الفصل 87: 87
87
الفصل السابع والثمانون
“وبالطبع، فإن بيوشيل ابنتنا فتاةٌ ذات خُلُق رفيع وتربية لا تشوبها شائبة. لم تكن لتقبل عروض أولئك الشبان بسهولة.”
ظلّ كاسيان محتفظًا برباطة جأشه، باستثناء اللحظة التي نطق فيها دوق بيريوت بهذه الكلمات. راقب ديفيرون ابنه بهدوء.
وبينما كان كاسيان جالسًا ببرودٍ مهذّب، غير متأثر إطلاقًا بعبارات المديح التي أُغرقت بها الآنسة بيوشيل وجمالها، كان مركيز ويسترنرود يتقلّب بين الاحمرار والشحوب، وقد بدا واضحًا أنه شعر بالإهانة أما ديفيرون، وعلى عادته الهادئة اللطيفة، فقد بذل جهده لتخفيف استياء المركيز المتصاعد.
كان طريق العودة بالعربة غارقًا في الصمت والرسميات الباهتة.
وذلك أمر طبيعي؛ فالأب والابن اللذان لم تجمعهما يومًا علاقة وثيقة، حين يضطران لقضاء رحلة طويلة داخل عربة واحدة، يصبح الأمر عبئًا أكثر منه فرصة للتقارب.
داخل العربة، تكرر النمط المعتاد. كان ديفيرون يطرح الأسئلة بصوت دافئ، بينما يجيب كاسيان بعبارات مقتضبة وباردة.
“نعم.”
أو:
“إن كان هذا ما تراه.”
إجابات خالية من أي شعور. وكان سماع ابنه يتحدث بذلك الأسلوب يبعث القلق في نفس ديفيرون . فطبيعة كاسيان البعيدة ذكّرته بوالده الراحل على نحوٍ يصعب تجاهله.
حركاته، جلسته، وحتى طريقته في اختيار الكلمات جميعها كانت تحمل ذلك البرود القاسي ذاته.
أدار ديفيرون رأسه ونظر إلى ابنه، متأملًا ملامحه التي يستحيل قراءتها. لم يكن هناك أي اختلاف بين الوجه الذي رآه الآن والوجه الذي رآه قبل ساعات على مائدة آل ببيريوت.
“هل يوجد شخص آخر تهتم لأمره؟”
أدار كاسيان عينيه الحمراوين الحادتين نحوه ببطء.
“وهل سيغيّر ذلك شيئًا؟”
“أنا أسألك إن كنت تنوي الزواج من الآنسة بيوشيل بيريوت.”
أجاب كاسيان:
“إن كنت تقصد أن زيجات النبلاء تقوم على الواجب لا الحب، فلا داعي لأن تقلق.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة نبيلة، تليق بوريث بلانشيت.
“لقد تعلمت منك. لن أتخلى عن مسؤولياتي. حتى لو تأذّى شخص ما أثناء ذلك.”
لطالما اشتهرت عائلات بلانشيت بصورة الاستقامة والنزاهة أمام العامة لكن خلف تلك الصورة كانت تختبئ جراح كثيرة.
وكذلك حال معظم البيوت النبيلة.
لامست السخرية زاوية شفتي كاسيان.
“لن يلحق أي عار بعائلة بلانشيت. ليس لديك ما تقلق حياله.”
ملأ صوته البارد الدقيق أجواء العربة، حتى بدا وكأنه جمّد الهواء من حولهما. ولو كان أي شخص آخر يجلس مع كاسيان في تلك العربة، لربما قفز منها هربًا منذ وقت طويل.
قال ديفيرون:
“أنا أطلب منك أن تكون صادقًا مع نفسك. أيًّا كان الطريق الذي ستختاره، إن لم تتعامل معه كما ينبغي، فستندم لاحقًا.”
رفع كاسيان حاجبه قليلًا.
“وهل ندمت أنت يومًا على شيء؟”
ومض في عينيه الحمراوين شيء يشبه التسلية.
لم تكن ابتسامة تمامًا، ولا ازدراءً كاملًا.
وجد كاسيان الأمر مثيرًا للسخرية إلى حدٍّ ما، أن يسمع هذه الكلمات تحديدًا من والده.
