مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 90: 90نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 90: 90

90

الفصل التسعون 

كان الرجل، ببدلته المفصلة بإتقان، يلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى. بدا بمظهرٍ أنيق ومتزن على نحوٍ غير مألوف. لم يكن ذلك الشكل الذي اعتدت رؤيته به لكن عندما فكرت في الأمر، لم تكن تلك المرة الأولى التي أراه فيها هكذا. 

فمنذ وقتٍ ليس ببعيد، أثناء رحلتنا إلى ألفونس، ارتدى أيضًا بدلة أنيقة كانت كفيلة بجعل الناس يلتفتون إليه أينما مر. 

وبفضل قامته الطويلة وجسده المتناسق، كانت أي قطعة قماش تبدو عليه راقية بطبيعتها. 

ومع ذلك، بقيت تلك الإطلالة عالقة في ذاكرتي فعلى الرغم من خلوها من الحلي أو الزينة الفاخرة، كانت البدلة تنضح بفخامة هادئة، وكأن كل تفصيل فيها اختير بعناية فائقة. 

وبالطبع، كان من الصعب تخيل أنه بذل كل هذا الجهد من أجلي أنا، وكأننا في موعد غرامي. 

فهو لن يهتم إلى هذا الحد بشخصٍ لا يراه سوى لعبة. 

على الأرجح، كان هذا النوع من الملابس أمرًا اعتياديًا بالنسبة له. 

ولم يكن اليوم استثناءً. ومع ذلك فاليوم كان يحدق بي دون أن تظهر على وجهه أدنى مشاعر. 

عادت إلى ذهني نظرته الخالية من التعبير عبر نافذة العربة في وقت سابق وأثارت في أعماقي شيئًا يشبه موجةً عاتية انقلبت فجأة، كاشفةً عن الصخور الحادة المختبئة تحتها. 

هل كان صمته تحذيرًا؟ هل كنت منشغلة بالهرب إلى درجة أنني لم ألحظ التشققات التي بدأت تتسع بيننا؟ 

رؤية هذا الجانب المختلف منه جعلت معدتي تنقبض بمرارة. 

كان لا يزال لدي ما أحتاج إلى الحصول عليه منه ومع ذلك، كانت تلك أول فكرة خطرت ببالي. 

كرهت نفسي بسببها، لكنني لم أستطع التخلص منها. 

هل غضب لأنني غادرت العاصمة دون إخباره؟ 

أم الأسوأ من ذلك هل يعلم أنني التقيت الليدي بيوشيل؟ 

كانت هذه أول مرة أراه فيها منذ ذلك اللقاء. 

وتذكرت بوضوح كيف تركني أرحل في جزيرة لابيران دون أن يقول كلمة واحدة، ذلك الوجه الهادئ، وتلك العينان الحمراوان الخافتتان، تركا في نفسي شعورًا مقلقًا. لو كان يعلم بأمر الليدي بيوشيل، فلن يطلب منها الرحيل بل سيطلب مني أنا الرحيل. 

ومهما نظرت إلى الأمر، فالكفة ستظل راجحة لصالحها دائمًا. 

فالليدي بيوشيل، ابنة أسرة بيريوت، هي الشريكة المثالية لوريث أسرة بلانشيت. حتى عندما رأيتها في ذلك المقهى بملابس بدت عادية وقبعة فيدورا بسيطة، كانت تشع رقيًا وأناقة. 

حضورها، خطواتها، وحتى طريقة تنفسها كل شيء فيها كان يتناغم معه بصورة مثالية ولو وقفا معًا، لاعتبرهما الجميع الثنائي المثالي، أسرة بيريوت، بقوتها العسكرية على الحدود، وأسرة بلانشيت، المنحدرة من دمٍ قوي تحالفهما كان كفيلًا بمنحهما نفوذًا لا ينضب أما أنا فكنت العنصر الوحيد الذي لا ينتمي إلى تلك الصورة. 

