مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 95: 95نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 95: 95

95

الفصل الخامس والتسعون 

“هل قلتِ للتوّ تمويل؟” 

عبست بيوشيل في سرّها. 

أليس فينسنت هو الرجل الذي قال إنه كرّس حياته بأكملها لذلك الحلم؟ لم تستطع أن تفهم لماذا بدا هادئًا إلى هذا الحد. 

حسنًا، لعلّه مجرد تمثيل ليحصل منها على المزيد. 

“أنا أعرض عليك مساعدتك في تحقيق الحلم الذي طاردته طوال حياتك.” 

ارتسمت ابتسامة واثقة على زاوية فم بيوشيل. 

“مهما استغرق الأمر من وقت، ومهما بلغت التكلفة، سأموّله بالكامل.” 

ومع تلك الابتسامة الناعمة، أخرجت من حقيبتها الجلدية الفاخرة ظرفًا. 

“هذه دفعة مقدّمة.” 

تلألأ الخاتم المرصّع بالجواهر في إصبعها وهي تنقر به بخفة على الظرف ثم جالت عيناها على فينسنت من رأسه حتى قدميه بنظرة ساخرة. 

أليس هذا هو الرجل الذي طُرد من عائلته كما يُطرَد العار، وجُرِّد من لقبه النبيل؟ 

كان يتحدث عن البحث عن امرأة ما، لكن الحقيقة على الأرجح أكثر وضوحًا مما يظن. 

لقد كان يحاول استعادة مكانته النبيلة، فالذين لا يملكون شيئًا يتشبثون بأي فتات يقع بين أيديهم، كالحيوانات اليائسة أما التخلّص من تلك المرأة، فلم يكن سوى مسألة وقت. 

وكما توقعت، كانت عيناه معلّقتين بالظرف. وحين رأت يده تتحرك نحوه، لم تستطع إخفاء ابتسامتها لكن فينسنت فعل شيئًا لم تتوقعه. 

دفع الظرف عائدًا نحوها ثم رفع رأسه ببطء والتقت عيناه بنظرتها المندهشة. 

“لنتظاهر أنني لم أسمع شيئًا مما قلتِه.” 

بدت على وجهه المتعب آثار السنين والإرهاق. 

وألقى ظلّ طويل ستاره على ملامحه. كان تعبيره صارمًا وثقيلًا، لكن وسامته الحادة كانت أوضح مما توقعت. 

لا بد أنه أسر قلوب عدد لا يُحصى من النبيلات في شبابه. 

ورغم انحداره من أسرة سيرفيون، كان شعره أسود بدلًا من الأحمر التقليدي الذي اشتهرت به العائلة، مما جعله أكثر تميزًا. 

أليس هذا أمرًا غيّره بعد اختفاء تلك المرأة؟ بدافع الجنون؟ 

رجل وُلد ليحمل الشعر الأحمر، ثم يجوب العالم بهذا المظهر إما أنه تحطم بالكامل أو أنه يؤدي مسرحية ما. 

هبّت نسمة خفيفة من النافذة، فرفعت خصلات شعره قليلًا، كاشفة عن لمحة حمراء في عينيه، لكن النظرة فيهما كانت مختلفة الآن. باردة، حاسمة، وخالية تمامًا من أي عاطفة. 

“لا أعرف نوع الضغينة التي تحملينها تجاه يوريسييل، لكنني أنا من يقرر من يعمل مساعدًا لي.” 

قالها فينسنت ببرود وهو ينظر مباشرة إلى بيوشيل. 

“لذا، من الأفضل أن تغادري الآن.” 

ألم يكن استعادة لقبه النبيل كل ما يهتم به؟ 

بحسب التقارير، كان هذا الرجل مهووسًا بأبحاثه إلى درجة استحال معها العمل معه. 

استقال كثير من الموظفين الإداريين الجدد بسببه أما يوريسييل فكانت الوحيدة التي بقيت ولهذا انتشرت حولها الشائعات. 

والشخص الذي وضع حدًا لتلك الشائعات لم يكن سوى الرجل الذي ستتزوجه بيوشيل قريبًا. 

كاسيان. 

مجرد وجوده كان كافيًا لإسكات كل الألسنة. 

قبضت بيوشيل يدها بقوة، انغرست أظافرها في راحة كفها حتى شعرت بالألم، لكن وجهها لم يُظهر أي انفعال. 

‘هل يوجد حقًا شيء بينهما؟’ 

لا، مستحيل. 

