الفصل 96: 96
96
الفصل السادس والتسعون
الكونت ألتِن دي فيولو.
كان الابن الثاني لعائلة بلانشيت. ورغم أنه أُقصي عن وراثة العائلة لصالح أخيه الأكبر ديفيرون، ولم يحصل قط على لقب بلانشيت، فإنه ظل بلا شك يحمل دماء بلانشيت في عروقه.
ولم يُعرف عن أي فرد من سلالة بلانشيت أنه عاش دون أن يحقق إنجازاً يُذكر. وسيراً على هذا التقليد، نال ألتِن لقب كونت بفضل إنجازاته في حرب فيولو.
كان الرجل قد تجاوز منتصف العمر بقليل، وشاب شعره الرمادي أطراف رأسه، بينما بقي جسده صلباً وقوياً بل إن بنيته الجسدية كانت أشبه برمزٍ يجسد عائلة بلانشيت نفسها.
صحيح أنه كان أصغر حجماً من كاسيان، لكن ذلك فقط لأن كاسيان كان استثناءً يصعب مقارنته بأحد أما ألتِن فظل يمتلك الهيئة المهيبة التي تليق بأحد أبناء تلك السلالة.
جالت عيناه فوقي بنظرة مزعجة لا يحاول حتى إخفاءها.
وكانت هناك ابتسامة خافتة في نهايتها، لكنها بدت أقرب إلى التهديد منها إلى اللطف.
“تعرفين من أكون، أليس كذلك؟”
لم أستطع حتى الرد، أطبقت شفتيّ بإحكام والتزمت الصمت.
كل من يحمل دماء بلانشيت كان يثير بداخلي شعوراً بالتوتر والانقباض.
استدار فجأة وبدأ يسير إلى الأمام دون أن يقدم أي تفسير.
وحين ترددت، ألقى نظرة خلفه وكأنه يتساءل لماذا لا أتبعه.
“ألا تحتاجين إلى راعٍ لمشروعكِ؟”
راعٍ؟ إذن جاء هذا الرجل ليعرض تمويل المشروع؟ لكن لماذا أنا؟
إن كان يرغب حقاً في دعم البحث، فالشخص الذي ينبغي أن يقصده هو مشرفي لا أنا. كونه بحث عني شخصياً، ثم طلب مني اللحاق به، جعل الأمر برمته مريباً إلى حدٍ خطير.
كان شعور الشؤم يضغط على صدري، لكنني لم أستطع أن أشيح بوجهي عنه.
***
قادني إلى ما بدا وكأنه مبنى مهجور قديم ومع كل خطوة إلى الداخل، كان ثقلٌ خانق يتراكم في صدري.
كنت أعلم أكثر من أي أحد أن لا شيء في هذا العالم يُمنح مجاناً.
تعلمت ذلك في ألفونس، وشعرت به بوضوح أكبر منذ أن التقيت بذلك الرجل في العاصمة.
ربما كنت في الماضي سأتردد أو أعود أدراجي، لكن خطواتي الآن كانت خاوية من أي تردد.
مهما كان ما ينتظرني هنا، فلن يكون أسوأ مما مررت به بالفعل.
توقف الكونت ألتِن في قلب البناء المتهدم، أمام تمثال قديم.
كان المكان في الأصل معبداً، لكن بعد نقل المعبد إلى موقع آخر، تُرك المبنى لينهار ببطء وفي مركزه وقف تمثال منسي لإلهة.
شقٌّ طويل يمتد عبر خصر التمثال. وكان ينتصب فوق عمود مرتفع، وكأنه يحدق بي بصمت ويحاكم وجودي.
سرت قشعريرة على طول عمودي الفقري.
حاولت ألا أنظر إليه ومع ذلك، شعرت وكأن عيني الإلهة لا تفارقانني أما الكونت ألتِن فلم يُعر الأمر أي اهتمام.
ألقى نظرة سريعة حوله، ثم ثبت عينيه عليّ وكانت هناك لمعة تسلية غريبة في عينيه كأنه يتفحص شيئاً مثيراً للاهتمام.
شيئاً قد يستمتع بمشاهدته.
“إذن أنتِ الفتاة التي سحرت ابن أخي المثالي.”
ابن أخيه… كاسيان دي بلانشيت.
إذن هو يعلم بشأن علاقتي بكاسيان.
“وبالفعل تبدين كما توقعت.”
حين جالت عيناه فوقي مرة أخرى، ابتلعت ريقي بصعوبة.
كان حلقي مشدوداً إلى درجة مؤلمة.
