مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 86: 86نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 86: 86

86

الفصل السادس والثمانون 

لم يكن سوى خيالٍ نسجته مخيلتي، لكنني تشبثت به لأهدّئ اضطراب أفكاري. 

في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة سأضطر إلى رؤيته مجددًا. وهذا القدر من السعادة لن يدوم حتى أسبوعًا كاملًا. 

ومع ذلك، سمحت لنفسي بالاستمتاع به الآن، ولو قليلًا. 

رغم أنني كنت أعلم في أعماقي أنني لا ينبغي أن أفعل ذلك. 

وبكل وقاحة، كنت أعلم أنني على الأرجح سأخبره مجددًا بأنني أحبه، كنت أعرف أنني لا أستحق أن أشعر بالسعادة. 

لقد حذرتني الليدي بيوشيل. 

〈”هذه ستكون آخر مرة أُظهر فيها الرحمة.” 〉 

تلك العبارة بقيت عالقة في ذهني. 

وبعيدًا عن الشعور بالذنب، بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي. 

فقد ذكّرتني بأن هناك أشياء ما زلت مضطرة لحمايتها. 

لكن الفصول لا تكترث لمخاوف البشر. 

كان النهار مشرقًا وجميلًا ومن خلال النافذة، انسابت أشعة الشمس برفق فوق وجه أمي النائم. 

بدت هادئة، ولم تفتح عينيها إلا بعد أن توقفت العربة. 

بعد نزولنا منها، اتجهنا نحو المرسى. 

كان الطريق المؤدي إلى جزيرة لابيران مليئًا بمناظر لم أرَ مثلها من قبل، على جانبي الطريق ارتفعت الأشجار الكثيفة شامخة، بينما راحت بتلات وردية تتراقص مع النسيم فوق رؤوسنا. 

عبرنا جسرًا خشبيًا طويلًا تحت سماء زرقاء صافية حتى بدت مؤلمة للنظر من شدة نقائها، وعلى الجانب الآخر كان البحر يتلألأ تمامًا كما ظهر في الخرائط. 

اقترب قارب صغير ليقلّنا عبر المياه، كان ظهيرة هادئة من أيام الأسبوع، والقارب شبه خالٍ، مما أتاح لنا مساحة واسعة للاسترخاء وحين صعدنا إليه، داعبتنا نسمة بحرية لطيفة. 

وتسلل دفء الجو بهدوء إلى صدري. 

مقارنة بالبرد القاسي الذي عانيناه في الأشهر الماضية، بدا هذا المناخ المعتدل وكأنه دواء للروح. 

وعندما وصلنا إلى الجزيرة، امتلأ الهواء بعطر طبيعي حلو. 

ربما كان السبب مجرد سعادتي بالابتعاد عن كل شيء، لكن الرائحة بدت حقيقية تمامًا، كانت روائح الأزهار تختلط بعبق الغابة وفي الداخل انتشرت منازل بيضاء صغيرة متجاورة، تشبه حصىً ناعمًا متناثرًا على الأرض. 

سجلنا دخولنا إلى أحدها، ودفعنا الأجرة، ورتبنا أمتعتنا ثم خرجنا لنتجول في القرية. 

كنت قد درست الخريطة مسبقًا، لكن أمي، بخلافي، بدت وكأنها تتذكر كل طريق وكل منعطف. وفي كل مرة تتعرف فيها على مكان، كانت تشرق بالسعادة كأنها تعثر على كنزٍ مخبأ. 

تجولنا بمحاذاة جدولٍ يمر عبر الغابة، وزرنا السوق المحلي، وتناولنا الطعام بينما يتردد حولنا صوت الشواء والطبخ. 

ولم تفارق الابتسامة وجه أمي طوال الوقت. 

وأنا أيضًا كنت أبتسم، حتى أبسط الأطعمة وأبسط المناظر كانت ترفع معنوياتي. شعرت كأنني طفل يخوض رحلته الأولى. 