سواء أحبّ ديفيرون امرأة أخرى حقًا أم لا، فذلك لم يكن مهمًا.
المهم أنه لم يحاول حتى إخفاء مشاعره أمام ابنه.
ولو كان يمتلك شيئًا من ضبط النفس، لأخفى ذلك الجانب من نفسه على الأقل لكن عيني ديفيرون اهتزتا مجددًا بالعاطفة، عاجزتين عن إخفائها.
لم يسبق لكاسيان أن رأى المرأة التي قيل إنها تسكن قلب والده منذ عقود. ومع ذلك، كان حضورها قويًا إلى درجةٍ جعلته يشعر وكأنها موجودة دائمًا.
وبشكل غريب في تلك اللحظة تحديدًا، خطرت في ذهنه امرأة أخرى، شعر وكأن الجزء العنيد الذي ورثه عن أبيه قد بدأ يطفو إلى السطح.
تخيل شعرها، آلاف الخصلات التي تتمايل تحت وهج الشمس الحمراء ورأى بشرتها البيضاء في زبد البحر المتكسر فوق المياه الزرقاء الهادئة البعيدة، حتى أكثر تفاصيل العالم اعتيادية كانت تذكّره بها وكان ذلك يثير غضبه. مهما حاول، لم يستطع التوقف عن التفكير فيها كان الأمر لا يُطاق. وكاد يقتنع بأوهام سخيفة ما كان ينبغي أن تصل إليه أصلًا.
قال أخيرًا:
“من واجب النبلاء أن يخفوا الأمور. أن يتظاهروا بعدم وجود شيء حتى لو كان موجودًا. أليست هذه أعظم فضائلنا؟”
منذ اليوم الذي أُعلن فيه شفاؤه، كان قد تخلّى بالفعل عن ذريعة العمر القصير، كما تخلّى عن فكرة هجر آل بلانشيت أو التخلي عن مكانته النبيلة.
“هذا هو ثقل المكانة التي أحملها.
” بدا ديفيرون وكأنه يريد قول المزيد لكنه اكتفى في النهاية بهزة رأس.
“إذا كان هذا ما تشعر به… فليكن.”
ثم استدار نحو النافذة بصمت، يراقب المنظر الخارجي بعينين هادئتين وعاد الصمت ليملأ العربة من جديد.
واصلت العربة سيرها بسلاسة، حتى توقفت برفق عند أطراف إحدى القرى. كان من المعتاد التوقف خلال الرحلات الطويلة لأخذ قسط من الراحة لكن المشكلة كانت في المكان نفسه.
من بين كل الأماكن الممكنة كان لا بد أن تكون قرية لابيران.
كلما عاد والده من سفر، كان يتوقف هنا، في جزيرة لابيران.
وكان يردد دائمًا أنه لا يوجد مكان أفضل للراحة وكأنها عبارته المفضلة لكن كاسيان كان يملك فكرة تقريبية عما يقصده حقًا.
لا بد أن شيئًا ما يلمع هنا، شيء ثمين بالنسبة إليه.
فمجرد أنه لم يكتفِ بالتوقف في القرية، بل كان يقطع الطريق حتى هذه الجزيرة المنعزلة في كل مرة، كان كافيًا لإثبات أن الأمر مقصود. ولم يكن بحاجة لرؤية ذلك الشيء ليعرف ماهيته.
ومع ذلك، لم يحاول يومًا البحث عنه، ليس لأنه لا يفهم بل لأنه ببساطة لم يكن يريد أن يعرف ولهذا اختار أن يدير نظره بعيدًا.
كان الطريق المؤدي إلى الجزيرة مألوفًا.
فقد زار هذا المكان مرات كثيرة من قبل، وأثناء سيره تذكّر التقرير الذي وصله عبر تيوبه في وقت مبكر من ذلك الصباح.
〈”الآنسة بيوشيل بيريّو زارت الآنسة يوريسييل.”〉
يا لها من خطيبة مفعمة بالحيوية.
استطاع أن يتخيل المشهد بوضوح.
تلك المرأة جالسة أمام من تزعم أنها خطيبته، ويداها ترتجفان.
