مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 93: 93نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 93: 93

93

الفصل الثالث والتسعون 

المكان الذي اقتادتني إليه الليدي بيوشيل كان مبنى فخمًا يلمع تحت المطر، يقع غير بعيدٍ عن هناك. 

بدا كمقهى، ومع ذلك لم يكن فيه شخصٌ واحد. 

كان الصمت الذي يملؤه باعثًا على القشعريرة. 

السماء الكئيبة، والجو الثقيل الخانق، جعلا المكان يبدو وكأن أي شيءٍ قد يحدث في أية لحظة. خطرٌ هادئ يتسلل ببطء إلى الأعصاب ومع ذلك أراحني خلوّ المكان من الناس على نحوٍ غريب، كم هو مثير للسخرية. 

كنت أعلم أن الليدي بيوشيل لم تُحضرني إلى هنا من أجلي. 

بالنسبة إليها، لم أكن سوى سرٍ مخزٍ، شوائب عالقة بين شخصين يفترض أن يكونا معًا، ولذلك لم يكن من مصلحتها أن يرانا أحد. 

ارتطمت قطرات المطر بزجاج النوافذ، وترددت أصداؤها في أرجاء المكان الخالي. 

وفوق ذلك الصوت، كان خفقان قلبي يدوي بعنف، كل نبضة بدت كأنها تهزني من الداخل. 

جلست الليدي بيوشيل واضعة ساقًا فوق الأخرى، ثم أنزلت بصرها ببطء وأخذت تتفحصني من رأسي حتى قدمي. 

كانت نظراتها الحادة كأنها تنزع عني طبقةً بعد أخرى. 

وكلما مرت عيناها عليّ، ارتجف جسدي أكثر. 

في الطريق إلى هنا، كانت المياه المتناثرة تحت قدمي تجعل حذائي المبتل يبدو بائسًا ومهترئًا، ولابد أن مظهري كله كان كذلك. 

غارقة بالمطر من رأسي حتى أخمص قدمي أما الليدي بيوشيل الجالسة أمامي فلم تمسها قطرة واحدة. 

بدت متقنة كما كانت يوم رأيتها لأول مرة. حليّها الأنيقة، وشعرها المرتب بعناية، كل شيءٍ فيها بقي كاملًا بلا أدنى خلل. 

رنّ صوت خافت حين وضعت فنجان الشاي على الطاولة 

ثم ارتسمت ابتسامة مائلة على شفتيها. 

“لقد حذرتكِ، لكنّكِ لم تستمعي. فهل أنتِ شجاعة؟ أم حمقاء؟” 

“…”

“أم أنكِ ببساطة ليست لديكِ الكثير من الذكاء؟” 

لم تعد تستخدم أسلوب الحديث المهذب، وكانت حدّة كلماتها تكشف انزعاجها بوضوح. 

هبط بردٌ ثقيل إلى صدري وشعرت بقلبي يغرق. 

لقد فعلت كل ما بوسعي لأبتعد عن العاصمة وأتوارى عن الأنظار لكن من الواضح أن أمري انكشف، بل إن وصف الأمر بالانكشاف كان مبالغة. 

كان مثيرًا للسخرية فحسب، زرت ذلك الرجل، وزرت ألفونس ثم تمشيت على الشاطئ وتجولت في وضح النهار بكل أريحية. 

وبعد كل ذلك أقول إنني اكتُشفت؟ يا لها من مزحة. 

كانت شائعات فسخ خطبتهما قد انتشرت منذ مدة، أتذكر تلك التقارير جيدًا. قرأتُها وشعرت براحة حمقاء، سمحت لنفسي بالاطمئنان. لم أمتلك حتى الشجاعة لأسأله مباشرة ومع ذلك، تعلقت بتلك الآمال السخيفة. 

جزء مني تساءل إن كان كل هذا خطئي، وجلبت تلك الفكرة معها شعورًا مريرًا من الذنب والخزي. 

