الفصل 88: 88
88
الفصل الثامن والثمانون
ظلّت عينا كاسيان معلقتين بزاوية ذلك الزقاق، لا تتحركان، لوقتٍ طويل. كان يراقب المكان الذي اختفى فيه الدوق ديفيرون.
في وسط الشارع المزدحم، كان والده يلفت الأنظار أكثر مما ينبغي ليستطيع أحدتجاهله،ه ذلك الركض اليائس، الشبيه بحالة من الشرود المسحور، والذي كانت تقوم به حذاؤه اللامعة المصقولة بعناية، توقف فجأة أمام بسطة أحد الباعة.
ثبتت عينا ديفيرون الخضراوان الداكنتان على شيء يقع خلف البسطة وعلى الجانب الآخر امتد زقاق ضيق ثم اختفى داخله.
لا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك.
لا، لا ينبغي أن يكون كذلك.
ترجّل كاسيان من العربة وبدأ يسير في الاتجاه الذي سلكه والده.
وببطء، أخذ الزقاق يتكشف أمامه. كان مختلفًا تمامًا عن الطريق المشرق الذي غمرته أشعة الشمس قبل لحظات.
هذا المكان ضيق، هادئ، وخالٍ من المارة وفي وسطه وقف والده، حتى إنه لم ينتبه إلى اقتراب ابنه منه. كانت عيناه المضطربتان تجولان في كل اتجاه، كمن أضاع شيئًا ثمينًا للغاية. أما تصرفاته، فلم تكن تشبه إطلاقًا الوقار الأرستقراطي الذي اعتاد الحفاظ عليه، كانت عيناه ترتجفان كأنهما تطاردان شبحًا وخطواته مترددة. كان واضحًا أن شيئًا ما قد زلزل أعماقه، وفجأة اندفع من جديد، ركض عبر الزقاق واختفى مرة أخرى. بدا وكأنه لا يعرف حتى إلى أين يذهب، كمن يطارد جوهرة ضائعة.
راقب كاسيان ظهر والده المتواري في البعيد، فيما كانت أطراف سترته ترفرف خلفه.
أطلق ضحكة خافتة لكن الابتسامة اختفت سريعًا.
تبًا.
برزت الأوردة فوق قبضته المشدودة.
بعد كل ذلك الجهد لإبقاء الصندوق مغلقًا أجبره والده على الانفتاح بنفسه في النهاية.
ففي وقت سابق، لم يدخل ذلك الزقاق سوى شخصين، تلك المرأة ووالدتها، لم يكن هناك أحد غيرهما ولا يوجد أحد غيرهما الآن.
إذًا، فالكنز الذي كان يبحث عنه لا بد أنه هي أو بالأحرى، والدتها، الكنز المدفون داخل الذكريات، الكنز الذي ينتمي للماضي أكثر من أي شيء آخر لا بد أنه هي.
كل شيء كان يتطابق بشكل مثالي أكثر مما ينبغي.
لو رآها شخص لأول مرة اليوم، لظن أنها بالكاد تجاوزت الثلاثين.
لكن كاسيان كان قد اطلع على ملفها في ألفونس.
وعمرها كان مطابقًا تقريبًا لعمر والده.
امرأة من عامة الشعب، سندريلا. لا، ليست سندريلا بل سندريلا فاشلة.
كم كان الأمر مثيرًا للسخرية.
مرر كاسيان يده بين خصلات شعره الأشقر.
وفي كل مرة فعل ذلك، ازدادت التجاعيد بين حاجبيه عمقًا
ثم قبض على مقدمة قميصه، كأنه عاجز عن التنفس.
شد القماش بقوة وارتفع صدره وهبط بأنفاس ثقيلة.
ارتسمت ابتسامة مُرة على طرف شفتيه.
حتى الآلهة، رغم جنونها، نطقت بحقيقة واحدة.
لقد حذرت البشر دائمًا من فتح صندوق باندورا.
والآن لأنه لم يصغِ لذلك التحذير أُلقي في طريقه شيء لا يُصدق.
كان الأمر عبثيًا إلى درجة لا تسمح باعتباره مجرد مصادفة
بل بدأ يتساءل إن كان هذا لعنة فعلًا.
لكن في الحقيقة لم يكن من الضروري أن يتحول الأمر إلى قضية ضخمة، مجرد امرأة تشبه أخرى. كان ذلك وحده كافيًا لإنهاء الموضوع، لولا تلك الفكرة المستحيلة التي خطرت بباله.