وكما قالت الليدي بيوشيل كل ما عليهم فعله هو إزاحتي من المعادلة. 

ظلت عيناه الحمراوان العميقتان معلقتين بي بصمت. 

اشتعل قلبي للحظة، ثم خمد ببطء أما نظرته المنخفضة وملامحه الجامدة فقد انطبعت في ذاكرتي كالنار، حتى لم يبقَ منها سوى الرماد وعندها فقط تحركت شفتاه ببطء. 

“اخرجي.” 

…اخرجي؟ 

هوى قلبي بعنف. 

“ماذا تعني…؟” 

ماذا كان عليّ أن أفعل إن كان يطردني الآن؟ 

في تلك اللحظة فقط أدركت مكاني الحقيقي. حبست دموعي بكل ما أملك من قوة، لكن لا بد أن مظهري كان بائسًا. ومع اقترابه مني بخطوات هادئة لكنها ضاغطة، تراجعت غريزيًا إلى الخلف حتى اصطدمت بالحائط. 

“ماذا؟ هل خاب أملكِ؟” 

مال برأسه ناحيتي، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه حتى الآن، كان يبدو غير واقعي، كتمثالٍ منحوت بعناية ثم دبّت فيه الحياة. 

رائحته الباردة تحمل سحرًا خطرًا أما تلك الابتسامة الصغيرة فكانت آسرة على نحوٍ غريب. 

“إن كنتِ منزعجة إلى هذه الدرجة… فابقي.” 

اقترب وجهه مني، حادًا وهادئًا كتحذير مبطن. 

احتجت إلى لحظة لأفهم ما يقصده حقًا. 

هل يعني ذلك أنه لا يعلم بلقائي مع الليدي بيوشيل؟ 

أم أنه يعلم ويختار تجاهل الأمر؟ 

“لا. سأذهب.” 

وعندما تراجع أخيرًا، أطلقت زفرة طويلة. 

فتح الباب ومد يده ليقودني إلى الخارج، أمسكت بها. 

وعندها فقط بدأ الاختناق الذي يضغط على صدري يتلاشى. 

لم يخبرني إلى أين سنذهب ولا لماذا تبدل مزاجه فجأة اليوم. 

لكن ذلك لم يكن مهمًا فكما هو الحال دائمًا لم يكن أمامي سوى اتباعه إلى حيث يشاء وأدركت مجددًا حقيقة لم تتغير قط. 

الاعتقاد بأن لي حق الاختيار، أن أقرر إن كنت أريد البقاء مع هذا الرجل أو الاستسلام له لم يكن شيئًا أملكه أصلًا. 

الأمر لم يكن متعلقًا بما أريده أنا. 

طالما أن هذا الرجل يجدني مسلية، أو يروق له وجودي بأي شكل كان فهذا وحده يكفي. 

وأثناء جلوسي في العربة، نظرت إلى انعكاسي في النافذة. 

كم كنت أخشى الظهور تحت الشمس إلى جانب هذا الرجل. 

ومع ذلك ها أنا الآن لا أشعر بأي اضطراب، بل أكثر من ذلك كنت مرتاحة. بدت ملامحي في الانعكاس مقززة بالنسبة لي. 

لقد اعتدت وجوده إلى درجة التخدير، ومع ذلك ما زلت أرتعب من انكشاف أمري، يا لها من ازدواجية مثيرة للشفقة. 

كنت إنسانة عالقة على الحافة بين الضمير والبقاء. 

لا أتمسك بضميري حقًا ولا أتخلى عنه بالكامل. 

إنسانة بائسة، هذا ما كنت عليه. 

أهمس له بكلمات الحب لكنني أخشى السير إلى جواره أمام الناس أي خداع أعظم من هذا؟ 

ومع ذلك لم يتغير استنتاجي أبدًا، سأبقى إلى جانبه. 

منذ اللحظة التي قررت فيها التخلي عن ضميري، كنت مستعدة لدفع الثمن ولذلك لم أتردد وأعرف أيضًا أن الأمر ليس من طرف واحد فأنا أستغله بوضوح ولهذا لا أملك الحق في كراهيته بالكامل. 