“لماذا استدعيتني إلى هنا؟”
خرج صوتي متشققاً وضعيفاً، كحجرٍ تحطم إلى نصفين.
أسقط الكونت ألتِن حقيبة معدنية مربعة على الأرض الحجرية المتصدعة، صدر صوت ثقيل ارتد في أرجاء المكان.
فتح المزلاج ورفع الغطاء وفي الداخل كانت هناك كمية هائلة من العملة الإمبراطورية، مكدسة حتى امتلأت بها الحقيبة بالكامل.
بمجرد نظرة واحدة أدركت أنها تكفي لتمويل مشروع التتبع بأكمله.
لو امتلكت ذلك المال لما اضطررت للبحث عن راعٍ آخر.
وكان برج السحر سيكمل البحث دون أدنى مشكلة.
هل يعرضها عليّ؟ لكن لماذا؟
اجتاحت رأسي آلاف الأسئلة دفعة واحدة. وأثناء وقوفي عاجزة عن الفهم، أخرج شيئاً آخر من الحقيبة ومده نحوي.
“وهذا مجرد إضافة بسيطة.”
وضع قارورة زجاجية صغيرة فوق الطاولة فتدحرجت قليلاً.
غريزياً، نظرت إلى كمية الدواء داخلها.
وحين حسبت الجرعات المتبقية تشوشت رؤيتي بالدموع.
بهذا الدواء يمكن لأمي أن تعيش وأنا أستطيع أن أتحرر.
أستطيع أخيراً أن أهرب، أن أتوقف عن إيذاء الليدي بيوشيل، أن أصلح الأمر مع مشرفي، أن أختفي من حياة كاسيان.
كان الأمر أشبه بفتح باب قفصٍ قاسٍ والاندفاع إلى الخارج لكن لا شيء في هذا العالم يأتي بلا مقابل.
“لماذا تريني هذا؟”
ارتجف صوتي رغماً عني.
راقبني الكونت ألتِن بارتياح واضح، ثم أغلق الحقيبة مجدداً.
وعندما انتزعت نظري منها ورفعت رأسي نحوه، رأيت ابتسامة لطيفة على شفتيه، ابتسامة ودودة لكنها لم تكن تنتمي إلى هذا الموقف أبداً.
“اختاري بعناية. حصولكِ على كل هذا أو حرمانكِ منه يعتمد على قراركِ.”
ربت على الحقيبة بخفة، ثم اتجه نحو تمثال الإلهة.
بعدها قال بنبرة ساخرة:
“أرجوكِ… لا تغفري لي.”
ورسم إشارة الصلاة على صدره ثم عاد يحدق بي بعينين حادتين.
وأخرج شيئاً من داخل معطفه ووضعه برفق فوق علبة مبطنة بالمخمل.
“ضعي هذا في شراب كاسيان.”
تجمدت.
السائل داخل القارورة الزجاجية كان شفافاً عديم اللون.
نقياً في مظهره لكن معناه كان قذراً إلى أبعد حد.
لقد جرّني إلى هنا سراً وأراني إياه بعيداً عن الأعين.
لم يكن هناك سوى تفسير واحد لذلك.
“ما هذا؟”
“لو عرفته قد تندمين على السؤال.”
عضضت شفتَي بقوة حتى لا يظهر اضطرابي وبوجه هادئ أجاب:
“سم.”
وصل معنى الكلمة إليّ متأخراً، كضربة مطرقة على رأسي.
سم، لقد قال… سم.
“إذا شربه، فـ…”
“أخبرتكِ، أليس كذلك؟ معرفة الكثير ستؤلمكِ.”
غمز الكونت ألتِن بعينه وتحدث بخفة وكأن الأمر لا يعدو كونه حديثاً عابراً.
“إن وضعتِه في كأسه، فكل هذا سيصبح ملككِ.”
لم أنبس ببنت شفة.
“إنه طلب بسيط. ابن أخي فقد عقله تماماً بسببكِ.”
ظللت صامتة.
“والاختيار ينبغي أن يكون بسيطاً أيضاً. ذلك الرجل لن يمنحكِ كل شيء كما سأفعل أنا. بالنسبة له، لستِ سوى لعبة.”
لم يكن يبدو كرجل يشجع على القتل بل إن وجهه الوديع جعل هدوءه أكثر رعباً لكنه كان يطلب مني قتل ابن أخيه بدمٍ بارد.
كنت أعلم أن أموراً كهذه تحدث داخل العائلات النبيلة.
