الفصل 83: 83
83
الفصل الثالث والثمانون
“السيد الشاب؟”
ما إن سمعت تلك الكلمة حتى هبط قلبي إلى قدميّ.
هل يُعقل أن أمي تعرف إلى أين ذهبت اليوم؟
ازدحمت الأسئلة في رأسي، لكنها ما لبثت أن تحطّمت أمام عينيها الشاردتين الخاليتين من التركيز.
كانت ببساطة عالقة في إحدى ذكريات الماضي، تمامًا كما وصف الطبيب، كان توقيت ذكرها له غريبًا، لكنه لم يكن مستحيلًا.
“لماذا تسألين عنه؟”
“أنا ممتنة له فحسب. قبل الفجر بقليل، عندما اقترب السيّد…”
خيّم الخوف على ملامحها ثم تابعت بصوت خافت متردد:
“لقد أنقذني.”
ظللت صامتة وأنا أراقبها عن كثب.
“لم أستطع حتى أن أشكره كما ينبغي. كل شيء حدث بسرعة شديدة.”
أنقذها؟ ممَّ؟
كلما حاولت فهم كلماتها، تبلورت في ذهني فرضية واحدة.
في وقتٍ ما قبل الفجر، حاول اللورد فعل شيء ما، فتدخل السيد الشاب وأوقفه لكنها لم تكن في حالة ذهنية مستقرة. ربما كان الأمر كله مجرد سوء فهم، أو ذكرى مشوّهة بفعل اضطرابها.
ومع ذلك، لم أستطع تجاهل ثقل تلك الكلمات.
في تلك الليلة، بعد أن عدت إلى غرفتي، كانت أفكاري متشابكة إلى درجة يصعب معها التمييز بينها ولكي أصفّي ذهني، بدأت أرتب الفساتين الجديدة داخل الخزانة واحدًا تلو الآخر ثم وضعت القلادة ذات السلسلة برفق على الرف العلوي.
الخزانة التي امتلأت بالملابس البراقة جعلت أفكاري تتصلّب كالشمع حين يبرد، ذلك الرجل لم يمنحني أي دواء بل أغرقني بهذه الزينة الباذخة عديمة الجدوى.
هل يمكن لشخص مثله أن ينقذ أحدًا حقًا؟
على الأرجح لم يكن سوى وهم أو ربما لعب دور البطل ليوم واحد لا أكثر.
ومع برودة أفكاري شيئًا فشيئًا، تسلل إليها سؤال عملي أكثر.
لو بعت هذه الأشياء، فكم جرعة دواء سأستطيع شراءها؟
جاءني الجواب فورًا، ولم يكن كافيًا. ليس قريبًا من الكفاية.
مهما بلغت قيمتها، لم تكن بالنسبة إليّ سوى زينة بلا فائدة،
قمامة جميلة.
أغلقت باب الخزانة بقوة، غير راغبة في النظر إليها أكثر عندها فقط استطعت أن أتنفس بعمق. جلست أمام الخزانة، وبدأت الذكريات التي دفنتها تطفو إلى السطح من جديد.
همسات ذلك الرجل الغريبة وهو يدّعي أنه يحبني، نظرته الثابتة المعلقة بي، دفء أصابعه المتشابكة مع أصابعي.
ما الذي كان يفكر فيه عندما تصرف بتلك الطريقة؟
مع كل نفس كنت أحاول دفع تلك الذكريات بعيدًا.
وكان من السخرية أن أتساءل عن نواياه، بينما كنت أنا من أغواه منذ البداية لكن الأمر ظل بلا معنى.
فمه كان أصلح للتهديدات منه للاعترافات بالحب.
فلماذا قال تلك الكلمات؟ ولماذا أمسك بيدي وابتسم؟
وهل كان له حقًا دور في تغيير السلطة في ألفونس؟
كانت الأسئلة تتكاثر كالبالونات المنتفخة بالهواء.