لكن رغم ذلك كان أكثر شخص أكرهه دائمًا هو، هذا الرجل الذي لا يحبني والذي يستخدم ما يملكه ليعاملني كمقتنى شخصي. 

هذا الرجل الذي، في الوقت نفسه، يجرني نحو الضوء وكأنه يمنحني بارقة أمل، هذا الرجل الذي يعطيني دائمًا ما يكفي فقط لأرغب بالمزيد، رغم أنه يعرف كل شيء. 

كنت أكرهه إلى درجة أن تلك المشاعر تجمعت داخلي حتى تحولت إلى شيء لم أعد أستطيع تسميته. 

لذلك، وكما أفعل دائمًا سأقوم بالدور الوحيد المتاح لي. 

سألعب دوري فوق الرقعة التي نصبها لي وأستغله في المقابل. 

“شكرًا لأنك أخرجتني اليوم.” 

لم يجب. 

“كل شيء جميل.” 

التفتت عيناه نحوي ببطء، حدق بي بصمت. 

“الأزهار جميلة… والمناظر أيضًا.” 

“هل لديكِ شيء آخر لتقوليه؟” 

آه… هل يمكن أن يكون كان ينظر إليّ كما لو أنه ينتظر سماع شيء محدد لكنني قلت شيئًا لا علاقة له بما ينتظره. 

“وأنت أيضًا.” 

صدر من جواره صوت خافت، أشبه بخروج الهواء من بالون. 

أليس هذا ما أراد سماعه؟ 

ظل يضحك طويلًا بعد ذلك، حتى ضحكته، التي كانت ستبدو سخيفة لو صدرت من شخص آخر، بدت راقية حين صدرت منه. 

ضحك حتى اغرورقت عيناه بالدموع. 

وكأنه سمع أطرف نكتة في العالم ثم عاد لينظر إليّ أما نظراتي المرتبكة التي راحت تتنقل في حيرة، فلا بد أنها بدت مثيرة للسخرية. 

في الحقيقة عندما سألني إن كان لدي شيء آخر لأقوله، كان يقصد ذلك اليوم. كان يمنحني فرصة أخيرة لأعترف، بكلماتي أنا، بأنني التقيت الليدي بيوشيل من أسرة بيريوت. 

ومع ذلك اخترت التهرب من الأمر بهذه الطريقة. 

***

هذه المرأة تعرف، تعرف جيدًا إلى أي مدى يدفعني مجرد رؤيتها إلى حافة الجنون ولهذا تستطيع أن تجعل مني أحمق بسهولة، حتى بعد أن حاولت الابتعاد عنها ومغادرة الفندق. 

عندما قالت شفتاها إنني جميل بدتا مغريتين إلى درجة جعلتني أرغب في التهامهما. ومع ذلك، فهي تتحدث وكأنها قد تحمل طفل رجل يمكن أن يكون اخاها، يا لها من فكرة سخيفة. 

شديدة السخف لدرجة أنني قررت تجاهلها مؤقتًا. 

ما زالت جفونها ترتجف إنها عادتها عندما تكذب. سواء كانت تدعي أنها لا تتألم أو تتظاهر بأنها قادرة على تحمل كل شيء. 

في كل مرة تقول فيها مثل هذه الأكاذيب، تفضحها جفونها. 

تقول دائمًا إنها بخير لكن الحقيقة تظهر في ارتعاش عينيها. 

ولهذ فهي تكذب الآن أيضًا، تكذب حين تقول إنني جميل. 

وكانت تلك الكذبة مجحفة بطريقة ما. 

منذ صغري والناس يخبرونني أنني أشبه تمثالًا منحوتًا من الحجر، سمعت ذلك مرارًا وتكرارًا ومع ذلك لأنني وجدت كذبتها محببة، قررت التغاضي عنها وأقنعت نفسي بأن جزءًا صغيرًا من الحقيقة قد يكون موتكرارًا سط هرائها وكان ذلك كافيًا. 