فبحسب التقارير، كان هذا الرجل محطمًا بالكامل منذ اختفاء تلك المرأة، لو كانت بينهما علاقة عاطفية فعلًا، لظهر ذلك بوضوح في تصرفاته ولتحولت القصة إلى فضيحة مدوّية. 

لكن للأسف لم يكن الأمر كذلك. 

راقبته وهو ينهض من مقعده، رجل قيل إنه يفعل أي شيء لينال ما يريد، ومع ذلك ما زال متمسكًا بكبريائه. 

وأمثال هؤلاء أسهل في التعامل مما يظن الناس. 

“لا أظن أنك ستجد ممولًا آخر غيري.” 

قالتها بهدوء وعندها أظلم وجه فينسنت بوضوح. 

“غادري قبل أن أقول شيئًا سأندم عليه.” 

“وماذا تقصد بذلك؟” 

“أنتِ من يمنع جميع الممولين المحتملين من الاقتراب من هذا المشروع.” 

نظر إلى المرأة أمامه، ولم يجد في الأمر ما يدعو حتى إلى السخرية. 

لقد جاءت بعدما خرّبت مشروعًا يتوقف عليه مصير أشخاص كثيرين فقط لتعرض مساعدتها، بشرط أن يتخلص من مساعدته. 

امرأة كهذه لا تستحق أي احترام، والأكثر صدمة أنها كانت تقول كل ذلك دون أن يطرف لها جفن كأن حياة الآخرين لا تساوي شيئًا وكأن بإمكانها تحطيمها بكلمة واحدة. 

شعر بالاشمئزاز، فهذا تحديدًا هو النوع من البشر الذي يكرهه أكثر من أي شيء. 

والآن بأي وقاحة تقول إنها ستدعمه، إن هو تخلّى عن يوريسييل؟ 

كان صمته حتى الآن آخر ما تبقى من صبره ومع ذلك… 

“إذًا، ما جوابك؟” 

“ماذا قلتِ للتو؟” 

“أقول لك تخلّص منها. أبعِد يوريسييل عنك، وسأمنحك كل ما حلمت به يومًا.” 

بقي فينسنت مذهولًا لدرجة أنه عجز عن الكلام أما بيوشيل فنظرت إليه بهدوء وهي تنهض من مكانها. 

“ألا ترى؟ كل ما حدث لك كان بسببها.” 

ثم رفعت الظرف في يدها ولوّحت به بابتسامة نبيلة أنيقة. 

“حين تغيّر رأيك، تواصل معي. سأكون مستعدة في أي وقت.” 

وعندما وقفت، أسرع الفارس المرافق لها إلى إبعاد الكرسي خلفها. 

“لكن لا تتأخر كثيرًا. فأنا لست شخصًا صبورًا.” 

استدارت قليلًا، وأشعلت سيجارًا، ثم سحبت نفسًا بطيئًا. 

وانساب الدخان من شفتيها ليملأ المكان بضباب خفيف، لكن صوت فينسنت شقّ ذلك الضباب بحدة: 

“لن تحتاجي إلى الانتظار. لا يوجد سبب يجعلنا نلتقي مجددًا.” 

تجعد جبين بيوشيل الأملس قليلًا. 

“هل هذا بسبب بقية ضمير لديك؟ هل تشعر بأن بيع مساعدتك مقابل المال أمرٌ خاطئ؟” 

ابتسمت وهي تتأمل فينسنت الواقف في مكانه. 

“إن كانت هذه هي المشكلة، فلا تقلق. تلك المرأة هي من ترمي نفسها عليه. لا أكثر.” 

“يبدو أن اختلاق الأكاذيب عادة متأصلة لديكِ.” 

قالها فينسنت بضيق واضح، لكن بيوشيل بقيت هادئة. 

“أعلم. حتى أنا لم أرغب في تصديق الأمر. لكن هل يمكنك أن تلومني؟ فتاة مثلها تحاول التعلق بخطيبي؟ كان ينبغي لها أن تعرف حدودها.” 

“هناك بالفعل مقالات تقول إن خطوبتكما أوشكت على الانهيار.” 

“بالضبط. وكل ذلك بسببها، بسبب تلك الفتاة التي لا تعرف مكانها.” 

كان صوتها هادئًا، لكنه بارد كالجليد. 

لقد بدأت تفقد صبرها، فالأمر الذي ظنت أنه سينتهي بسهولة طال أكثر مما ينبغي، لكن عينيها سرعان ما عادتا رقيقتين، وكأن شيئًا لم يزعجها أصلًا. 

“بعبارة أخرى، ما ستفعله ليس خيانة.” 

قالتها وهي تطفئ السيجار تحت كعب حذائها. 