وفي النهاية، سحبت ورقة بردي وبدأت أكتب.
بدأت الرسالة بتحيات مهذبة، متظاهرة بأن ما أحمله ليس سوى مشاعر ودية لكنها انتهت وقد امتلأت بتساؤلاتي وشكوكي بشأن اللورد الجديد لألفونس، أغلقت الرسالة بالشمع، ثم كتبت اسم العمة ماري وعنوانها بعناية على الظرف.
***
عادت الحياة في العاصمة إلى إيقاعها المعتاد.
وبدا الأمر كما لو أن الرحلة إلى ألفونس لم تكن سوى حلم.
أما مشروع جهاز التتبع فقد اكتسب زخمًا كبيرًا بعد حصوله على الراعي المالي وأبدى برج السحر استجابة إيجابية للتمويل، فواصل الباحثون عملهم بحماس متجدد.
وفي خضم كل ذلك، تلاشت رسالة العمة ماري من ذهني تمامًا.
حتى جاء مساءٌ كنت أعود فيه إلى مسكني بعد زيارة برج السحر، عندما اعترض أحدهم طريقي.
“هل أنتِ الآنسة يوريسييل؟”
كيف عرف اسمي؟
عقدت حاجبيّ، لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا من حذري.
كان الشارع مزدحمًا بالناس لذلك كنت واثقة من أن شيئًا لن يحدث هنا.
“نعم. هل أستطيع مساعدتك؟”
“أريدك أن تأتي معي.”
كان في مثل عمري تقريبًا، ويملك وجهًا يصفه الناس بالوسامة.
حاولت أن أتذكر إن كنت رأيته من قبل، لكن شيئًا لم يخطر ببالي فبوجه كهذا، من المستبعد أن أنساه، لا بد أن هذه أول مرة نلتقي فيها.
“ومن تكون؟”
تردد لحظة قبل أن يجيب:
“أنا فارس في خدمة الليدي بيوشيل بيريوت.”
الليدي بيوشيل بيريوت؟
ارتسم اسم خطيبته، التي لم أرها سوى في أعمدة الصحف، داخل ذهني. في الآونة الأخيرة، كان الناس يتداولون شائعات عن توقف اللقاءات بين عائلتي بيريوت وبلانشيت وكانوا يتهامسون بأن الخطبة قد أُلغيت. كلما وقعت عيناي على تلك الشائعات، كنت أتساءل للحظة إن كان لي أي علاقة بالأمر.
فكرة سخيفة حقًا.
بالنسبة لذلك الرجل، لم أكن سوى لعبة يتسلى بها.
وهذا أمر واضح تمامًا. شخص مثلي لا يمكنه أبدًا أن يكون سببًا في انهيار مستقبل مرتب لوريث نبيل.
الأرجح أن العائلتين اختلفتا حول أمر ما، سبب منطقي لم يجد أحد داعيًا لكتابته في الصحف ومع ذلك، شعرت براحة أنانية كلما قرأت تلك الشائعات فمنذ مدة، وأنا أتجنب كل ما يتعلق بها عن قصد، كنت أكره ذلك الشعور بالذنب. كان يؤلم صدري، وكأنني سرقت شيئًا ليس من حقي وتلك المشاعر، إن تُركت تنمو، قد تدمر يومًا كل ما بيني وبينه.
لكن لماذا تبحث عني الآن؟
كنت أعتقد دائمًا أن الليدي بيوشيل لا تعرف حتى بوجودي
أما الفارس الذي قدّم نفسه، فقد كان يحدق بي بصمت.
عيناه حادتان، بينما كان لون وجهي يتلاشى بسرعة.
مهما يكن الأمر، كنت أشعر به في أعماقي.
لن أستطيع التهرب منه.
“لنذهب.”
أومأ الرجل بأدب، ثم تقدم أمامي.
تبعت خطاه، بينما كان قلبي يخفق بعنف، وأنفاسي غير منتظمة.
