الفصل 91: 91
91
الفصل الوحد والتسعون
“جولة واحدة لكلٍّ منا.”
وضعت المرأة القاعدة بوضوح، ثم أدارت وجهها المشرق نحوي ببطء، أخرجت شيئًا من حقيبتها ووضعته فوق الرمل.
“إلى أن تنفذ الرمال كلها.”
كان استعدادها أدقّ مما توقعت. وما إن قلبت الساعة الرملية حتى بدأت حبيبات الرمل الوردية تنساب بثبات عبر الزجاج.
خمس دقائق تقريبًا، وقت طويل أو قصير، بحسب الطريقة التي تنظر بها إليه.
ما زلت أرى هذه اللعبة سخيفة، لكن إن كانت الوسيلة الوحيدة لاستخراج شيء من الحقيقة منها، فأنا مستعد للاستمرار حتى النهاية.
هل ستحاول خداعي مجددًا بسلسلة أخرى من الأكاذيب؟
أم أن بين تلك الأكاذيب شيئًا صادقًا حقًا؟
مع أنني كنت أعرف الجواب مسبقًا، فاحتمال أن تقول الحقيقة يكاد يكون معدومًا، لكن ربما تكفي خمس دقائق ثم إنها المرأة نفسها التي تستطيع أن تقول «أُحِبُكَ» خلال ثلاث ثوانٍ فقط.
ثلاث ثوانٍ تكفي لقلب كل شيء بداخلي رأسًا على عقب.
فماذا أعددتِ هذه المرة؟
“أتود أن تبدأ أنت؟”
“لا.”
السيدات أولًا.
ابتسمت، وانساب صوتها صافيًا وخفيفًا كالماء.
“هل شعرت بخفقان قلبك وأنت تنظر إلي؟”
خفقان القلب، تلك العبارة الرقيقة والرومانسية التي تبدو وكأنها خُلقت خصيصًا لفصل الربيع، لهذا الموسم المليء بالارتجافات والمشاعر المتأرجحة. ومع ذلك، لم يعجبني أن تختزل كل شيء في كلمة بسيطة وسطحية كهذه، ربما لأنني ما زلت أقف عند العتبة التي تسبق الحب.
أنتِ لا تعلمين، كم تبدو شفتاكِ مغويتين كلما رأيتهما.
كم تجعلني بشرتكِ الشاحبة أرغب في ابتلاعكِ كاملة.
كم يبدو وجهكِ فاتنًا وسط الظلام.
ولهذا تحديدًا تحتاجين إلى هذا النوع من التأكيد.
إن كان هذا ما تريدينه فليكن.
“نعم.”
يبدو أنها حصلت على الجواب الذي كانت تنتظره.
استقر شيء من الرضا الهادئ في عينيها ثم ارتسمت في نظرتها المنعطفة نحوي ابتسامة ناعمة وهي تنتظر دوري.
“هل أحببتِني من قبل؟”
أجابت بالهدوء نفسه الذي استخدمته أنا.
وبالطبع، توقفت لحظة قصيرة أولًا، وكأنها تفكر.
“نعم.”
قالتها بسهولة مدهشة، وكأن الأمر لم يعد يعني لها شيئًا.
لم تتردد، وربما لأنها كذبت مرات كثيرة، أصبح التظاهر أمرًا طبيعيًا بالنسبة لها. والغريب أن تلك السهولة لم تبدُ مزيفة بل بدت نقية نقية كابتسامتها البيضاء.
ربما أصبت بالجنون فعلًا، وإلا لما كنت أجلس على شاطئ البحر ألعب لعبة من الأكاذيب المتنكرة في هيئة حقائق.
بعد ذلك بدأت الأسئلة تدور في الحلقة نفسها.
“اليوم، أثناء مغادرتك، غيرت ملابسك عدة مرات؟”
راحت عيناها تتفحصانني، في الفندق كنت أرتدي قميصًا خفيفًا يكاد يشبه رداء النوم، ولا بد أن ذلك ترك أثرًا في ذاكرتها.
كان سؤالها من النوع الذي لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا فقط.
من الناحية التقنية، كنت أرتدي اليوم ما أعدّه لي الخدم.
لكن إن عدت خطوة إلى الوراء فأنا من اختار هذا الزي أصلًا، فعلت شيئًا لا أفعله عادة.
في ذلك اليوم، بعد أن همست لي بحبها، وبينما كنت عائدًا، رأيت هذا الزي معروضًا خلف نافذة متجر، فاشتريته.
في ذلك اليوم، مهما ارتديت لم أشعر أن شيئًا يناسبني.
حتى الخدم الذين كانوا يساعدونني على تبديل ملابسي بدأوا يرتجفون بل إن تيوبه سألني مازحًا إن كنت أستعد لحفل ظهور نبيلة شابة. حسنًا، أعترف. تصرفت كمراهق أحمق.
مشاعر لم أعرفها حتى في سنوات مراهقتي نفسها، وكانت هي السبب الوحيد وراءها.