لابد أن ذلك جعلها تدرك بوضوح أكبر أنها لا تستطيع تركه.
طالما كان دواء والدتها في حوزته فلن تبتعد عنه أبدًا.
وحتى الآن، وجد نفسه يتساءل:
هل انهار وجهها من شدة الشعور بالذنب عندما سمعت ذلك؟
أم كان الخوف هو ما ارتسم عليه؟
وعندما يحلّ عطلة نهاية الأسبوع المقبلة هل ستقول له إنها تحبه كما تفعل دائمًا؟ أم ستواجهه، مطالبة بتفسيرٍ لماهيتها بالنسبة إليه، وما الذي تمثله تلك المرأة الأخرى، كما في المسرحيات المبالغ فيها؟
إذا كانت تقول إنها تحبه أفلا ينبغي أن تغضب؟ أفلا ينبغي أن تطالبه بإجابات؟
إذا كانت كلماتها تعني شيئًا فعلًا فلا بد أن يكون لها وزن.
تتابعت في ذهنه صور حية غريبة وفي قلبها جميعًا كان وجهها الشاحب المرتجف، وفجأة، اجتاحه شعور مزعج.
لماذا الآن؟
لقد حطّم تلك المرأة مرات لا تحصى، رآها تنهار ورأى كل تعبير يمكن أن ترتديه وهي تتألم فلماذا بات ذلك الوجه يزعجه الآن؟
بالطبع كان الأمر منطقيًا لأنها لم تعد تُظهر له ذلك الوجه وحده.
ينبغي لها أن تُظهره له هو فقط.
‘بعد ذلك، تقدمت بطلب إجازة، وسافرت مع والدتها إلى جزيرة لابيران.’
إذًا هي هنا، قريبة بما يكفي لدرجة أنهما قد يلتقيان في أي لحظة.
لم تكن لابيران جزيرة كبيرة واحتمال لقائهما كان واقعيًا تمامًا.
ومع ذلك، لم يتوقع أن يحدث الأمر بهذه السرعة.
بعيدًا عن العاصمة، بعيدًا عن الجدران والواجبات وفي هذا الفصل المشرق الهادئ كانت تبتسم.
ابتسامة أكثر إشراقًا من جميع الأزهار المتفتحة حولها، جميلة ومتألقة إلى درجة كادت تجعله ينسى كم مرة بكت أمامه.
ابتسامة بيضاء مبهرة كثلجٍ نقي.
اختفت أصوات الحشود من حولها تمامًا وتلاشت ملامح الناس القريبين حتى لم يبقَ في بؤرة نظره سوى هي.
وللحظة تباطأ العالم بأسره.
الطريقة التي تنظر بها إلى والدتها، والكيفية التي تتفتح بها ابتسامتها من أجلها وحدها كانت أشبه بزهرة بلغت ذروة تفتحها.
طريقة حديثها، طريقة حركتها. كان من المستحيل صرف النظر عنها، هذه المرأة، التي لا تتحدث عادة إلا نادرًا، والتي تبقى صامتة ما لم تُجبر على الكلام كانت الآن تتحدث وتبتسم وتضحك بلا توقف، مشهد نادر وغريب يكاد يبدو غير واقعي.
‘الآن فهمت.’
لم تكن قد فقدت ابتسامتها، لقد توقفت فقط عن الابتسام أمامي.
وبالطبع كان ذلك منطقيًا، ولا أعرف لماذا لم يفاجئني هذا الاكتشاف إطلاقًا. وهو يراقبها الآن، بابتسامة نقية بيضاء كفستان زفاف، تذكّر شيئًا فجأة.
منذ زمن، في ألفونس رآها تبتسم مرة واحدة فقط.
كانت تبتسم أمام ذلك الرجل ذي الشعر الفضي وقد سمع أنهما ما زالا يلتقيان بين الحين والآخر بل إن البعض يقول إنه يطاردها كما لو كانا يلعبان لعبة المطاردة وأنها تهرب منه مسرعة كأنها تحاول الإفلات، ومجرد تخيل ذلك كان يثير ضيقه لكن ابتسامتها عادت لتحتل أفكاره من جديد، مطيحة بكل ما عداها.