وفي أحد الأماكن توقفنا أمام صخرة ضخمة، وصنعنا أمنياتنا مثل بقية الزوار. 

“ما الأمنية التي تمنيتها؟” 

“يقولون إنها لا تتحقق إلا إذا بقيت سرًا.” 

ابتسمت لها، فابتسمت لي بدورها. 

بعد ذلك واصلنا الحديث والضحك حول أمور بسيطة لا قيمة لها 

لكن دفئها ملأ قلوبنا. ومع استمرار الحديث، بدأت ذكرياتها تعود إليها شيئًا فشيئًا وفي هذه الأماكن التي أراها للمرة الأولى، راحت تتذكر أبي، تذكرت ابتسامته، وتذكرت لطفه، وتذكرت دفأه الذي كان يشبه شمس الربيع. في العادة كنت أتجنب الحديث عنه لكن هذه المرة اكتفيت بالاستماع. كانت هذه أول مرة أرى فيها أمي سعيدة إلى هذا الحد ومجرد معرفة أن شخصًا ما منحها يومًا ذكريات جميلة كهذه جعلني أتساءل: 

‘هل يمكن أنه كان رجلًا صالحًا فعلًا؟’ 

لكنني كنت أعلم أيضًا أنني لا أفكر فيه بدافع البراءة. 

كنت أحاول جمع أي معلومة عنه، كنت أنوي استغلاله 

فقد كنت قد حسمت أمري بالفعل. 

مهما كان أبي، فلا بد أن يكون خيارًا أفضل من البقاء أسيرة لذلك الرجل. هذا ما شعرت به منذ اليوم الأول الذي استدعيت فيه إلى الفندق وبعد زيارة الليدي بيوشيل، أصبح قراري نهائيًا. 

من المرجح أن مشروع جهاز التتبع سيُنجز بحلول الربع القادم من السنة. وحينها سأمتلك أخيرًا خيارات أخرى. 

ولم يبقَ لي سوى أمل واحد، أن يكون أبي رجلًا صالحًا. 

ولعل عزائي الوحيد أن كل ما سمعته عنه حتى الآن كان يوحي بأنه كان طيبًا في ذكريات أمي. بالطبع، الذكريات تُجمّل الماضي دائمًا، وربما بدا كذلك فقط لأنه أصبح جزءًا من الماضي لا أكثر. 

وكأنها قرأت الشكوك التي تدور في رأسي، مدت أمي يدها وأمسكت بيدي برفق. 

“إيل… أرجوكِ، لا تكرهي والدكِ كثيرًا.” 

كانت عيناها الزمرديتان، اللتان ورثتهما عنها، مملوءتين بالقلق. 

في الظروف العادية كنت سأجيبها بانزعاج، متسائلة كيف يمكنني ألا أكرهه لكن الكلمات لم تخرج هذه المرة. 

لم أرد أن أمحو تلك الابتسامة من وجهها. 

وفي الوقت نفسه، لم أستطع التظاهر بأنني سامحته. 

“سأحاول.” 

ابتسمت ابتسامة باهتة، فشدّت على يدي بقوة. 

وفجأة شعرت برغبة في سؤالٍ طالما أردت طرحه. 

“أمي، هل يمكنني أن أسألكِ شيئًا؟” 

“بالطبع.” 

“لماذا تركنا؟” 

امتلأت عيناها بمشاعر معقدة وهي تنظر إليّ. 

وبدت حزينة للغاية، حتى إنني ندمت فورًا على السؤال. 

“لا داعي للإجابة إذا لم ترغبي في ذلك.” 

خفت بريق عينيها الزمرديتين وتحول إلى أخضر داكن عميق. 

ترددت، تحركت شفتاها، لكن الكلمات لم تخرج مباشرة ثم قالت أخيرًا بصعوبة: 

“لم يكن والدكِ هو من تركنا يا إيل.” 

كان صوتها خشنًا كاحتكاك الورق الخشن بالجلد أما الكلمات التالية فكانت أثقل من ذلك بكثير. 