لكن حتى مع ذلك لم أستطع التوقف. 

ربما كان سيكون أفضل لو كنت أنانية وعديمة الخجل منذ البداية. 

نعم، كان من المحتم أن تنتهي الأمور هكذا. 

لقد هيأت نفسي لذلك ولم يكن هناك داعٍ للدهشة. 

لكنني كنت أظن أن عواقب تدخلي بينهما ستقع عليّ وحدي 

أما إذا كان تمويل المشروع قد قُطع بسبب تدخل الليدي بيوشيل فمجرد التفكير في الأمر جعل قبضتي تنغرس في جلدي. 

حدقت بي بتعبيرٍ لا يمكن قراءته لكن هيئة جلوسها وحدها كانت كافية لتغمرني بإحساسٍ مرعب باليقين. 

“إذا بقيتِ إلى جانبه فسينتهي بكِ الأمر تعيسة، لا تملكين شيئًا سوى ذلك الجسد وذلك الوجه الجميل. إلى متى تعتقدين أن ذلك سيدوم؟ وهو يملّ بسرعة. فكم من الوقت سيستغرق قبل أن يستبدلكِ بأخرى؟” 

لم تؤلمني كلماتها لأنني كنت أعلم ذلك أصلًا. 

لقد تلوثت بما يكفي لأستحق مثل هذه الإهانات، بل إن سماعها بصوتٍ عالٍ كان أسهل احتمالًا مما توقعت. 

لو لم يكن هناك ذلك الشك الغريب الذي أخذ ينمو داخلي لكنت تقبلت الأمر ببساطة ومع ذلك ظللت أقول لنفسي، ليس هي. 

الليدي بيوشيل ليست من عبث بالمشروع، وليست هي من قطعت تمويل السيدة باوروبين. 

كان ذلك الخوف يجثم فوق صدري بثقلٍ خانق، حتى إنني لم أستطع طرح السؤال. لم أملك الشجاعة لأقول: 

〘هل فعلتِ ذلك حقًا؟〙 

عندها قالت: 

“ذلك الرجل أخبرني بشيء، طلب مني أن أتغاضى عن الأمر حتى تُعلن الخطبة رسميًا.” 

حتى الخطبة. 

كان المعنى واضحًا. 

أنا مجرد تسلية مؤقتة، لعبة عابرة قبل أن تصبح الخطبة حقيقة. 

وقالت إنه هو من طلب ذلك. 

كلمة طلب نفسها بدت غريبة حين ارتبطت به. 

هل يمكن حقًا أن يقول شيئًا كهذا؟ 

لكن إن كان الأمر كذلك فلماذا جاءت لرؤيتي؟ 

أخذت الليدي بيوشيل تنقر على فنجانها بإيقاعٍ غير منتظم. 

وكان ذلك مختلفًا تمامًا عن هدوئها يوم ناولتني ذلك الظرف المليء بالمال، شيءٌ ما فيها اليوم جعلني أتساءل إن كانت تكذب. 

ربما كنت فقط أريد تصديق ذلك، ربما كان أملًا هشًا آخر اخترعته بنفسي لكنني صدقته ولو قليلًا. 

ثم ماذا؟ ما الذي سيتغير؟ 

في الواقع، زاد اضطرابها من شعوري بالذنب لأن الحقيقة لم تتغير. 

أنا من تدخل بينهما، وأنا من أوصل الأمور إلى هذه النقطة. 

ومع ذلك شعرت براحة غريبة. 

راحة لأن الليدي بيوشيل جاءت بنفسها، وقالت كل هذا، وكأنها تحاول أن تثبت لي أنه لا يوجد بينهما شيء فعلًا. 

يا لها من فكرة مقززة. 

حتى الآن، لم يختفِ قلقي وذلك بحد ذاته كان سخيفًا. 