العائلات التي تحرس الألقاب والثروات والسلطة.
في تلك الأماكن، لم تكن الخيانة بين الإخوة أمراً نادراً.
فالمال والنفوذ يحولان حتى روابط الدم إلى ساحة حرب.
والناس لا ينجون أبداً من جشعهم حتى أنا التي كنت أدينهم يوماً.
لابد أنني أبدو أمام الإلهة المراقبة من الأعلى مثلهم تماماً بل ربما أسوأ. ومع ذلك لم أتخيل قط أن الكونت ألتِن سيصل إلى هذا الحد. كان الدوق ديفيرون قد أغدق على أخيه الأصغر ثقة نادرة. أوكل إليه شؤوناً داخلية حساسة، ومنحه مقعداً في مجلس عائلة بلانشيت ومع ذلك يُشاع أن ألتِن خانه خلال حرب فيولو، بل إن هناك من قال إنه دسّ السم للدوق، فتركه يصارع الموت شهراً كاملاً. كنت قد قرأت ذلك في إحدى الصحف ذات يوم ولم أرغب في تصديقه آنذاك لكنني الآن وأنا أنظر إليه واقفاً أمامي عرفت أنه حقيقي.
هذا الرجل الذي يرتدي اسم بلانشيت كدرعٍ واقٍ ويبتسم للناس بلطف. كان يخفي خلف ذلك كله شيئاً كهذا.
لا أحد سيتخيل أبداً أن هذا الرجل يخطط لقتل ابن أخيه في الخفاء.
“لا تقولي إنكِ مترددة.”
ابتسم الكونت ألتِن بسخرية بينما دار ببطء حول تمثال الإلهة.
“فتاة من عامة الشعب مثلكِ، غارقة في وهم أن ابن أخي يحبها حقاً.”
ارتدت خطواته الثقيلة في أرجاء المبنى المتهدم كصوت حجارة تتكسر.
“ابن أخي النبيل ليس من النوع الذي يؤمن بالحب.”
الحب… نعم، كما قال الكونت.
‘كاسيان دي بلانشيت ليس رجلاً يعرف الحب.’
عيناه البعيدتان وشفتاه الساخرتان، عادتا إلى ذهني بوضوح مؤلم.
ذلك الرجل نفسه الذي أخبرني أنه سيتزوج، بمجرد زواجه سيتركني خلفه تماماً كما قال وكما وعدت أنا أيضاً سأرحل عندما يحين الوقت وسينتهي كل شيء كما كان مقدراً له منذ البداية.
الليدي بيوشيل ستحطم كل ما بناه مشرفي، ومشروع التتبع سينهار والبارونة باوروبين ستبقى محطمة كما هي الآن.
وكل ذلك سيكون الحطام الذي سأتركه خلفي لكن إن نفذت خطة الكونت ألتِن وقتلت كاسيان فلن يكون الضحية سوى كاسيان وحده.
نعم، قد أُعتقل بتهمة القتل، لكن حتى ذلك لم يعد يبدو لي عقاباً، لقد هيأت نفسي لتحمل العواقب منذ زمن بعيد.
“لن تُتَّهمي بشيء.”
قال الكونت بهدوء.
“هذا السم لا يترك أي أثر، الجميع سيعتقد أن مرضه تفاقم فجأة. وسيتذكرونه كرجل مات صغير السن.”
أن أتحرر من العقاب الذي كنت مستعدة لتقبله أصلاً يا له من عرضٍ مغرٍ ومرعب في آن واحد ومع ذلك رفضت شفتاي أن تتحركا، ظهرت صورته في ذهني ثم برزت كلمة واحدة.
الموت.
بدا الكونت ألتِن منزعجاً من ترددي.
“إن كنتِ عالقة في أوهام سندريلا الرخيصة التي تملأ روايات النساء، فمن الأفضل أن تتخلي عنها.”
تماماً كما قال، سيهجرني كاسيان عندما ينتهي من استخدامي لأنني لم أكن يوماً سوى لعبة.
“هل حدثت قصة حب كهذه حقاً في الواقع؟”
كان مقتنعاً تماماً بأنني أحب كاسيان.
يتحدث وكأن الأمر حقيقة لا تقبل الجدل.
وواثق أيضاً من أنني سأستسلم في النهاية وأدس له السم.
“سأترك هذا هنا.”
القارورة الزجاجية التي تركها خلفه لمعت تحت الضوء.
واهتز السم الشفاف داخلها ببطء.
عديم اللون، نقياً في مظهره، ومميتاً في جوهره.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.