مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 85: 85نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 85: 85

85

الفصل الخامس والثمانون 

“أمي… لن تتمكني من مسامحتي، أليس كذلك؟” 

ارتسمت على شفتي جين ابتسامة مألوفة، عتيقة كأنها نجت من عبور السنين. 

“لكن تعلمين؟ لو حدث ذلك يومًا، أظن أن أمكِ ستبقى إلى جانبكِ وتواجه العقاب معكِ. وستتوسل أيضًا.” 

كانت عيناها الصافيتان تتلألآن بجمال تحت أشعة الشمس. 

“وستطلب أن تتحمل العقوبة بدلًا منكِ.” 

توجد في الكتب المقدسة آية تقول إن من يرتكب الأفعال الدنيئة لا بد أن يلقى جزاء أعماله ولهذا كنت أعتقد أنني سأدفع ثمن الظلام المختبئ في قلبي يومًا ما. 

هبط قلبي إلى أعماقي، لأنني كنت أخشى أن تتحمل أمي العقوبة التي تخصني ولأنني كنت أخشى أن تختفي تلك الابتسامة المشرقة من وجهها، لكنني لم أستطع النطق بأي من ذلك. 

لم أرد لها أن تراني شخصًا مذنبًا وجبانًا. 

حدقت أمي في عينيّ بهدوء ثم قالت: 

“لكن لماذا تسألين شيئًا كهذا أصلًا؟ هذا لن يحدث.” 

نعم، يجب ألا يحدث، مثل هذا الأمر يجب ألا يقع أبدًا. 

“لا شيء.” 

ضحكت أمي ضحكة صغيرة، وكأنها تزيح فكرة سخيفة جانبًا، ثم عادت إلى الحياكة وهي تتحدث عن رحلتنا المقبلة. 

كان حماسها واضحًا للعيان فهذه أول رحلة نقوم بها معًا، نحن الاثنتين فقط وبمجرد أن سمعت وجهتنا، بدأت الذكريات القديمة تتدفق إلى ذهنها، فأخذت تروي لي قصصًا من الماضي. 

ربما كان الطبيب محقًا فللمرة الأولى، بدأت تتحدث حتى عن أبي، وهو أمر لم أسمعها تفعله من قبل. وبينما كانت عبارة «تمامًا مثل هذا اليوم الساحر» تتردد في رأسي، انساب الوقت بهدوء. 

***

بعد وجبة دافئة وبسيطة، غفوت قليلًا. 

وحين استيقظت، رأيت أمي نائمة إلى جواري. 

مر وقت طويل منذ رأيتها تنام بهذه الابتسامة المسالمة. 

نزعت الغطاء عن جسدي بلطف ووضعتُه فوقها، ثم توجهت إلى الطاولة. كان لا يزال هناك الكثير من الأمور التي يجب إنجازها قبل السفر، بعد أن ملأت استمارات الإجازة وأتممت بقية التحضيرات، أغلقت الملف وهناك، أسفل الملف مباشرة، كان الظرف الذي أعطتني إياه الليدي ببيوشيل وما زال ملمسه الخشن يوجع قلبي، وضعته داخل خزانة نادرًا ما أفتحها، ثم أغلقتها بالمفتاح. بالطبع كنت أعلم أن عدم استخدامه لا يعني أنني أستطيع إعادته فالليدي بيوشيل لن تطلب أبدًا استرجاع المال ومع ذلك، فإن إبقاءه دون مساس بدا وكأنه آخر أشكال مقاومتي. 

في المرآة المثبتة فوق الخزانة رأيت انعكاسي. 

وفي لحظة ما، كانت ابتسامتي قد اختفت تمامًا. 

ولم يبقَ سوى وجه باهت خامد، يشبه رمادًا بقي بعد انطفاء النار. 

***

كان مشرفي، الذي اعتاد أن يسألني دائمًا لماذا لا آخذ إجازات، قد انتزع الأوراق من يدي فور أن ذكرت فكرة الإجازة، ولم يعدها إليّ بعدها بل وأخبرني ألا أفكر حتى في العودة مبكرًا، لأنه سيتولى كل شيء بنفسه وكان جادًا تمامًا في ذلك. 

عندما غادرت القصر الإمبراطوري، وجدت أن تصريح الإجازة الذي تسلمته يمنحني أسبوعًا كاملًا مع أنني لم أطلب سوى يومين فقط، من الناحية الرسمية، يحق للموظفين الإداريين أخذ إجازات لكن معظم المشرفين لا يحبون أن يأخذ مرؤوسوهم إجازات طويلة دفعة واحدة. كانوا يعتقدون أن من يعتد الراحة مرة، يبدأ بالمطالبة بالمزيد لاحقًا. وبالطبع، كان هناك من يستغل الأمر ويحاول التسلل بطلبات الإجازة في أكثر الأوقات ازدحامًا، لذلك لم أستطع لومهم على حذرهم. 

