مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 84: 84نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 84: 84

84

الفصل الفصل الرابع والثمانون 

جلستُ أمام فنجان القهوة البارد، أحدّق في الفراغ طويلًا دون أن أرى شيئًا. وكما بردت القهوة، أخذت أفكاري تبرد هي الأخرى بسرعة مخيفة وحين نهضت أخيرًا، خانتني ساقاي وكادتا تتهاويان بي. في اللحظة التي التقطت فيها الظرف، لامست أطراف أصابعي خشونته الباردة ومع ذلك البرد الذي تسلل إلى رأسي، عادت كلمات الليدي ببيوشيل تتردد في ذهني. 

كانت هناك جملة واحدة على وجه الخصوص تتكرر بلا توقف، حتى كأنها انطبعت خلف عيني. 

〈”ابتعدي عنه.”〉 

كان من حقها أن تقول ذلك بوصفهاخطيبته،ه كنت أتوقع سماعها، وكنت قد هيأت نفسي لها ولم يكن ينبغي أن أتأثر ومع ذلك بدا الأمر وكأن أحدهم ضربني بقوة على مؤخرة رأسي. 

قد تبدو القصة للآخرين وكأنها حكاية حب يائسة، لكنني كنت أعرف الحقيقة. لم أكن عاجزة عن تركه لأنني أحبه بل لأنني بحاجة إلى الدواء الذي يمنحني إياه. لو كان الأمر يتعلق بحياتي أنا وحدي فربما امتلكت الشجاعة لإنهاء هذه الحياة البائسة لكنها لم تكن حياتي التي يمسك بها بين يديه بل حياة أمي، لقد غرس نصلَه في نقطة ضعفي الوحيدة. 

هل كان يجد في ذلك متعة؟ 

هل كان يبتسم الآن لأنه يعلم أنني عاجزة عن اتخاذ خطوة واحدة من دون إذنه؟ 

أقنعت نفسي بأن الذنب ذنبه، أقنعت نفسي بأنني، حتى لو تخليت عن ضميري، فهو من صنع هذا الوضع، اتخذته ذريعة لأهرب من إحساسي بالذنب لكن تلك الذريعة انهارت سريعًا، كقلعة رملية جرفها المد. 

كان الظرف الذي بين يدي يدفع قلبي أعمق فأعمق في الوحل، 

لم يصفعني أحد، لم يرفع أحد صوته في وجهي. 

لكن ذلك جعل الأمر أكثر قسوة. 

لو أنها صرخت عليّ أو رمتني بشيء لكان تحمّل الأمر أسهل لكن الليدي بيوشيل كانت أرفع شأنًا وأكثر رقيًا من أن تنحدر إلى ذلك المستوى وكلما ازدادت وقارًا ونبلًا ازداد شعوري بالبؤس، لأنها لم تقل شيئًا خاطئًا، لم أكن خطيبته ولم أكن حتى عشيقته، لم يكن لي أي موضع إلى جانبه. بالنسبة له، لم أكن سوى شيء يُرمى جانبًا عند انتهاء الحاجة إليه، دمية يلتقطها متى شاء ويطرحها متى شاء. 

لو كان بإمكان هذا الظرف، بكل ما يحمله من قسوة صامتة، أن يمحو كل ما بيننا لكان ذلك أيسر بكثير لكن الواقع صفعني ببرود لا يرحم. بدأت ذكرى همسه لي بـ “أُحِبُكِ” أثناء عودتنا من ألفونس تتلاشى كالدخان ولم يبقَ سوى الحقيقة الرمادية الباهتة. 

الحقيقة الخالية من الحياة، كل تلك المشاعر المرتبكة التي راودتني داخل العربة بدت الآن مثيرة للسخرية ومع ذل لم يكن أمامي خيار سوى البقاء إلى جانبه، في هذا الواقع المجنون الذي تحوّل فيه الحب نفسه إلى سلاح. 

