الفصل 89: 89
89
الفصل التاسع والثمانون
“لقد رأيتُ هاتين العينين الخضراوين من قبل بالتأكيد.”
“عينان خضراوان؟”
كان اللون الأخضر، أو بالأحرى الزمردي، لونًا يرمز إلى أمي وإليّ معًا، فالعيون الزمردية نادرة الوجود في الإمبراطورية.
وأحيانًا، حين أرى انعكاس عينيّ الزمرديتين في المرآة، أشعر براحة غريبة تتسلل إلى قلبي. كان الناس يقولون دائمًا إنني أشبه أمي إلى حدٍّ كبير. وهذه العينان الخضراوان على وجه الخصوص كانتا تبدوان لي كرباطٍ لا يمكن قطعه بيننا لكن الآن هناك شخص آخر يمتلك العينين نفسيهما؟ أين رأته أمي؟ ومن الذي رأته بالضبط؟
لقد كنت هناك أيضًا ومهما حاولت استرجاع ذاكرتي، لم يكن بين الحاضرين شخص كهذا أم أنني ببساطة لم ألحظه؟
في ذلك الوقت، كانت أفكاري كلها تدور حول ذلك الرجل.
لم أكن أرى أي شيء آخر من حولي.
قالت أمي:
“نعم. أعرف ذلك الشخص.”
كان وجهها شاحبًا، وشفتيها ترتجفان وفي تلك اللحظة، اجتاحني شعور مقلق كالصاعقة.
ماذا لو كان الشخص الذي رأته أمي هو أبي حقًا؟
هوى قلبي إلى الأعماق.
“من كان؟”
بعد كل هذا الوقت الذي أمضيته في البحث عنه لماذا الآن؟
كنت أعلم أنني لا أملك حق الاعتراض فأنا من كان يحاول العثور عليه منذ البداية لكن في أعماقي، كنت آمل أن أكون أنا أول من يجده أما إذا وجدته أمي قبلي، ثم اتضح أنه لا يتذكرها حتى فربما كان من الأفضل ألا تراه مجددًا أبدًا لكن حتى هذا الأمل البائس خانته الآلهة القاسية.
قالت بصوت خافت:
“لا أعرف لماذا لا أستطيع التذكر.”
وغاصت تنهيدتها عميقًا في الأرض، تجعد ما بين حاجبيها قليلًا.
بدت عاجزة فعلًا عن التذكر وبشكل غريب، شعرت بالارتياح.
ربما كان فقدانها للذاكرة هو النعمة الوحيدة التي منحتني إياها الآلهة التي تجاهلت جميع صلواتي الأخرى.
شعرت بالذنب لأنني فكرت بذلك، خصوصًا وأنا أراها تائهة ومحبطة ومع ذلك، لم أستطع منع نفسي من الشعور بشيء من الراحة الخفية. بعد ذلك تحدثنا عن أمور يومية عادية، ثم نامت أمي في موعدها المعتاد. كان صوت أنفاسها المتعبة بعد كل ما قامت به خلال النهار يملأ الغرفة بالسكينة. ولم تبدأ أفكاري المضطربة بالهدوء إلا بعد أن رأيت وجهها النائم بسلام.
استقرت أنفاسي، وصفا ذهني تدريجيًا.
عينان زمرديتان…
هل يمكن حقًا أن يكون الشخص الذي رأته أمي، والذي يملك العينين نفسيهما، هو أبي؟
وإذا كان أبي فعلًا فماذا يعني ذلك؟
خلال عملي على مشروع أداة التتبع، تخيلت مرارًا وتكرارًا أي نوع من الرجال قد يكون.
فلكي أضع خطة البحث كاملة، كان عليّ أن أفهمه جيدًا.
وفي مخيلتي، كان دائمًا نبيلًا من نبلاء العاصمة، منخرطًا في دهاليز السياسة المركزية لكن ربما كنت مخطئة في ذلك أيضًا.
جزيرة لابيران، الواقعة في الجنوب الغربي، كانت مكانًا يقصده الناس ليستريحوا أو ليعيشوا بهدوء بعد أن يتخلوا عن كل شيء.
وإذا كانت شكوكي صحيحة، فربما كان قد أسس عائلة جديدة هنا، وعاش حياة هادئة ومستقرة.
ولو كان الأمر كذلك فلن يكون لديه أي سبب ليمنح أمي الدواء بل ربما قد ينكر وجودنا أصلًا.
كلما فكرت أكثر، ازدادت الاحتمالات قتامة فأجبرت نفسي على التوقف، قريبًا، ما إن يكتمل جهاز التتبع، سأعرف الحقيقة.
لا جدوى من التعلق بأسرار لم يحن وقت كشفها بعد.
الآن، عليّ أن أبقى واقعية، أن أستعد للأسوأ.
إذا رفضني أبي وإذا لم يتبقَّ أي طريق آخر فلن يبقى أمامي سوى اللجوء إلى ذلك الرجل.