“بل عدالة.” 

ثم ارتسمت ابتسامة وردية جميلة على شفتيها. 

“أنا أستعيد خطبتي، وأنت تستعيد مشروعك. الجميع يربح.” 

ورفعت عينيها إليه بثقة. 

“أثق أنك ستتخذ القرار الحكيم.” 

***

لم أستطع تحمّل الاستماع إلى ما قالته الليدي بيوخيل بعد ذلك. 

منذ اللحظة التي كشفت فيها عاري المخزي ومنذ اللحظة التي أدركت فيها أن مشرفي يعلم كل شيء ومع ذلك اختار أن يتركني وشأني، شعرت وكأن العالم ينهار فوق رأسي. 

رنّ في أذني صوت حادّ كصوت أوتار آلة موسيقية مشدودة، طويلًا ومزعجًا بلا نهاية. 

ولوهلة لم أستطع التنفس فسقطت في مكاني ثم، ما إن سمعت كلماتها الأخيرة، حتى نهضت واقفة دفعة واحدة. 

خرجت هي أما أنا، فانطلقت أركض عبر الممر. 

لاهثة كأن شيئًا يخنقني. 

كان مشرفي قد جاء إلى المكتب وكلفني بمهمة أخرى عمدًا، وكأنه يحاول إبعادي عن كل ما جرى. 

وقد فهمت معنى ذلك التصرف، لكنني لم أستطع أن أقول شيئًا. 

حتى بعد ذلك لم يذكر ما حدث، ولم يتحدث أبدًا عن عرضها. 

مع أن طردي وحده كان كفيلًا بإعادة تمويل المشروع بالكامل. 

وفي ذلك الصمت تعلقت بما بقي لدي من أمل واستمررت في البحث عن ممول جديد كما أفعل اليوم. 

ذهبت لمقابلة شخص آخر من قائمة الممولين المحتملين. 

وبالطبع لم ينجح الأمر. 

فالكوارث لا تأتي فرادى أبدًا. المشاكل تتدفق كموجات متلاحقة، رافضة أن تترك لك منفذًا للهرب. 

تحل مشكلة فتظهر أخرى ثم ثالثة، ولا ينتهي الأمر. 

كان هذا العالم ثقيلًا ومظلمًا، بلا أي بصيص ضوء في الأفق. 

تناثرت بتلات الزهور حول قدميّ كالمطر. 

فقدت حيويتها القديمة، وذبلت ألوانها إلى درجات باهتة ومتعبة. 

كلما حاولت أكثر وكلما قاومت أكثر غاصت حياتي أعمق في الوحل تمامًا كالأوراق التي كانت تحتك بحذائي. 

كنت أدفع ثمن كل ما اتهمتني به الليدي بيوشيل وأفهم تمامًا لماذا تفعل ذلك فهي لن تتوقف عن الضغط عليّ حتى أتركه وربما لن تتوقف حتى بعد ذلك، حتى لو رحلت، حتى لو متّ فسأظل أحمل عبء الاثنين معًا في قلبي. 

لو أنني استطعت فقط أن أؤمن بأن ما يحدث لي عقاب لصار تحمّله أسهل مهما كان حجم ذلك العقاب. 

لكن ما جعله أشد قسوة هو معرفتي بأنه لا يوجد مخرج. 

إن تخليت عن كل شيء وعدت، متوسلة الصفح فسأضطر إلى تركه وإن تركته فأمي ستموت، أما إن بقيت إلى جانبه فلن أستطيع إصلاح المشروع ولن أستطيع إنقاذ مشرفي. 

أيًّا كان اختياري فسيتحطم شيء ما وسينهار شيء ما بالكامل. 

لكن لم يكن لدي أحد ألومه، لأنني أنا من وُلدت هكذا وأنا من اخترت هذا الطريق. 

على عكس تلك الأزهار فأنا من فعل هذا بنفسي. ولشخص مثلي فإن الحزن نفسه يبدو نوعًا من الغرور ونفاق بل ومدعاة للاشمئزاز. 

مرّ الوقت دون أن أشعر ثم جاء يوم تحوّل فيه صيف حارق إلى خريف تتقد أوراقه بالحمرة. 

وفي ذلك اليوم ظهر رجل أمامي، مدّ يده برفق ورفع ذقني ليجبرني على النظر إليه. كانت عيناه تتفحصانني بعناية، كأنه يحاول فهم شيء ما، في البداية ظننته مجرد وجه مألوف. 

لكن ما إن أدركت هويته حتى تجمد جسدي كله في مكانه.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.