نعم، لقد قال إنه يحبني لكنني سأحطم ذلك الحب إلى شظايا. 

سأبعثره كالحطام ثم أعيده إليه. 

وأنا أقف هنا، عاجزة عن قبول آخر رحمة قدمتها لي الليدي بيوشيل، كنت أعلم أنني في النهاية سأنهار. 

ومع ذلك أردت أن يبكي حين أرحل عنه، أردت أن ينكسر قلبه كما تحطم قلبي. 

وبينما كنت أتنكر لذَنبي تحت اسم الانتقام، حملتني قدماي بلا هدف نحو النُزل، ما إن فتحت الباب حتى رأيت أمي. 

ولحسن الحظ، كانت لا تزال تتذكرني اليوم. 

استقبلتني بابتسامة دافئة. 

“إيل، هل أنتِ جائعة؟” 

كعادتها، نهضت أمي المنشغلة دائمًا واللطيفة دائمًا إلى المطبخ، وهي تتمتم بأنها فقدت الإحساس بالوقت. 

وبعد قليل، أعدّت وجبة خفيفة مألوفة بعنايتها المعتادة. 

حركتُ الملعقة بلا وعي، أرتشف الحساء ببطء. 

لكن الدموع بدأت تتساقط من عيني. 

خفضت رأسي لأخفي وجهي، إلا أن الأوان كان قد فات فقد لاحظت أمي الأمر بالفعل. 

“إيل، ما الأمر؟” 

التزمت الصمت. 

“هل حدث شيء؟” 

رفعت رأسي بابتسامة واهنة لكن عينيها كانتا مملوءتين بالقلق وهي تحدق بي. 

كم أنا مثيرة للشفقة، تردد ذلك الصوت داخل رأسي بينما استمرت الدموع بالانهمار، ارتجفت زوايا ابتسامتي المصطنعة. 

“إنه فقط… الطعام لذيذ جدًا.” 

لم يكن الكذب سهلًا أبدًا وخاصة أمام أمي فهي كانت تكتشف أكاذيبي دائمًا في لحظة. 

“حدث شيء في القصر، أليس كذلك؟ ربما علينا أن نترك العمل هناك بالكامل.” 

“لا يا أمي. لا يمكننا المغادرة.” 

خرج الرد مني حادًا أكثر مما قصدت فارتجفت أمي. 

مجرد رؤيتها لي أبكي قليلًا جعل وجهها يشحب، وكأنها رأت شيئًا مرعبًا، أدركت فورًا أنني أخطأت. 

لقد كانت دائمًا هكذا، مستعدة للتخلي عن أي شيء من أجلي. 

ولو عرفت الحقيقة، فلن تتردد في التضحية بما تبقى من حياتها لتحميني حتى لو كلفها ذلك كل شيء بل حتى أنفاسها الأخيرة. 

ومجرد رؤية ذلك مرة أخرى جعل عزيمتي تزداد رسوخًا. 

‘مهما كان الثمن، يجب أن أهرب من هذا الجحيم. معها.’ 

هذا هو الشيء الوحيد الذي ينبغي أن أفكر فيه. 

قد لا تكون هناك جنة تنتظرنا في نهاية هذا الجحيم الطويل. 

لكن حين يأتي ذلك اليوم سأتمكن من الابتسام مجددًا. 

وربما، عندها، سيبدو كل ما مررت به مجرد ذكرى بعيدة حتى يحين ذلك الوقت. 

استعدت أفكاري التي كادت تتفكك وربطتها بإحكام من جديد. 

“يجب أن أذهب إلى العمل.” 

“إيل، إذا كان الأمر متعبًا لهذه الدرجة، فلا داعي لذلك العمل أصلًا. أنتِ تعرفين أن أهم شيء بالنسبة لي هو ألا تتألمي، أليس كذلك؟” 

وضعت يديها على وجهي برفق وكان دفؤهما يتسلل إلى أعماقي. 