***

استمرت العربة في السير. حتى دخلت سوقًا يمتد بمحاذاة الشاطئ، فيما كان البحر الشاسع يلوح في الأفق. 

اخترت هذا المكان بدافع لحظي. 

فالمشهد الذي رأيتها فيه تضحك مع أمها الحقيقية في جزيرة لابيران ترك أثرًا في نفسي وكان يبعد بضع ساعات فقط عن العاصمة. 

أي أنها لا تستطيع التذرع ببعد المسافة للعودة فهو ليس كألفونس أو الجزر الجنوبية البعيدة التي تتطلب المبيت. 

وبالطبع لو طلبت منها بكلمة واحدة فقط، لبقيت معي طوال الليل بسرور، لكنني قررت أن أتظاهر بأني رجل طيب الآن ولذلك لا يمكنني السماح لنفسي بفعل ذلك، ليس بعد، ليس قبل أن أكشف كل الأكاذيب التي تخفيها. 

وهكذا تم اختيار هذه الوجهة بدافع نزوة. قرار اتخذته وأنا ثمل بابتسامتها، قرار لا يشبه أي شيء فعلته في حياتي. 

ربما أدركت ذلك لأنها بذلت قصارى جهدها كي لا أندم على اختياري الأحمق لكن حتى محاولتها تلك بدت متعجرفة بطريقة غريبة، كانت تبالغ في المحاولة وكان ذلك واضحًا. 

الجميع يبذلون جهدهم ليس في ذلك شيء مميز. 

إن أردتِ فعل الأمر بإتقان فعليكِ إخفاء ذلك بشكل أفضل. 

ومع ذلك عندما قضمت قطعة من غزل البنات بذلك التعبير الهادئ على وجهها، لم أستطع منع نفسي من التساؤل عما إذا كانت تؤدي دورها أفضل من أي شخص آخر. 

في مرحلة ما فقدت قدرتي على الإمساك بخيوط الأمور. 

هل المشكلة فيها؟ أم فيّ أنا، الذي يراقبها ويشعر بكل هذا؟ 

الآن، وأنا أقف على هذا الشاطئ الصاخب لم أعد أعرف أين تكمن المشكلة الحقيقية ولوهلة قصيرة تركت كل شيء. 

مرّ نسيم البحر، وتطاير شعرها الأحمر المتوهج بوضوح في الهواء. 

***

تناولنا المحار في مطعم قريب، وسط رائحة الشواء المتصاعدة في الأجواء وكان وجهها مفعمًا بالضحك طوال الوقت. 

هذه المرة بدت ابتسامتها حقيقية، عندما أخبرتني أنني جميل، ارتجفت جفونها أما الآن فكانت ساكنة وهادئة. 

بنت قلعة رملية هشة، قابلة للانهيار في أي لحظة ومع ذلك ابتسمت وكأنها أسعد إنسانة في العالم. 

ثم قالت فجأة شيئًا بالغ السخف. 

“هل تريد أن نلعب الصراحة أم التحدي؟” 

كانت لعبة شعبية يمارسها العامة في الحانات، قاعدتها بسيطة. 

يجب أن تقول الحقيقة فقط وإن كذبت، تتلقى عقابًا لكن من يحكم على الحقيقة ليس قوة عليا بل مجرد شخص آخر. 

ما يعني أنك تستطيع قول أي شيء تريده أي هراءٍ كان. 

أما الجبناء فيتظاهرون بأن حقائقهم مجرد أكاذيب، ويختبئون خلفها. عادةً، لا يجرؤ أحد على اقتراح لعبة كهذه عليّ. 

أما هي ففعلت ذلك دون تردد. 

ومرة أخرى سرتُ مباشرة نحو الفخ الذي نصبته لي. 

لأن ابتسامتها في تلك اللحظة كانت الأجمل على الإطلاق.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.