“هل أنت بخير؟”
اخترق صوت تيوبه أفكاره لكن كاسيان لم يُجب وكأنه لم يسمع شيئًا أصلًا. كانت ضحكته قد تلاشت بالفعل، تاركة خلفها شيئًا أكثر ظلمة أما ملامحه، فقد التوت بتعبير يصعب تفسيره.
“سيدي؟”
عندما رفع كاسيان رأسه أخيرًا، كانت عيناه الحمراوان تمتلئان بشيء عميق وخطير وانسحبت ابتسامة مائلة إلى أحد جانبي فمه.
مرت صور تلك المرأة ووالدتها في ذهنه، إنها تشبهها تمامًا.
وقد قالت من قبل إنها لا تعرف أباها، فتاة بلا أب معروف.
اسمها يوريسييل، لا تملك اسم عائلة.
ومع ذلك فاسمها يبدو نبيلًا أكثر مما ينبغي لابنة من عامة الشعب.
همس بالاسم بصوت خافت.
“يوريسييل…”
حتى ذلك الاسم الجميل بصورة ملعونة هل من الممكن أن والده هو من منحه لها؟
وبعد أن رأى شيئًا سخيفًا إلى هذا الحد بدأت أكثر الأفكار جنونًا تتخذ شكلًا حقيقيًا داخل رأسه.
عاد إليه صوت أمه الصارخ، حادًا وغاضبًا كما كان دائمًا.
〈”اعثر على تلك المرأة، حتى لو اضطررت لملاحقتها إلى أعماق الجحيم. ولو أنجبت تلك المرأة طفلًا…”
“ماذا ستفعل إن ظهرت يومًا أمامك ومعها ذلك الطفل؟”〉
في مهب الريح، بدأت صورة يوريسييل تتبدد كضباب الصباح.
ومجرد نطق اسمها جعله يضحك بعدم تصديق.
تفتت أنفاسه في الهواء كقطع زجاج مكسورة.
لكن لم يكن هذا وقت الضحك، تلك المشاعر يمكن تأجيلها إلى ما بعد إلى أن يعرف أولًا هل هذا عقاب إلهي؟
أم مجرد حادثة شاذة لا أكثر؟
أخرج كاسيان سيجارًا وأشعله، ارتفع الدخان ببطء في الهواء الساكن ومع كل خيط دخان يصعد إلى الأعلى كان وجه يوريسييل يعود إليه من جديد، يظهر ويختفي كالشبح وكأنه مسحور بها.
خرج صوته منخفضًا، بالكاد يُسمع.
“امرأة مجنونة…”
كان تيوبه يسير خلفه بصمت وقد خيم القلق على وجهه وهو يراقب سيده دون أن يتكلم.
في الحقيقة، كان تيوبه مترددًا أصلًا في تسليم التقرير الذي وصله قبل قليل. فرب الأسرة قفز فجأة من العربة وانطلق راكضًا داخل أحد الأزقة ثم تبعه سيده مباشرة.
هل كان هذا نوعًا من ألعاب المطاردة؟ لكن ذلك مستحيل.
فهذان الاثنان ليسا من النوع الذي يلعب مثل هذه الألعاب.
عائلة بلانشيت مشهورة برقيها المبالغ فيه ونبلها المتجذر.
هؤلاء هم الأشخاص أنفسهم الذين يستطيعون القراءة بلغة لوفر منذ سن الثالثة، ويمشون بأناقة الأرستقراطيين بالفطرة.
لا يعقل أن يتصرفوا بهذه الصورة. ومع ذلك كان سيده يضحك كالمجنون في لحظة ثم يغرق في الصمت في اللحظة التالية وتتغير تعابير وجهه باستمرار بشكل يصعب التنبؤ به.
لم يعد تيوبه يفهم شيئًا.
وعندما أعاد التفكير في الأمر وجد أن كل شيء بدأ منذ اللحظة التي رأى فيها تلك المرأة، تلك المرأة التي كانت تزور الفندق باستمرار والتي بدت وكأنها تفكك كاسيان قطعةً قطعة.
هي أيضًا ظلت تحدق فيه عبر نافذة العربة لفترة طويلة وكاسيان لم يستطع أن يرفع عينيه عنها كذلك لذلك بدا الافتراض القائل إن الأمور هدأت بعد زيارة الليدي بيوبيوشيل مضحكًا للغاية.