أتذكر أنني تساءلت وقتها أي تعبير سيرتسم على وجهها عندما تراني بهذا الزي. كان ذلك الشعور يشبه ما أحسسته حين خططت لرحلتنا إلى ألفونس، وأنا أتخيل شكلها بالفستان الذي اخترته لها وكيف سأتأملها فيه.
ولو أردت الصدق فلا بد أنني جرّبت عشرات الأزياء في ذلك اليوم. إذًا، لو أجبتها بصدق، فالإجابة هي نعم، لأن السؤال الحقيقي ليس كم مرة بدّلت ملابسي بل كم من الجهد بذلته لأجلها، وكم سمحت لنفسي بأن أُستغل.
لو قلت «نعم»، فستشعر بالاطمئنان.
لكن رغم أنني وعدت نفسي بأن ألعب دور الرجل اللطيف لأجل رؤية ابتسامتها لم أرد أن أراها تبتسم بهذه الطريقة.
“لا.”
في هذه المرحلة، أصبحت تقلباتي العاطفية كافية لإرسالي مباشرة إلى مصحة للتعافي.
ارتجفت عيناها قليلًا.
“ولا مرة واحدة؟ لم تغيّر ملابسك إطلاقًا؟”
جف صوتها وتهشّم قليلًا. وكان ذلك الشرخ الطفيف في رد فعلها مثيرًا للاهتمام على نحو غريب.
مع أنني أعلم أن الشرخ في عينيها ليس حقيقيًا، وأعلم أنها ترتجف فقط خوفًا من أن تفقد قدرتها على استغلالي.
لم أكن قاسيًا هكذا دائمًا لكنني أعترف الآن، لقد بدأت أتغير منذ اللحظة التي بدأت فيها أرغب بهذه المرأة أو ربما حدث ذلك قبلها.
ربما بدأ الأمر في ألفونس، ذلك المكان الذي حاولت دفنه في ذاكرتي.
كالسحلية التي تعجز عن الانسلاخ من جلدها في قلب موسم كان يفترض أن يتغير فيه كل شيء، وأنا عالق هنا، غير قادر على التأقلم مع التغير الذي يتحرك في أعماقي.
وربما أحتاج إلى عمر كامل لأمزق هذه القشرة المتعفنة والمتغطرسة والخرقاء.
“ولا مرة واحدة.”
في هذه اللعبة المتنكرة في هيئة حقيقة، انهارت المرأة قبل أن تتمكن من التوغل خلف سطحي. وفي لعبة لا رابح فيها ولا خاسر، أخذت كل شيء وكأنني المنتصر.
وضعت ابتسامة طفل على وجهي وضحكت أما هي، المسكينة، فما زالت تجهل ما يختبئ خلف واجهتي ومع ذلك، فقد أدّت دورها بإتقان.
كان الأمر سخيفًا، كوميديا مثالية صغيرة.
ومع ذلك، أعجبني هذا المشهد بما يكفي لأمنحها شيئًا إضافيًا.
“ليس اليوم. لقد اخترته منذ زمن.”
“وهذا يعني…؟”
“تيوبه سألني إن كنت متجهًا إلى حفل ظهور نبيلة شابة.”
انفجرت ضاحكة.
قبل لحظات فقط كانت عيناها رطبتين تكادان تذرفان الدموع، أما الآن فقد انثنتا بعذوبة مع ابتسامتها.
وكلما مرّ النسيم، انسابت خصلات شعرها الأحمر فوق وجهها المشرق قبل أن تتراجع مجددًا ومع كل حركة كانت الابتسامة المختبئة خلف الشعر تتفتح من جديد.
نعم، أنا أطارد تلك الابتسامة كالمجنون.
أجبرت نفسي على تحويل نظري بعيدًا قبل أن أفقد السيطرة.
وكأن القدر نفسه كان يراقبنا، فقد اقتربت حبات الرمل الوردية الأخيرة من السقوط، معلنة اقتراب السؤال الأخير.
ولما شعرت بأن نظري قد ابتعد عنها، توقفت عن الضحك.
ترددت قليلًا قبل أن تتحرك شفتاها وانعكس شكلي المرتجف قليلًا داخل زمرد عينيها مع اهتزاز بؤبؤيهما.
وأخيرًا أخذت نفسًا وقالت شيئًا كان متوقعًا تمامًا وغير متوقع على الإطلاق.
“ستمنح كل شيء لمن تحب؟”
كل شيء.
وصلتني نيتها الواضحة دون أن تحاول إخفاءها أصلًا.
هل كانت تفكر بالدواء طوال اليوم وهي تنظر إليّ؟
حتى إذا حصلت عليه، استطاعت أن تطير بعيدًا كفراشة.
كالثعلب في الحكايات القديمة، يسرق القلب والكبد ثم يختفي.
“حسنًا… يعتمد الأمر على الشخص. لو أحببت أحدًا بعمق كافٍ، فربما أعطيته أي شيء.”
بقيت عيناها ثابتتين.
“أظن أنني أكثر رومانسية مما أبدو عليه.”
امتلأ وجهها بالحيرة، وارتفعت نظرتها ببطء لتلتقي بنظرتي ثم دفعت المعنى أعمق قليلًا بالقدر الكافي لإيلامها.
