم بدأت الضغوط تتدفق من نائب المدير. 

وسط الأصوات الغاضبة والانتقادات القاسية، لم يستطع مشرفها سوى تكرار عبارة واحدة: 

“أنا آسف…” 

مرة تلو الأخرى، كان يقول إنه بخير لكن وجهه كان شاحبًا كشخص يحتضر حتى الطعام لم يعد قادرًا على ابتلاعه. 

وأمام ذلك كله لم تستطع سوى ترديد كلمات فارغة. 

“سيكون كل شيء على ما يرام.” 

لكن هذا الوضع بأكمله كان أشبه بالجحيم. 

الأيام التي كانت تؤمن فيها، دون أدنى شك، بأنها إذا صبرت قليلًا فستصل إلى عالم جميل بدت الآن ساذجة بشكل مؤلم. 

ومع كل يوم يمر، كانت تشعر بأنفاسها تُسحق ببطء كأنها تغرق أعمق فأعمق. 

وعيناها ملتصقتان بقاع الماء غير قادرة حتى على التنفس 

وعندها فقط رأت السم الذي أخفته بعيدًا، ذلك المخرج الذي فكرت فيه أحيانًا ثم تجاهلته دائمًا. لم تستطع التخلص منه ولم تجرؤ على استخدامه لكنها مدّت يدها إليه أخيرًا، كان اليوم يوم العطلة، اليوم الذي يجب أن تذهب فيه لرؤيته. 

دفنت قارورة السم الصغيرة عميقًا داخل جيبها وبدأت السير. 

رغم أن وزنها لا يكاد يُذكر إلا أنها شعرت وكأنها تحمل جبلًا. 

كلما اهتزت العربة فوق الطريق، كانت القارورة ترتطم بخفة داخل جيبها. فشدّت قبضتيها حتى انغرست أظافرها في راحتيها. 

ولم تشعر بالألم. 

وقفت طويلًا بلا حركة والعرق البارد ينساب على جبينها. 

ولسبب لا تعرفه بدأت الدموع تنهمر من عينيها. 

دموعًا مثيرة للشفقة. 

عضّت على أسنانها وأجبرت نفسها على التماسك. 

لن أستخدم السم، أنا فقط أحمله، فقط أحمله كتميمة، كوسيلة أخيرة للنجاة. 

اليوم قبل أن يودعا بعضهما للمرة الأخيرة، كانت تنوي أن تطلب منه هدية أخيرة. 

وقحة؟ نعم، لكنها كانت أكثر أمنية صادقة ويائسة امتلكتها. 

كان رجلًا يملك كل شيء، رجلًا ثريًا لم يعد بحاجة إليها. 

وإذا كان بإمكانه حل مشكلتها بالمال فسيكون ذلك أنظف ختام ممكن وربما سيمنحها التمويل الأخير كمجاملة وداع. 

وبالطبع، بعد ذلك ستظل مطاردة من الليدي بيوشيل. 

تهرب وتُلاحق، مرة بعد أخرى لكن ذلك شأن الغد أما اليوم فعليها أولًا أن تطفئ الحريق المشتعل أمامها. 

فتحت الباب ودخلت. 

وفورًا، سقط ظل قامته الطويلة فوقها كأنه غطاها بالكامل. 

بدأ الضوء يكشف ملامحه تدريجيًا لكن للحظة قصيرة فقط. 

وكالعادة لم يتغير شيء في وجهه ولا حتى أقل ارتعاشة. 

بدا وكأنه تمثال نُحت على يد إله قديم، ثابتًا، بعيد المنال. 

تقدمت نحوه ببطء فاكتفى بالنظر إليها بصمت. 

ومع تقلص المسافة بينهما، استطاعت أن ترى الابتسامة الخافتة المرسومة على شفتيه بوضوح أكبر، كانت ابتسامة تحمل شيئًا باردًا على نحو غريب لكنها تجاهلت ذلك الإحساس ثم أحاطته بذراعيها، أرادت منه أن يرى الاضطراب الذي يتلاطم داخل عينيها واليأس الذي يحركهما.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.