مهما كان سبب حديثها بهذه الطريقة فقد أصابت أكثر مخاوفي عمقًا، بمجرد أن تُعقد الخطبة رسميًا سيتصرف ذلك الرجل وكأنني لم أوجد يومًا. بوريثٍ نبيل لعائلة بلانشيت، أكون أنا العيب الذي لا ينبغي أن يوجد. 

وهو بالضبط النوع من الرجال القادرين على محوي بلا تردد. 

تذكرت شيئًا قاله يومًا عند البحر، وكأنه لم يكن يعني شيئًا. 

〈”لو أحببت أحدًا بعمق كافٍ، فربما أعطيته أي شيء.”〉 

لكنني لست ذلك الشخص. 

نعم، هذا هو المعنى تمامًا، أنا مجرد شخص ينتمي إلى الظلال، 

مجرد تسلية مؤقتة خلف الأبواب المغلقة. 

ورغم أنني كنت أعرف هذه الحقيقة القاسية مسبقًا فإن سماعها بصوتٍ مرتفع مزقني من الداخل، وجعلني أشعر بالرخص والانكسار، لكن تلك المشاعر اختفت سريعًا. 

احترقت بسرعة حتى لم تترك وراءها رمادًا، لأنه لا وقت لدي الآن لأغرق في البؤس أو الخجل. 

بينما كنت أراقب المطر ينزلق على الزجاج، انساب صوت الليدي بيوشيل الجاف بهدوء. 

“لكن… ماذا ينبغي أن أفعل الآن؟” 

أسندت ذقنها إلى يدها، وحدقت بي بصمت ثم انحنت عيناها بانحناءة ناعمة ومقلقة في الوقت نفسه. 

في تلك اللحظة بدت كإلهة للموت جاءت بهدوء لتحصد روحًا من الجحيم وما قالته بعد ذلك جعل الصورة أكثر إقناعًا. 

“لا أنوي أن أتغاضى عن الأمر.” 

حدقت الليدي بيوشيل في يوريسييل. 

راقبتها طويلًا، مترقبة اللحظة التي تنهار فيها. 

لكن يوريسييل لم تتزعزع، بدت كغصنٍ انحنى حتى أوشك على الانكسار لكنه لم ينكسر بعد. 

ولهذا السبب بالذات كانت أكثر إثارة للاشمئزاز في عينيها. 

حتى بعد أن أخذت المال ما زالت متشبثة بمكانها. 

يا للسخرية، معظم العشيقات عديمات الحياء. 

يتحدثن كما يشأن دون أن يرفّ لهن جفن أما هذه المرأة فكانت تؤدي دورها بصمت، وكأن لديها ذنبًا ما. 

تجلس ساكتة، متظاهرة بأنها لا تملك حق الكلام. 

صحيح أنها لا تملك ذلك الحق، لكن رؤيتها تلتزم الصمت فعلًا جعلتها أكثر إثارة للنفور. 

لم تكن عديمة الحياء تمامًا، لكن التقارير التي وصلت عنها كانت مثيرة للاهتمام على نحو مفاجئ. 

بعد انهيار مشرفها شحب وجهها حتى صار كالأشباح أما ذلك الحادث الصغير فلم يكن سوى وخزة عابرة بدافع الضيق. 

شيء نُسي منذ زمن، لكن رد فعلها كان أعنف مما توقعت. 

نقطة ضعفها كانت واضحة، لم تكن نفسها بل الأشخاص المحيطون بها، والمضحك أنها لا تعرف حتى أنها السبب ومع ذلك كانت خائفة إلى هذا الحد. 

لهذا لم يكن أمام الليدي بيوشيل خيار سوى أن تخبرها. 

“لم أفشل يومًا في الحصول على ما أريده.” 

ارتفع الفنجان ثم عاد إلى الطاولة مصحوبًا برنينٍ خافت. 