لقد تجرأتِ على الحديث عن الرحيل عني.
وهذا القدر من العقاب ليس إلا مستحقًا.
“وحقيقة أنني لم أمنحكِ كل شيء بعد، تعني أن حبكِ لم يصل إلى تلك الدرجة.”
التقت أعيننا، بدت وكأنها تزن ملامحي قبل أن تنتفض قليلًا.
شحبت كما لو كانت أرنبًا مذعورًا واستغرقها وقت طويل قبل أن ترفع رأسها مجددًا، حتى بعد سقوط آخر حبة رمل، مر وقت إضافي قبل أن تتحرك.
نهضت ثم ابتعدت بسرعة تكاد تركض، راقبت ظهرها وهي تغادر، فرأيتها تنحني لتلتقط شيئًا من الرمل.
كان غصينًا رفيعًا هشًا، مثلي تمامًا.
كتبت به شيئًا على الشاطئ ثم مدّته نحوي وحين نظرت إلى الأسفل، رأيت حروفًا مرسومة بوضوح على الرمل.
بدت يدها وهي تقدم تلك الحيلة الطفولية صادقة على نحو غريب كأنها تحاول أن تسحرني.
أما يدي أنا، التي انحنت لترسم قلبًا بجوار كلماتها، فبدت سخيفة للغاية. وكذلك كان تيوبه الجالس بعيدًا خلفنا، يراقب المشهد كله بنظرة اشمئزاز واضحة.
***
نزلت من العربة من الجهة نفسها التي نزلت منها سابقًا، ثم اختفت سريعًا عن الأنظار.
لاحقًا، وبعد أن عادت إلى العربة، غفت قليلًا.
وحين استند رأسها إلى كتفي، تيبّس جسدها لحظة ثم سكن تمامًا.
لم يكن هناك أدنى شك بأنها مستيقظة ومع ذلك لم تتحرك.
ذلك التوتر الخافت المختبئ في أنفاسها المحسوبة بعناية كان يثير الضحك.
هل اعتقدت حقًا أنني لن ألاحظ؟
أم أن ذلك أيضًا جزء من محاولاتها الخرقاء للإغواء؟
تمامًا كما فعلت عندما طلبت مني أن أرسم علامة الحب على الرمل.
كل شيء جزء من التمثيلية ذاتها.
هذه المرأة التي كانت ترتجف وهي تسألني إن كنت سأمنحها كل شيء مستعدة لفعل أي شيء مقابل الحصول على ذلك الدواء.
ومع ذلك، وأنا أحدق في انعكاسي على زجاج النافذة، بقي شيء يشبه الابتسامة معلقًا بخفة على وجهي. ظللت أتأمله بصمت، غير مصدّق لما أراه. وفجأة، غطّى ظل طويل الزجاج.
اقترب رجل ضخم بما يكفي ليحجب الضوء كله.
كان يرتدي زي قائد فرسان، والرجل الذي تجرأ على تقديم انحناءة فاترة بالكاد لوريث الدوقية قبل أن يتقدم للأمام كان تيوبه.
وقف بجوار نافذة العربة، ومن خلال الفتحة لمح تعبير سيده.
لقد صدمه ذلك، فهذا رجل لا يبتسم، بل بدا طوال حياته وكأنه غير قادر على الابتسام أصلًا. والحقيقة أن ما حدث على الشاطئ لم يكن سوى أمر فاضح بكل المقاييس ولو رآه أي شخص آخر لانتابته صدمة كاملة، فوريث آل بلانشيت مشهور ببروده وقسوته.
رجل من حديد، لا دموع لديه ولا رحمة. من الذي سيصدق أن شخصًا كهذا قادر على التصرف كرجل عاشق؟
ومع ذلك، لم يكن تيوبه متأكدًا من أن «العاشق» هي الكلمة المناسبة فالاثنان مختلفان إلى حد بعيد، كل ما يربطهما بدا هشًا للغاية. وكان في الأمر شيء يوحي بأن نهايتهما ستكون سيئة حتمًا.
ربما كان سيده لا يرى فيها سوى تسلية مؤقتة، امرأة يحتفظ بها إلى جواره لبعض الوقت لكن حتى هذا التفسير لم يكن كافيًا.
فسيده كان يأمر دائمًا بأن يُرفع إليه أي خبر يتعلق بيوريسييل فورًا ودون أي استثناء وكان تيوبه هو المسؤول عن تلك المهمة.
وقف لحظة مترددًا، هل هذا هو الوقت المناسب لإبلاغه بالتقرير الذي وصل للتو؟ فالأمر خطير، وكل ما يتعلق بيوريسييل وحدها كان قادرًا على تغيير تعابير سيده. ولم يكن لدى تيوبه أدنى فكرة عن رد فعله على هذا الخبر لكن، كما في كل مرة، لم يكن أمامه خيار، خفض رأسه ثم بدأ تقريره.
“يبدو أن هناك مشكلة خطيرة محتملة في المشروع الذي تعمل عليه الآنسة يوريسييل حاليًا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.