“أنا من تركته.” 

كانت هذه أول مرة أسمع فيها شيئًا كهذا فأمي كانت دائمًا تتجنب الحديث عن أبي، قالت إنها هي من رحلت عنه. 

هي… من رحلت؟ 

احتجت إلى لحظة كاملة لأستوعب المعنى وحين فعلت، شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي وكأنها أرادت أن تؤكد لي أنني لم أسمع خطأ، بدأت الدموع تتجمع بوضوح في عينيها. 

“أنا آسفة.” 

مدت ذراعيها فجأة واحتضنتني بقوة. 

كان دفء عناقها يثبتني في مكاني، لكن للحظة قصيرة فقط. 

“ما الذي تقولينه؟ ولماذا تعتذرين أصلًا؟” 

لكنها واصلت تكرار الجملة ذاتها بصوت ثابت. 

“كنت ضعيفة.” 

لم يكن هذا ما أردت سماعه، لم أقصد أن ينتهي الأمر هكذا. 

ولو كنت أعلم أن السؤال سيقودنا إلى هذه النتيجة، لما طرحته أبدًا، اجتاحني الندم بعد فوات الأوان. 

“أرجوكِ، لا تقولي ذلك.” 

قالت إنها تركت أبي لكن هذا لا يعقل. قد تلوم نفسها الآن، لكنني أعرف جيدًا أنها ليست من النوع الذي يؤذي الآخرين عمدًا، لابد أن هناك سببًا، لابد أن شيئًا ما أجبرها على مغادرة الرجل الذي أحبته رغم أنها كانت تحمل طفله. 

تذكرت صفوف الكتب الباهظة التي كانت تملأ منزلنا قديمًا. 

وبدا الجواب واضحًا إلى حدٍ يصعب معه التنفس. 

ومع ذلك، تحت طبقات الحزن واللوم، بدأت أسئلة أعمق بالظهور. 

هل ما زال أبي يفكر بها؟ أم أنه نسي كل شيء ومضى ليؤسس عائلة جديدة؟ هل يعلم أصلًا بوجودي؟ وإذا التقينا وجهًا لوجه يومًا ما أي تعبير سيرتسم على وجهه عندما يراني؟ إذا كان يعيش سعيدًا وقد نسي كل شيء فهل سيلتوي وجهه بالذنب؟ 

تخيلت أسوأ الاحتمالات، أن ينظر إليّ باشمئزاز، أن ينكرني تمامًا بعينين باردتين حادتين كشخص بالغ يحاول محو خطأ قديم من حياته. 

لم تكن هذه أول مرة أتخيل مثل هذه الأمور ولذلك لم يعد هناك ما أخشاه ومع ذلك شعرت بالإرهاق. ربما كان جزء صغير مني يأمل في شيء آخر. 

أطلقت ضحكة جافة ودفعت كل تلك الأفكار إلى أقصى زاوية من ذهني. بمجرد إطلاق جهاز التتبع، سيبدأ كل شيء لا داعي لأن أعذب نفسي بكل السيناريوهات الأسوأ قبل أن تقع أصلًا. 

صحيح أن توقع الأسوأ يساعد أحيانًا على الاستعداد لكنه في أحيان أخرى لا يفعل سوى تحميلك خوفًا لا فائدة منه لذلك قررت أن أفرغ رأسي من كل شيء. 

كان النسيم العليل يحمل روائح زكية، وكان المذاق الحلو الذي يذوب على لساني كافيًا لملء كل لحظة. 

لم يكن هناك وقت للتفكير في أي شيء آخر. 

ولحسن الحظ، أصبحت أمي مؤخرًا تنسى الأشياء بسرعة، حتى ما حدث قبل دقائق قليلة. 

وسرعان ما عاد النشاط والحياة إلى وجهها وتفتحت ابتسامتها كأنها وردة في ذروة تفتحها. 

نعم، كانت هذه رحلتنا الأولى، رحلة ساحرة وجميلة على نحوٍ أخّاذ ولن أفسدها بالدموع كحمقاء فالحقيقة ستنكشف في النهاية مهما حاولنا تأجيلها. 