لا حصر للأفكار التي كانت تدور في رأسي ومهما حاولت إيجاد سبب آخر، لم أستطع الوصول إلا إلى احتمال واحد.
السبب الوحيد الذي قد يدفع الليدي بيوشيل لاستدعائي
الرجل نفسه.
كم تعرف؟
حتى الآن، بدا لي مضحكًا أنني ألتفت حولي كأنني سارقة أثناء السير.
***
وُضع فنجانا قهوة أنيقان على الطاولة. وكان البخار يتصاعد منهما، قاطعًا سكون المكان البارد، لم يكن هناك أي شخص آخر.
وبالنظر إلى الازدحام المعتاد في هذا الوقت من بعد الظهر، كان واضحًا أن الليدي بيوشيل أفرغت المكان مسبقًا.
جلست وحدها في وسط القاعة، حيث كانت أشعة الشمس تنساب من الأعلى. وكان ذلك وحده كافيًا ليمنحها هالة أرستقراطية طاغية.
تحت قبعتها الأنيقة، لمع شعرها البلاتيني الناعم كالحرير أما وجهها الشاحب فبدا كأنه منحوت بعناية فائقة تحت ظل القبعة، وعيناها الحمراوان اللامعتان، الحادتان والواضحتان، بدتا كجوهرتين مصقولتين بإتقان. كل شيء فيها كان يشع وقارًا وتعاليًا.
كانت تجسيدًا مثاليًا لسمعة عائلة بيريوت لكن رؤيتها شخصيًا كانت مختلفة تمامًا عن رؤية صورتها في المجلات. كانت أكثر حضورًا، وأكثر بعدًا كأنها تنتمي إلى عالم آخر.
كانت عيناها بلون قريب من لون عينيه، لكنهما أشد تألقًا كأنهما وردة حمراء في ذروة تفتحها.
تخيلت الاثنين واقفين جنبًا إلى جنب، اختلاف لون شعريهما، وتشابه لون عيونهما، كانا سيبدوان مثاليين معًا، ثنائيًا لا تشوبه شائبة.
لم تقل الليدي بيوشيل شيئًا، اكتفت بالتحديق بي طويلًا بينما كانت القهوة تبرد وبعد صمت خانق امتد أكثر مما ينبغي، فتحت فمها أخيرًا.
“لا بد أنكِ تعرفين بالفعل سبب استدعائي لكِ.”
هبطت نظرتها ببرود وهي تتأمل انعكاسي على سطح الطاولة.
امرأة شاحبة المظهر، رقيقة الهيئة ورغم شعرها الأحمر الزاهي، كان فيها شيء هش، شيء لطيف وضعيف يوقظ غريزة الحماية.
هيئتها الناعمة النحيلة كانت النقيض الكامل لبيوشيل.
بدت كغصن صفصاف يتمايل في الريح ومنذ اللحظة التي وصلها فيها أول تقرير، أدركت بيوشيل ذلك.
إذا كان قد اختار هذه المرأة بدلًا منها، فلا بد أنها جميلة.
نعم، دمية جميلة ومثيرة للشفقة، هذا كل ما كان ينبغي أن تكون عليه، حتى عندما سمعت أنه يدعوها أحيانًا إلى الفندق، وحتى عندما سمعت أنه اصطحبها إلى ألفونس، اعتقدت أن الأمر لا يتجاوز نزواته الليلية المعتادة.
وحتى لو لم يكن كذلك، فقد كانت واثقة من أنه أمر مؤقت،
مجرد تسلية عابرة ستنتهي مع الوقت لكن الآن؟
ذلك الرجل الخالي من المشاعر بدأ يرتاد المتاجر لأجلها، يختار الهدايا وينتقي الملابس بل ويصطحبها معه إلى أماكن مختلفة.
لم يبقَ سوى استنتاج واحد.
لم يعد مفتونًا بجسدها وحده بل بدأ قلبه يميل نحوها.