فكرت للحظة في سؤال مشرفي عن سبب تصرفه هكذا لكنني كنت أعرف مسبقًا ما الذي سيقوله لذلك غادرت بصمت. 

والحقيقة أنني كنت أرغب في قضاء وقت أطول مع أمي. 

كنت أريد الاستمتاع بذلك الوجه المشرق السعيد الذي لم أره منذ زمن طويل. كان مشروع جهاز التتبع قد دخل مراحله الأخيرة، وقد سلمت البيانات بالفعل إلى مشرفي ونائب مدير برج السحر. 

ولم يبقَ الكثير مما أستطيع فعله قبل صدور الموافقة النهائية. 

لقد رتبت موعد الإجازة بعناية وكان كل شيء يسير وفق الخطة. 

***

في طريقي عائدة إلى النُّزل، وجدت هايل واقفًا عند زاوية الشارع، يبدو أن السبب هو أنني أخبرته مسبقًا بأنني سأغيب بضعة أيام. 

قال مبتسمًا: 

“اليوم مسموح لي أن أنتظركِ هنا، أليس كذلك؟” 

منذ ذلك اليوم الذي تحدثت معه فيه، أصبح يتصرف بهذه الطريقة. 

ابتسمت. 

فحتى لو طلبت منه ألا يتبعني، كنت أعلم أنه سيفعل على أي حال، في يوم ما، سيبتعد هايل عني هو الآخر. كانت فكرة بعيدة، لكنها حتمية وحتى تهدأ مشاعره مثل أمواج تنحسر ببطء، ربما كان دوري أن أبقى إلى جانبه كصديقة، حتى لو لم أكن أعرف ماذا أفعل أكثر من ذلك. ولحسن الحظ، بدا أنه لم يعد ينتظر مني شيئًا إضافيًا منذ ذلك اليوم، ذلك الود الصادق الذي يحمله في قلبه سيجد طريقه يومًا إلى شخص يستحقه حقًا وكان هذا التفكير يمنحني بعض الراحة. 

عندما ابتسمت بخفة، بدأ هايل يثرثر مطولًا متمنيًا لي رحلة آمنة وممتعة. ولو سمعه شخص آخر لظن أنني ذاهبة إلى ساحة حرب لا إلى رحلة. 

“أنا لا أذهب إلى معركة.” 

ضحكت بخفة فضحك هو أيضًا. 

“أعرف… لكن مع ذلك…” 

تلاشت بقية الجملة بطريقة بدت مريبة. 

“ما الأمر؟” 

“لا شيء.” 

ثم تردد قبل أن يسأل: 

“لا يوجد شيء خطأ، أليس كذلك؟” 

“ماذا تقصد؟” 

“فقط… ظننت أن شيئًا ربما حدث. لا أكثر.” 

عند سماعي كلمة «شيء»، مرت أحداث الأمس في ذهني كأنها شريط مصور. 

الليدي بيوشيل بثوبها الأنيق، الظرف السميك المغلق داخل الخزانة، وصوتها وهي تطلب مني أن أترك ذلك الرجل. 

كل ذكرى استحضرتها جعلتني أشعر بسوء أكبر لكن لماذا يسأل هايل هذا السؤال فجأة؟ 

تساءلت للحظة إن كان قد رأى شيئًا لكن ذلك لم يكن منطقيًا. 

فقد كان غارقًا في عمله داخل برج السحر طوال ذلك الوقت. 

رفعت رأسي ونظرت إليه. 

وفي عينيه الزرقاوين رأيت انعكاس وجهي المتعب. 

منذ زيارة الليدي بيوشيل، لم أعد أبدو بخير، ولم يكن غريبًا أن أبدو بهذه الحالة. 

قلت محاولة التهرب: 

“وما الذي يمكن أن يكون خطأ؟ أنت تعرف مدى كرم مشرفي. لقد منحني هذه الإجازة الطويلة.” 

وربتُّ على تصريح الإجازة بخفة لكن هايل رمقني بنظرة غريبة 

ثم تنهد وقال: 

“أعرف أنه سيفعل ذلك. لكنني لم أكن أقصد هذا.” 

“إذن ماذا تقصد؟” 

“انسَي الأمر. فقط… أعديني أنكِ ستخبرينني إن حدث شيء.” 

كانت ابتسامته المرهقة تبدو غير طبيعية قليلًا ومع ذلك، أومأت برأسي فهايل كان دائمًا كثير القلق. 

“لا يوجد شيء حقًا. سأذهب الآن.” 

ربتُّ على كتفه ومضيت سريعًا. 

شعرت بنظراته تلاحقني، لكن لم يكن لدي وقت لألتفت. 

عندما عدت، كانت أمي قد جهزت حقائبنا الصغيرة بالفعل. 

وكانت الابتسامة لا تفارق وجهها، بدت أكثر حيوية مما كانت عليه منذ زمن طويل. 