إحداهما كانت شاحبة الوجه والآخر بدا وكأنه يستمتع بالمشهد.
العلاقة الغريبة نفسها، العلاقة التي لم يستطع أحد فهمها.
لكن ذلك شأن كاسيان أما رب الأسرة؟
فلماذا تصرف بتلك الطريقة؟
كانت المشاعر تتلاطم بين الرجلين كالأمواج لكن لم يكن أحد قادرًا على تحديد ماهيتها.
هل يعيشان مراهقتهما من جديد أم ماذا؟
تنهد تيوبه وهو ينظر إلى ملامح كاسيان الحادة والمضطربة ثم فكر:
‘ربما كان الأمر منطقيًا بطريقة ما، فبمجرد أن رأت تلك المرأة كاسيان شحبت وركضت هاربة مرة أخرى.’
***
منذ اللحظة التي تراه فيها تعجز عن التنفس بشكل صحيح.
لم يسبق لها أن دخلت ذلك الفندق دون أن تشعر بالاختناق.
لكن الأمر كان يقتصر عادة على أنفاس متقطعة وسطحية.
أما هذه المرة فقد بدا وكأن يدين تخنقان عنقها مباشرة.
لقاؤه في الفندق خلال عطلات نهاية الأسبوع كان أمرًا متوقعًا أما رؤيته هنا، على جزيرة لابيران فذلك شيء لم يخطر ببالها قط.
في اللحظة التي رأته فيها هوى قلبها إلى الأسفل.
شعرت كأنها فريسة وقعت في مصيدة، ترتجف بلا سيطرة.
حتى مع وجود نافذة العربة بينهما بدت عيناه الحمراوان وكأنهما تخترقانها، وتقيدانها بسلاسل غير مرئية ومن دون أن تدرك ما تفعله أمسكت يد والدتها وركضت، كان ذلك أفضل من السابق أو بالأحرى هكذا أقنعت نفسها.
ففي هذه المرة على الأقل، تمكنت من النظر إليه مباشرة وتحيته بشكل لائق. لم تكن تنوي السماح لذلك الرجل بإفساد الوقت الثمين الذي تقضيه مع أمها. ولحسن الحظ وصلتا إلى النُّزل الواقع في وسط الجزيرة دون أن يتبعهما.
ومع ذلك، لم يهدأ قلبها. لم تستطع التخلص من الخوف من أن يظهر فجأة خلفها في أي لحظة، ويطاردها كما فعل في ذلك اليوم. فقط عندما خرجت أخيرًا من مجال رؤيته بدأ نبضها يهدأ تدريجيًا.
التقطت أنفاسها بصعوبة.
وعادت قدرتها على التنفس شيئًا فشيئًا وعندها فقط انتبهت إلى والدتها، كان وجهها شاحبًا، وعيناها المرفوعتان نحو ابنتها تمتلئان بذعر صامت.
“إيل…”
بالطبع كانت مرتبكة فابنتها ركضت فجأة دون أي تفسير.
وما إن أدركت يوريسييل ذلك، حتى سارعت إلى الشرح.
“أمي، السبب الذي جعلني أركض قبل قليل هو…”
لكنها توقفت لم تعرف كيف تفسر الأمر، إلا أن والدتها تكلمت أولًا، قاطعة الصمت بلطف.
“لقد رأيته.”
“من؟”
كان صوت والدتها ثابتًا لكن كلماتها أوقفت قلبها.
هل تقصد ذلك الرجل؟
لكن لم يكن من المفترض أن يكون رد فعل والدتها هكذا فهي بالكاد تتذكر ما حدث في ألفونس وحتى إن عادت إليها بعض الذكريات فمنذ وقت ليس ببعيد كانت تشكره بنفسها فهو من أنقذها من لورد ألفونس.
لم يكن هناك سبب يجعلها تخشاه، هي لا تعرف ولا يمكنها أن تعرف، لا تعلم شيئًا عما حدث بينهما ويجب ألّا تعرف أبدًا.
نظرت يوريسييل إلى والدتها بقلق أما عيناها الزمرديتان اللتان كانتا ترتجفان قبل لحظات فقد هدأتا ببطء ثم استقرتا بالكامل على ابنتها.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.