عاد إلى ذهني فجأة الرجل الذي رأيته في العربة على الطريق الرئيسي، التصقت صورته بأفكاري كظلٍّ ثقيل.
لماذا كان هناك؟ هل تبعني؟
ربما غضب لأنني غادرت العاصمة دون أن أخبره، فجاء ليواجهني.
كان بالتأكيد من النوع الذي قد يفعل شيئًا كهذا لكن لو كان قد جاء فعلًا من أجلي، لما تركني أرحل بهذه السهولة.
ذلك لا يشبه شخصيته أبدًا، كما أنه من غير المنطقي أن فرسان بلانشيت النخبة، المشهورين بمهاراتهم التي لا تضاهى، لم يتمكنوا حتى الآن من العثور عليّ، ربما كان قد جاء إلى الجزيرة لسبب مختلف تمامًا ومع ذلك كان هناك شيء في عينيه لا يزال يزعجني.
تلك العينان الحمراوان المميزتان لم تُظهرا أي مشاعر عندما رآني.
وكأنه كان يعرف كل شيء مسبقًا.
لم يحاول إيقافي.
لكنني كنت متأكدة من أمر واحد دون أدنى شك، لقد كان يعلم أنني هنا، إلى أي مدى يعرف عني؟
بدأ الخوف يتسلل ببطء إلى داخلي، ينهشني من الأعماق.
نجحت في تجنبه هذه المرة لكن هل سأتمكن يومًا من الهرب منه حقًا؟
ورغم كل ذلك القلق، انقضى الوقت الذي قضيته مع أمي بسلام، لم يظهر الرجل مرة أخرى ولم تستعد أمي ذكرى هوية الشخص الذي رأته، كان المشهد أكثر جمالًا من أي وقت مضى.
وكان الهواء دافئًا، كأن الآلهة باركت ذلك اليوم.
وكل طبق جديد تذوقته ناسب ذائقتي على نحو مثالي.
وعندما صعدنا إلى القارب ونظرنا إلى البحر المتلألئ تحت الضوء، أدركت أخيرًا أننا سنعود إلى العاصمة.
وفي طريق العودة بعد بضعة أيام فقط، ظل شعور خافت بالحنين معلقًا عند أطراف قلبي، كقطرة مطر تتشبث بورقة شجر.
بدا أن أمي تشعر بالأمر نفسه.
فعلى الرغم من إرهاقها الواضح، كانت تقاوم النوم، ترفع جفنيها المثقلين وتحارب النعاس. وكانت نظراتها المستمرة إلى الخارج تحمل حزنًا بريئًا، كأنها تلقي نظرتها الأخيرة على مكان قد لا تراه مجددًا.
هل سنعود إلى هنا يومًا؟ بالطبع سنعود، سنزور أماكن جميلة معًا، سنطلق الأمنيات، وأحيانًا سنضيع وسط الحشود.
سمحت لنفسي بأن أصدق أن هذه الأشياء ستكون جزءًا من مستقبلنا أيضًا ورسمت في قلبي أملًا هادئًا لما ينتظرنا لكن كل شيء يبدو كاملًا أكثر مما ينبغي يأتي معه دائمًا ظلٌّ من الخوف.
ماذا لو كانت هذه السعادة مجرد حلم عابر؟
ماذا لو اختفت في اللحظة التي أمد فيها يدي لأمسك بها؟
ربما كان هذا هو الشعور الذي يراود من يقف على حبلٍ مشدودٍ في أعلى السماء، ينظر إلى منظر أخّاذ وهو يعلم أن خطوة واحدة خاطئة قد تُسقط كل شيء.
كان العالم تحت قدمي يبدو جميلًا ومتألقًا كعادته لكنه بدا أيضًا هشًّا كفقاعة تتجه نحو حافة جرف سحيق.
***
أعادني صوت عجلات العربة المتدحرجة على الطريق إلى الواقع.
كنا قد دخلنا بالفعل الشوارع المألوفة، كانت العاصمة متألقة كما كانت دائمًا وأصحاب المتاجر يقفون في أماكنهم المعتادة، ينادون المارة بأصوات حفظتها عن ظهر قلب.
مررنا بهم دون توقف، ولم يمض وقت طويل حتى اجتازت العربة بوابات القصر الإمبراطوري. وبعد أن جمعنا أمتعتنا واتجهنا إلى مقر الإقامة، غرقت أمي سريعًا في نوم عميق.
كانت ساكنة إلى درجة أنني بالكاد أسمع أنفاسها.
وبينما أحدق في وجهها الهادئ، استلقيت إلى جوارها.
وسرعان ما اجتاحني إرهاق ثقيل وسحبني إلى النوم.
***
في الحلم، انفتح أمامي عالم يشبه لوحة مرسومة، كانت أمي تبتسم.
وفوقها امتدت سماء متوهجة بألوان الغروب الناعمة.
وتحتها انتشرت قرية زاهية الألوان فوق أرض واسعة هادئة.