والآن بعد أن فكّر بالأمر لم تعد المرأة نفسها التي كانت آنذاك.
لا، بل الأدق أن يقول إن ابتسامتها تغيرت.
في الماضي كانت تشبه برعمًا على وشك التفتح، مترددًا وخجولًا أما الآن فقد بدت كزهرة متفتحة بالكامل في قلب الربيع.
ولسببٍ ما، ملأه ذلك برضا هادئ فارتفعت ابتسامة خافتة إلى شفتيه وفي أعماق صدره، أخذ شيء ما يغلي لم ينفجر لكنه كان يضطرم بحرارة كحممٍ منصهرة.
لقد كانت رغبة، رغبة جامحة متصاعدة.
نعم، لقد صار يرغب بها، في مرحلة ما من الطريق، بدأ يريد تلك المرأة. كانت امرأة حاول امتلاكها مهما بكت أو توسلت أمامه.
ولذلك ربما كان من الطبيعي تسمية الأمر بالرغبة لكن الآن وجد نفسه يريد شيئًا أكثر حماقة من ذلك، كان يريد ابتسامتها.
يا للسخف.
ثم عاد وفكر:
‘ومتى كنت أهتم أصلًا بما هو سخيف أو غير سخيف؟
إذا أردت شيئًا فسآخذه كما أفعل دائمًا.’
تذكّر أيامهما في ألفونس قبل وقت قصير، في ذلك اليوم، أظهرت له تعابير لم يرها عليها من قبل. كانت جريئة، حازمة، متوترة ثم كانت هناك ابتسامة خافتة وهي تتأمل المناظر لكنها لم تكن هذه الابتسامة، ولو استطاع أن يكون أول رجل يجعلها تبتسم بهذه الطريقة فسيصبح ذلك لحظة غريبة لا تُنسى في حياته.
وما إن وصل إلى نهاية هذه الفكرة حتى رفعت رأسها ببطء.
والتقت عيناهما وفي تلك اللحظة ما رآه في نظرتها كان الخوف، خوفًا خالصًا بلا أقنعة، متجمعًا كقطرات المطر داخل عينيها الزمرديتين.
وتموجت فيه رعشة خفيفة، كريحٍ تعبر فوق ماء ساكن.
شدّت يدها المرتجفة، وقد فاجأها الأمر، على ذراع والدتها.
ومع ذلك لم تنسَ أن تلقي التحية.
افترض أن ذلك أفضل من لقائهما الأول. في ذلك الوقت، كانت قد تشبثت بوالدتها وحاولت الفرار، قبل أن تقع في مرمى نظره.
وبالمقارنة مع ذلك كان هناك تقدم واضح.
هل يلاحقها؟ أم يتركها وشأنها؟
وبينما كان كاسيان يراقبها باهتمام متزايد، انطلق صوت بجواره، متعجلًا ومضطربًا.
“أنا… سأعود حالًا.”
لم تكتمل الجملة حتى، تلعثم والده بالكلمات، ثم فتح باب العربة على عجل ومن خلال الباب المفتوح، رأى كاسيان ديفيرون يركض بل بدا وكأنه يفرّ هاربًا، اندفعت خطواته نحو الخارج بسرعة مذهلة.
امتدت عبر الطريق ثم توغلت بين الحشود.
وكانت حركاته بعيدة كل البعد عن طبيعته المعتادة.
لم يبقَ أثر لتلك الهيبة الرصينة التي كان يرتديها كدرع.
اندفع مباشرة إلى قلب السوق ورفرفت بدلته الأنيقة بطريقة مضحكة وسط عامة الناس الملطخة ملابسهم بالشحوم والغبار.
ذلك الرجل الذي لطالما اهتم بمظهره، وحافظ على ابتسامة لطيفة للجميع، الدوق ديفيرون نفسه كان يركض هكذا.
ماذا رأى؟ هل وجد أخيرًا الشيء الذي ظل يبحث عنه طوال هذه السنوات؟
ارتسمت على شفتي كاسيان ابتسامة باهتة مريرة.
لكنها اختفت فورًا حين توقف الدوق ديفيرون فجأة في مكان لم يكن كاسيان ليتوقعه أبدًا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.