أمي، التي لا تعرف شيئًا، ما زالت تظن أن بقائي في العاصمة مجرد وسيلة لعيش حياة أكثر راحة ونيل شيء من المكانة. 

وفي هذه اللحظة تحديدًا بدا جهلها بالحقيقة نعمة. 

ضحكتُ ضحكة صغيرة كعادتي. 

“كل الأمهات يوبخن أبناءهن ويطلبن منهم كسب المزيد من المال. لماذا لا تفعلين ذلك؟” 

صمتت قليلًا ثم قالت: 

“وتريدينني أن أقول إن الابنة التي لا تستطيع جني المال لا قيمة لها؟” 

هززت كتفي فأجابت بصوت هادئ: 

“لا توجد أم تقول ذلك. الوالدان لا يستطيعان معاملة أبنائهما بهذه الطريقة أبدًا. هذا هو معنى أن تكون والدًا.” 

كان صوتها ناعمًا لكنه كان مليئًا بحب لا يتزعزع وكنت أشعر به بوضوح، ذلك الحب العميق الذي تمنحني إياه بلا مقابل. 

لقد كانت تردد الأمر نفسه دائمًا، أن الآباء يحبون أبناءهم حبًا غير مشروط وأنه لا يوجد والد لا يحب ابنه. 

حين كنت صغيرة، صدقتها دون شك ومع تقدمي في العمر ورؤيتي لقبح العالم، توقفت عن الإيمان بمثل هذا الحب لكنني لم أشك يومًا في حبها هي. 

ومع ذلك، لم أعتقد قط أن هذا النوع من الحب أمر طبيعي أو مضمون فوالدي كان الدليل على العكس. 

غيابه وحده كان برهانًا على أن ليس كل الآباء يختارون البقاء. 

وكنت أعلم أن أمي تدرك ذلك أيضًا. 

لو أنها تخلت عني وأنا رضيعة لكانت حياتها أسهل بكثير لكنها لم تفعل، رغم كل الصعوبات، اختارت البقاء معي. 

وحتى الآن، بينما تتلاشى ذكرياتها شيئًا فشيئًا، ما زالت تفعل كل ما بوسعها لحمايتي، إنها الشخص الوحيد في العالم الذي وقف إلى جانبي دائمًا، إنها أعظم نعمة نلتها في حياتي. 

ومن أجل حمايتها أستطيع أن أفعل أي شيء، تمامًا كما أنها مستعدة لفعل أي شيء من أجلي. 

مسحت الدموع التي انزلقت من عيني ونظرت إليها. 

“إذن… لو انتهى بي الأمر بلا شيء، ولو أصبحت مفلسة تمامًا، هل ستبقين معي؟” 

ابتسمت وكأنني أمزح فابتسمت هي الأخرى. 

“بالطبع.” 

في هذه اللحظة، بدا وكأنها تتذكر كل شيء على نحو مثالي. كانت تنظر إليّ وتتحدث معي كما كانت تفعل قديمًا لكنها لم تتذكر أنها تتناول الدواء، ولم تكن تعلم كم يبلغ ثمنه، كما أنها لم تتذكر شيئًا عن السيد الشاب وفي مثل هذه اللحظات، بدا نسيانها رحمة حقيقية. 

فلو تذكرت كل شيء لتألمت. 

وربما كان هناك شخص ما في هذا العالم يقف إلى جانبي فعلًا. 

“أظن أنني سأأخذ إجازة هذا الأسبوع.” 

“يمكنكِ أن ترتاحي إلى الأبد إن أردتِ.” 

“لا تقولي أشياء كهذه.” 

ضحكنا معًا بخفة، ضحكة صغيرة ملأت الغرفة بالدفء والطمأنينة. 

“أمي، لنذهب في رحلة أثناء إجازتي.” 

أردت الهروب من هذا المكان، ولو لفترة قصيرة ولو للحظة سلام عابرة. 

“إلى جزيرة لابيران.” 