انعكس وجه يوريسييل الشاحب، الذي كاد يصبح شفافًا من الإرهاق، على سطح القهوة الداكن. راقبتها الليدي بيوشيل بصمت ثم ارتفعت زاوية فمها بابتسامة ملتوية. 

“سمعت أن السيدة باوروبين اشترت منجمًا خاطئًا. لا تخبريني أنكِ تصدقين أن ذلك كان مجرد مصادفة.” 

عندها فقط بدأ جسد يوريسييل الصغير يرتجف كغصنٍ عارٍ في منتصف الشتاء وكان ذلك بالضبط ما كانت الليدي بيوشيل تنتظره فارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا خافتة. 

***

وكعادته كل يوم في الوقت نفسه، دخل تيوبه، وقدم تقريره إلى كاسيان، ثم تراجع إلى الخلف. 

مرّ أسبوع، لكنه بدا أطول من المعتاد. 

ربما بدأ ذلك منذ اللحظة التي شرع فيها بلقاء تلك المرأة. 

حتى إنه فكر أحيانًا في تقليص الفاصل الزمني بين لقاءاتهما. 

فمشاهدتها وهي تطيعه دون شكوى كانت أكثر إمتاعًا مما توقع. 

لقد كان السماح لها بلقائه مرة واحدة أسبوعيًا فقط، بناءً على تلك الكذبة البائسة التي اختلقتها، نوعًا من الرحمة منه، ولم يكن إذنًا مطلقًا لها. ومع ذلك عادت وخالفت تلك الرحمة مرة أخرى. 

استرجع كاسيان تقرير تيوبه وهو يشعل سيجاره أبكر من المعتاد. 

كانت المرة الأولى التي يكسر فيها روتينه الصارم الذي اعتاد عليه. 

ارتفع الدخان في خيوط طويلة، وملأ الغرفة برائحته الثقيلة المسكرة ومن خلال الضباب الكثيف رآها تقترب، في الموعد تمامًا. 

وحين حرّك بصره، وقعت عيناه على صندوق ورقي موضوع بعناية بالقرب منه في داخله خصلة من الشعر الأحمر. 

شعر يشبه شعرها تمامًا. 

فعاد إليه مشهد الشاطئ، اللحظة التي قبض فيها على شعرها بقوة. 

وفي هذا الصباح تحديدًا كان تيوبه قد سلّمه تقريره. 

“تلك المرأة ليست من دمك.” 

ما دام رابط الدم غير موجود فلم يعد مسموحًا لها بالدخول والخروج كما تشاء. 

أغلق الصندوق بنقرة خافتة ثم وجّه نظره نحو المرأة التي كانت تدخل فندق ماريوت. النتيجة كانت أكثر من مُرضية ومع ذلك فإن النظر إليها الآن جعله يشعر بالقذارة. 

مرة أخرى، لقد كذبت عليه مجددًا أو ربما لم تكن كذبة بالمعنى الحرفي، لقد تظاهرت فقط بأنها لا تعرف. 

أغمضت عينيها ومضت في التمثيل، تظاهرت بأنها لم تلتقِ الليدي بيوشيل وأن شيئًا لم يحدث. 

إذًا ماذا ستفعلين اليوم، بعدما انكشف كل شيء؟ 

صدر صوت خافت مع انفتاح الباب. 

وكما في كل مرة. دخلت المرأة إلى عالمه. 

الفستان الذي اشتراه لها تمايل حول جسدها النحيل. 

والغريب أنها ما زالت تبذل قصارى جهدها حتى الآن. 

نعم، قصارى جهدها. 

ذلك الجهد اللعين عديم القيمة كان المشكلة دائمًا أما أنا ذلك المجنون العالق داخل قوقعته فلم أستطع سوى أن أضحك بمرارة بينما أستل السكين الذي أعددته مسبقًا وأوجهه نحوها، لأول مرة منذ وقت طويل ثم قال: 

“سأُعلن خطبتي.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.