وبالطبع، لم يتسرب أي من هذا إلى الخارج، لقد حرصت بيوشيل بنفسها على ذلك لكنها سمعت كل شيء، كل تفصيلة وصلت إليها.
متى بدأت هذه العلاقة بالضبط؟
هل منذ اليوم الذي تحدث فيه عن زواج بلا حب؟
لا بد أن الأمر بدأ حينها لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا.
ذلك البرود والجفاء اللذان يكسوان وجهه كان سببهما هذه المرأة.
هل يُظهر لها وجهًا مختلفًا عن الوجه الذي يريها إياه؟
كان مجرد التفكير في ذلك كفيلًا بإثارة الغثيان في نفسها.
وبالطبع، لم يكن لها حق مساءلته.
فهما ليسا مخطوبين أصلًا وحتى لو كانا متزوجين، فلن يتغير شيء.
البوح بمشاعرها لن يبدل الواقع، كل ما عليها فعله هو إبعاد هذه المرأة عن ناظريه.
كانت تتوقع أن تكون جريئة لكنها وجدتها جالسة بصمت، تتجنب النظر إليها كحيوان مذعور. راقبتها بيوشيل بتسلية هادئة، بينما ارتفع طرف شفتيها بابتسامة مائلة.
“أنت تعلمين طبيعة العلاقة التي تربطني باللورد كاسيان، أليس كذلك؟”
ارتجفت يوريسييل.
ورغم أن بينهما طاولة ومسافة تزيد على خطوة كاملة، بدا لها صوت بيوشيل وكأنه يطبق على عنقها مباشرة. كانت قد توقعت هذا الحديث منذ أن جاءت إلى هنا لكن سماعه بصوت مرتفع كان شيئًا مختلفًا تمامًا. كان قلبها ينبض بعنف حتى كاد يغرق أفكارها.
“سأختصر الأمر.”
ارتشفت بيوشيل قليلًا من القهوة، ثم أعادت الفنجان إلى صحنه برشاقة، رنّ صوت الخزف في السكون بوضوح.
“كما تعلمين، أنا وهو على وشك الزواج.”
كان صوتها ناعمًا ومصقولًا، تتدفق منه الرقيّ الأرستقراطي في كل كلمة.
“ومن الشائع بين الأزواج النبلاء أن تتدخل بعض الألعاب في الطريق. لم أكن أنوي الانزعاج من ذلك.”
راقبت، بشيء من التسلية، كيف شحب وجه يوريسييل عند سماع كلمة ألعاب، تحطيم هذه الفتاة لن يتطلب الكثير من الجهد.
“لكن اتضح أنني لا أستطيع تجاهل الأمر. ذلك الرجل يصادف أنه من النوع الذي يعجبني.”
ظلت يوريسييل صامتة، ويداها مشدودتان فوق حجرها.
“ابتعدي عنه.”
حركت بيوشيل إصبعها بخفة، فتقدم شخص من خلفها ووضع ظرفًا أبيض ناصعًا فوق الطاولة ثم دفعته نحو يوريسييل برفق.
“أظن أن هذا يكفي مكافأةً لك على الوقت الذي قضيته معه.”
دوّى صوت أصابعها وهي تنقر على الظرف وسط الصمت.
“فكري جيدًا.”
وعندما لمحت التردد في عيني يوريسييل، ابتسمت بيوشيل ابتسامة واسعة هادئة.
“هذه ستكون آخر مرة أُظهر فيها الرحمة.”
كانت ابتسامتها، التي تشبه وردة متفتحة، تحمل الآن لطخات من الدم على حوافها.
“وأثق أنكِ لستِ حمقاء إلى درجة تظنين معها أنه سيحتفظ بكِ إلى الأبد.”
ثم أضافت ببرود:
“في النهاية سيُلقى بكِ جانبًا.”
ومن دون أن تنتظر ردًا، محَت الابتسامة عن وجهها ونهضت من مقعدها.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.