جزيرة لابيران، المكان الدافئ الهادئ الذي لطالما قالت أمي إنها ترغب في زيارته وكان أيضًا مكانًا مرتبطًا بذكرياتها القديمة. 

في العيادة التي كنا نراجعها بسبب حالتها، اقترحوا بعض الوسائل للمساعدة في استعادة الذكريات. 

وكان من بينها زيارة الأماكن المرتبطة بذكريات مهمة. 

حين سمعت ذلك، كان أول مكان خطر ببالي هو ألفونس. 

لكنني لم أستطع اصطحابها إلى هناك فذلك المكان كان مملوءًا بالألم، وكان أول مكان محوته من ذاكرتها ولن أعيدها إليه. 

ثم تذكرت جزيرة لابيران، تذكرت كيف ابتسمت ذات يوم وهي تخبرني بأنها تريد زيارتها. 

هل كان السبب أنها تحمل ذكريات مع أبي هناك؟ 

حتى لو كانت تبغضه الآن فربما لم تستطع أن تكره النسخة القديمة منه التي تعيش في ذكرياتها ولهذا اخترت الجزيرة وجهةً لنا. 

كنت أخشى أن تكون الرحلة مرهقة عليها لكن ما إن أخبرتها بالمكان حتى عاد اللون إلى وجهها وامتلأ صوتها بالحماس. 

أخذت تستحضر ذكرياتها القديمة وتتحدث عنها واحدة تلو الأخرى. 

حدثتني عن حقول الزهور، وعن إكليل الأزهار الذي صنعه لها أبي ذات يوم، وعن الطعام الذي تناولهما معًا، وعن التلة التي كانا يشاهدان منها الغروب، وصفتها كلها بحيوية حتى كأنني أراها بعيني ومجرد الاستماع إليها جعل قلبي يؤلمني. 

لقد بدت كقصة حب شابة ونقية. 

ومع ذلك تلاشى كل ذلك الحب الجميل، ولم يبقَ الآن سوى أمي وحدها ومع هذا، كانت تبتسم ثم خطر لي سؤال كنت أخشى طرحه طوال حياتي. 

“أمي هل ندمتِ يومًا على إنجابي؟” 

لو كنت مكانها أظن أنني كنت سأندم وربما أكثر من مرة. 

هل يستطيع الإنسان حقًا أن يحب الطفل الذي قيّده وغيّر حياته بالكامل؟ 

كنت أخفي هذا السؤال في أعماقي دائمًا لكن الآن، مستغلّة هشاشة ذاكرتها كعذر صغير، سمحت له بالخروج. 

حتى لو قالت نعم حتى لو اعترفت بأنها ندمت كان بإمكاني أن أقنع نفسي بأن السبب هو اضطراب ذاكرتها. 

أدارت وجهها نحوي بهدوء وكان الضوء خلفها يجعل ملامحها غير واضحة، لم يصلني سوى صوتها المرتجف قليلًا. 

“تعلمين… حتى لو عاد بي الزمن مئات المرات…” 

وانكسر ضوء الشمس على وجهها، فانجلت ملامحها بوضوح. 

“لاخترت الأمر نفسه في كل مرة.” 

انحبس نفسي. 

“كنت سألتقي به مجددًا.” 

توقفت لحظة ثم ابتسمت بلطف. 

“وكنت سأأتي إليكِ أيضًا.” 

ارتطم قلبي بقوة داخل صدري. 

ذلك الحب النقي، غير المشروط، الذي يباغتك حين لا تتوقعه أبدًا، أصابني بكل قوته. لقد سمعت هذا الجواب من قبل. 

وكنت أعرف ما ستقوله ومع ذلك، في كل مرة أسألها فيها، يغمرني الشعور ذاته من جديد، كان حبًا أكبر من أن تحتويه الكلمات وبطريقة ما، كان يعيدني دائمًا إلى السؤال نفسه. 

“إذن… لو ارتكبتُ يومًا جريمةً لا تُغتفر… هل ستسامحينني رغم ذلك؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.