وما إن تخلصت من همومي، حتى أصبحت خطواتي أخف وأنا أصحب أمي بين أزقة السوق. 

إلى أن وقعت عيناي على ذلك الشعار المألوف. 

‘بلانشيت…؟’ 

لابد أنني مخطئة، لا يمكن أن يكون هنا. 

ربما كان شعارًا مشابهًا، أو أحد التابعين لعائلة بلانشيت يمر من هنا في مهمة ما فنفوذ آل بلانشيت يمتد إلى معظم أنحاء الإمبراطورية. 

نعم، لا بد أن الأمر كذلك ومع ذلك كان هناك شيء غريب. 

العربة كانت فخمة ومزخرفة أكثر مما ينبغي لتكون عربة موظف أو تابع بل كانت لافتة للنظر على نحوٍ مبالغ فيه أما الفرسان الواقفون خلفها فلم يبدوا عاديين كذلك وعندما دققت النظر أكثر، رأيت شعار بلانشيت محفورًا بوضوح على دروعهم المصطفة بانتظام. كانت العربة قد خففت سرعتها، ثم بدأت تقترب أكثر. 

وكلما اقتربت، ازدادت هيبتها وضوحًا ومن خلال النافذة رأيته، للحظة قصيرة فقط، التقت أعيننا. كانت عيناه الحمراوان مثبتتين عليّ وحدي. حتى تحت ضوء الشمس الخلفي، كان بريقهما واضحًا كأشعة الشمس نفسها، لم يكن هناك مجال للخطأ. 

‘إنه هو. لماذا هو هنا؟’ 

سرت قشعريرة باردة في عمودي الفقري وتجمدت ساقاي في مكاني. 

***

كانت رحلة العودة قد اتبعت طريقًا متعرجًا عبر المسالك المعقدة في الجنوب الغربي، وجلبت معها إرهاقًا خافتًا. 

كان الدفاع عن حدود الإمبراطورية إحدى المسؤوليات التقليدية لعائلة بلانشيت ومرة أخرى، أُلقيت على عاتقهم مهمة التعامل مع اضطرابات الحدود. وكالعادة، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا. 

فمجرد انتشار خبر تحرك بلانشيت كان كافيًا غالبًا لإخماد أي اضطراب قبل أن يبدأ ولذلك سارت المهمة القصيرة كما كان متوقعًا. 

وفي الحقيقة، اتضح أن الاضطرابات في أراضي بيريـوت الغربية لم تكن خطيرة أصلًا. لقد وجه اللورد المحلي الدعوة بحجة طلب المساعدة لمنع النزاعات المستقبلية لكنها لم تكن سوى ذريعة أما السبب الحقيقي وراء دعوة آل بيريـوت، فكان يزداد وضوحًا مع مرور الوقت. لقد أرادوا إحياء خطبةٍ كانت تحتضر. 

اجتمعت العائلتان حول مائدة رسمية في القاعة الكبرى، المزينة ببذخ يصعب تصديقه في منطقة قيل إنها تعاني اضطرابات. 

“لقد زينا القاعة بالورود البنفسجية نفسها التي تلقتها عزيزتنا بيوشيل عندما اختيرت نجمة حفل الظهور الأول. نأمل أن تنال إعجابكم.” 

“لقد لفتت الأنظار أكثر من معظم الفتيات المشاركات في الحفل. لقد عانينا حقًا في إبعاد الجميع عنها.” 

“لن تصدقوا عدد الشبان الذين اصطفوا واحدًا تلو الآخر، يرجون أن يكونوا فارسها التالي.” 

لم يذكر مركيز ويسترنرود موضوع الخطبة مباشرة، ربما حفاظًا على كبريائه لكن نواياه كانت واضحة وضوح الشمس. 

وعلى أقل تقدير كاد كاسيان أن يختنق من الضحك عندما سمع ذلك التعليق الأخير.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.