خرجنا معًا واتجهنا نحو البوابة الخلفية للساحة، ألقيت نظرة عليها وهي تسير إلى جواري. كان حماسها يملأ المشهد كله، خطواتها مفعمة بالنشاط، وبدا أن ذاكرتها واضحة اليوم. 

كانت سعيدة حقًا، ورؤيتها بهذا الشكل جعلتني أشعر بالذنب لأنني لم أصطحبها إلى أي مكان من قبل، حتى أن عينيّ بدأت تؤلمانني، حينها قطعت وعدًا صامتًا لنفسي. 

‘سأصطحبها إلى الخارج كثيرًا من الآن فصاعدًا.’ 

حتى وإن لم أستطع شراء الدواء المناسب، فقد ادخرت ما يكفي للقيام برحلات صغيرة بين الحين والآخر أما المال الذي كنت أحتفظ به للطوارئ، فقد أصبح يكفي لنعيش أنا وأمي وحدنا لبعض الوقت. 

منذ اليوم الذي وصلت فيه إلى العاصمة وارتبطت بذلك الرجل لم يمر يوم واحد دون أن أفكر في الهرب، كنت أحلم بالمكان الذي سنذهب إليه وبكيفية فرارنا وبالبلدة التي يمكننا أن نعيش فيها. 

وفي مكان ما خلال تلك الأحلام، أضفت حلمًا آخر، رحلة مع أمي، والآن بدا وكأن كل شيء قد بدأ يكتمل أخيرًا. 

إذا نجحنا في الهرب بأمان فربما أستطيع الاستمرار في رؤية هذه الابتسامة على وجهها. 

امتلأ قلبي بالمشاعر. 

وكان النسيم الدافئ الذي يمر بين أوراق الربيع الخضراء يملؤني بالأمل لكن في الوقت نفسه، تسلل قلق خافت إلى داخلي. 

كآخر بقايا برد الشتاء المختبئة داخل دفء الربيع. 

كانت كلمات الليدي بيوشيل الحادة تخترق قلبي أحيانًا كشظايا زجاج دقيقة. 

لكنني حاولت تجاهلها، فاليوم هو اليوم الذي قررت فيه أن أهرب من كل شيء. 

وصلنا إلى الجهة الخلفية من الساحة وانتظرنا العربة، امتد أمامنا المشهد المألوف، الأعمدة الضخمة، والنافورة التي تعلو كأنها جزء من قصر. لم يتغير شيء تقريبًا منذ ذلك اليوم. 

وعندها عادت إليّ ذكرى، ذكرى العربة التي ركبتها مع ذلك الرجل وحرارة يده وهي تلامس يدي داخلها. 

عادت الذكرى مع نسيم الربيع اللطيف تمامًا كالفصل نفسه مستحيلة المقاومة أو النسيان. 

جلستُ مع أمي في العربة التي وصلت أخيرًا وانطلقت العجلات بصوت هادئ، واهتز زجاج النافذة بلطف بينما بدأ المشهد يتبدل. 

خلفنا، أخذت مباني العاصمة الشاهقة تتلاشى تدريجيًا. 

وحلّت محلها طبيعة يانعة تزدهر تحت دفء الربيع، أوراق خضراء شقت طريقها بعد شتاء قاسٍ، وبراعم وردية وبنفسجية بدأت تتفتح، وأشجار شاهقة، وبتلات أزهار تتساقط برفق من الأعلى. 

كل شيء بدا جديدًا وغريبًا، وكان يهز قلبي كما يحدث دائمًا عندما أواجه شيئًا لأول مرة، وفي وسط ذلك كله كانت أمي تبتسم. 

ابتسامة جميلة إلى درجة جعلتني أخجل من نفسي. 

أنا التي تمنيت يومًا أن تذبل هذه الأزهار سريعًا. 

حتى بعد ساعات طويلة من السفر، بقيت مستيقظة تراقب المناظر المتغيرة خلف النافذة لكن النعاس بدأ يغلبها في النهاية. 

ورغم تحسن حالتها كثيرًا فهي ما تزال، بلا شك، مريضة. 

سحبت الغطاء بلطف فوق جسدها. 

وامتزج صوت أنفاسها الهادئة بسكون الرحلة. 

ذلك السلام الغامر أثار بداخلي قلقًا غامضًا. 

فكلما تذكرت أن هذا الهدوء قد يتحطم في أي لحظة قفز قلبي داخل صدري بلا سيطرة. 

كنت ممتنة لأن وجهتنا تقع في الاتجاه المعاكس لألفونس. 

لقد تخلصت بالفعل من كل ما يربطني بذلك الرجل. 

وحتى الآن، فإن مجرد التفكير في السير وسط شوارع مألوفة تحمل ذكرياته كان أمرًا لا أحتمله ثم خطر لي خاطر. 

‘ماذا لو كان هذا بعد عام من الآن؟ وماذا لو استطعنا البقاء في ذلك المكان إلى الأبد؟ وماذا لو كان هذا هو هروبنا الأخير؟’ 

يا له من أمر رائع لو تحقق ذلك.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.