بدا المثلج الذي تحمله في يدها حلوًا إلى درجة أنني كدت أتذوقه.
ونسيم لطيف مر بجانبي، باردًا ومريحًا.
شعرت وكأن هذه السعادة ستدوم إلى الأبد.
كان المشهد رقيقًا وحلوًا كغزل البنات، ودفء شمس الربيع يلامس بشرتي، والأزهار تتدلى فوق رأسي متفتحة بكامل رونقها.
“أمي؟”
ركضت نحوها مبتسمة لكن في تلك اللحظة بدأت الأزهار تتساقط وانهمرت البتلات على الأرض كعاصفة ناعمة وفجأة أصبح ذلك المشهد الجميل ثقيلًا ومؤلمًا على نحو غريب.
بدأ الغروب الذي كان يحتضن أمي بلطف يتلاشى، اختفى الضوء وحلّت مكانه سماء حالكة كسواد منتصف الليل ثم أخذ جسدها ينهار ببطء.
امتلأت عيناي بالدموع، وانسابت على وجهي بينما أصرخ:
“أمي… أمي؟”
وفجأة رأيت الليدي بيوشيل واقفة بجانبها.
وخلفها، في البعيد، رأيت عيني الرجل الحمراوين تلمعان بوضوح وسط الظلام.
شهقت بحثًا عن الهواء، وكان كل نفس ألتقطه يبعث ألمًا باردًا في صدري.
لقد كان كابوسًا، كابوسًا صنعه خوفي.
منذ أن وقفت وجهًا لوجه أمام الليدي بيوشيل أو ربما منذ أن دخلت فندق ذلك الرجل لم أشعر بالطمأنينة ولو لمرة واحدة.
وكأنها عادة متكررة، سارعت إلى التحقق من أمي لأتأكد أنها لا تزال نائمة بسلام.
راقبت صدرها وهو يرتفع وينخفض وعندها فقط بدأ نبضي يهدأ.
لا أعرف كم نمت لكن الليل المظلم كان قد انقضى بالفعل.
وكانت الشمس تشرق ناشرة نورها فوق العالم.
أعادني التوهج الأحمر الرقيق للفجر إلى الواقع.
اليوم هو ذلك اليوم، اليوم الذي يجب أن أذهب فيه إليه.
وعلى غير العادة، اختار النهار بدلًا من الليل.
حدقت في الخط الأنيق المكتوب على الورقة الموضوعة فوق الطاولة.
【الساعة الواحدة ظهرًا – فندق ماريوت.】
في الليل، على الأقل، تستطيع الظلال أن تخفي بعض الأشياء أما الفندق المغمور بضوء النهار الساطع فسيبدو أقرب إلى الجحيم.
مع أن ذلك لا يغير شيئًا في الحقيقة.
تنهدت بهدوء، وأدركت مرة أخرى كم بدت جزيرة لابيران أشبه بحلم جميل وأن تلك المهلة القصيرة من الهروب انتهت بالفعل.
***
أصبح الطريق إلى الفندق بالعربة مألوفًا أكثر مما ينبغي.
وكان ذلك مثيرًا للسخرية، كأن المرة الأولى التي ارتجفت فيها طوال الطريق لم تحدث أصلًا.
فالانعكاس في النافذة الآن كان يحمل ملامح لا مبالية.
كشخص يسير ببساطة في الطريق الذي كُتب له.
ومع ذلك كنت أكره ذلك الانعكاس.
أكره مدى اعتيادي على كل هذا لكن، بطريقة ما، شعرت بالارتياح، ارتياح لأنني متجهة إلى الفندق، لا إلى نزهة أخرى كما حدث سابقًا خصوصًا بعد لقائي بالليدي بيوشيل.
كان من الطبيعي تمامًا أن تهددني الليدي بيوشيل بذلك الشكل.
وعندما نزلت من العربة ورفعت رأسي، استطعت رؤية أعلى جناح في الفندق.
على الأرجح، هناك سيكون لقائي بذلك الرجل اليوم.
مرّ ما يشبه ظله خلف الزجاج للحظة.
ذلك الحضور الأحمر الذي كنت أربطه به دائمًا بدا وكأنه يتموج هناك في الأعلى. وفي تلك اللحظة، عادت إلى ذهني عيناه الحمراوان في جزيرة لابيران.
توتر جسدي كله كأنه يسلخني بنظراته وحدها.
كانت فكرة أنه قد يراقبني من هذه المسافة البعيدة سخيفة ومع ذلك بدت حقيقية للغاية.
وأثناء صعودي بالمصعد، حاولت التفكير فيما سأقوله عندما أصل.
لكن بدل الكلمات خرجت مني تنهيدة أخرى فالحقيقة أنه لم تكن هناك حاجة للتفكير، ما يجب عليّ فعله قد تقرر بالفعل.
ومع انعدام الخيارات، لن يجلب التفكير سوى مزيد من التشوش.
انفتح الباب وفي اللحظة نفسها التقت عيناي بعينيه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.