الفصل 82: 82
82
الفصل الثاني والثمانون
قلب كاسيان الصفحة، لتظهر أفخم الأقمشة وأكثر الفساتين فخامةً في الكتالوج وبإشارة واحدة منه، اتسعت أعين موظفات المتجر دهشةً، قبل أن ترتسم على وجوههن ابتسامات مهنية سريعة ويمضين حاملات الكتالوج.
أولًا القلادة ذات السلسلة والآن الفساتين.
كان رجلًا لا يفعل شيئًا دون هدف أو حساب ولم يكن هذا مختلفًا عن عادته، كلما وقفت أمامه، كنت أتذكر كيف اعتدت ارتداء الفستان ذاته يومًا بعد يوم.
لقد غيّرت كل ما بداخلي كي أوافق توقعاته، لكنني لم أستطع يومًا أن أهتم بالمظهر الخارجي بالقدر نفسه، فأنا لا أنتمي إلى المجتمع الراقي، ولا أرتاد الحفلات وبالنسبة لشخص مثلي، كان الفستان الباهظ مجرد ترف لا أستطيع تحمله.
لو امتلكت مثل ذلك المال، لكنت اشتريت شيئًا ألذ من السوق.
بعض الفاكهة الطازجة أو وجبة دافئة، فأمي رغم اعتلال صحتها، كانت تستمتع بمثل هذه الأشياء كلما استطاعت.
ومع ذلك، كنت أضطر إلى التظاهر بأن أموري بخير، وأن أكذب عليها مرارًا.
أما الفستان الذي كنت أرتديه في كل مرة ألتقيه فيها، فقد اشتريته بعد تردد طويل، لقد بذلت جهدي لأبدو بمظهر لائق لكنني كنت أعلم أن محاولاتي تبدو مضحكة في نظره، فهو رجل يغيّر بذلاته عدة مرات في اليوم تبعًا للمناسبة ومن الطبيعي أن يرى الأمر بهذه الطريقة، حتى البذلة التي كان يرتديها الآن تفوق كل ما امتلكته في حياتي بأشواط أما الأسعار المكتوبة في الكتالوج فكانت صادمة. ومع ذلك، كان يختار ما يعجبه دون أن يلقي نظرة واحدة على الأرقام، فلابد أنني بدوت مثيرة للشفقة في عينيه، وبالطبع لم يكن لدي سبب للرفض.
حتى لو كنت مجرد امرأة يقضي معها ليلة واحدة، فكان من المتوقع أن أبدو بمستواه على الأقل.
هذه الفساتين ليست سوى أدوات تخدم أغراضه.
هكذا أقنعت نفسي كي أبقى هادئة، وفي الوقت نفسه، تخيلت شيئًا مختلفًا. ربما لم أكن أطيعه فحسب، ربما كنت أجمع الأدوات التي سأستخدمها ضده يومًا ما.
مرتديةً هذا الدرع البراق الأخّاذ سأخترق قلبه ذات يوم وأهرب.
وسيكون ذلك أعظم انتقام أستطيع أن أقتصه من هذا الرجل.
***
لساعات طويلة وقفت كدمية عرض، أبدّل فستانًا بعد آخر.
والآن كنت أقف مرتديةً فستانًا يحمل شعار الوردة الزرقاء الخاص بالمتجر وكان هو يحدق بي بصمت.
أشعلت نظرته المتعالية شيئًا غريبًا بداخلي، حتى أنا لم أفهم سبب شعوري بهذه الرغبة في التحدي فسألته:
“هل تعرف معنى الوردة الزرقاء؟”
“أليست معجزة؟”
“إذًا أنت تعرف.”
“إنه معنى مشهور.”
مررت أصابعي على طرف الفستان وجلست إلى جواره ثم رفعت وجهي المحاط بالسلسلة التي أهداها لي ونظرت إليه مباشرة فبادلني النظر باهتمام، تلألأت عيناه الحمراوان وكأنهما تدعوانني إلى المتابعة فقلت:
“يُقال إن صاحبة هذا المتجر وقعت في حب رجل من عامة الشعب. وبالطبع، عارض والداها ذلك، وكان العالم مليئًا بالأحكام المسبقة.”
“وماذا كانت النهاية؟”
“انتهى بهما الأمر معًا. لهذا يُسمى الأمر معجزة، أليس كذلك؟”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم أرَ مثلها من قبل، بدأت كابتسامة ساخرة ثم تحولت تدريجيًا إلى ابتسامة حقيقية، نقية ومشرقة لدرجة يستحيل معها الشك في صدقها وتردد ضحكه الخافت في أرجاء الغرفة.
“ثم؟”
“ماذا تقصد؟”
“ما الذي تحاولين قوله؟”
كان صوته رقيقًا أما ابتسامته فكانت جميلة إلى حد القسوة وكأن ما حدث الليلة الماضية لم يقع أصلًا فأجبت:
“ليس لدي شيء أريد قوله.”
“إذًا؟”
“فقط… أردت سماعها.”
منذ اللحظة التي قررت فيها ألا أعيش حياة فاضلة، أجبرت نفسي على نسيان كل ما يتعلق به، كان عليّ أن أنسى أن لديه خطيبة وأنسى أنني أرتكب خطيئة.
فقلت وأنا أبتسم تلك الابتسامة التي تدربت عليها مرات لا تحصى قبل دخول الفندق للحصول على الدواء:
“كنت أنا الوحيدة التي قالتها، أنا من قال: أُحِبُكَ.”
كنت أتمنى أن يردد كلماتي، ليس لأنني توقعت أن يقولها الآن
بل لأنني أردت أن يأتي ذلك اليوم في النهاية.
لأنني أردت أن أستخرج منه أكثر المشاعر إيلامًا، فذلك هو الجرح الحقيقي الوحيد الذي أستطيع إلحاقه به.
هو لم يتزوج بعد ولم تُعلن خطبته رسميًا حتى الآن.
ما زال لدي وقت، ولهذا قررت أن أكون أنانية، ولو مرة واحدة.
أظلم بريق عينيه الحمراوين وهو ينظر إليّ. وللمرة الأولى، رأيت شعورًا واضحًا يومض خلف نظرته ومع ذلك، لم أستطع فهم معناه.
فلا أحد يستطيع معرفة ما يدور في ذهنه بمجرد النظر إلى وجهه.
وفي لحظة عابرة، انحنت عيناه بطريقة آسرة على نحو لا يُصدق
ثم قال:
“أُحِبُكِ.”
تجمدت في مكاني.
كانت الكلمات أشبه بتعويذة سحرية، ولم يصرف نظره عني بل كررها مرة أخرى.
“أُحِبُكِ. أنتِ.”
تصلب جسدي بالكامل.
لم أتصرف كمن تلقى اعترافًا بالحب بل كمن أصابته لعنة.
“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”
مرر يده بين خصلات شعره، وحتى تلك الحركة كانت لطيفة كعادتها. تسللت أشعة الشمس عبر النوافذ الممتدة على جدران المتجر واستقرت فوقه فبدا صوته دافئًا وكسولًا، كأنه تشرب ذلك الضوء الذهبي.
“أنتِ من طلب مني أن أقولها.”
هبطت عيناه ببطء على خطوط الفستان ثم عادتا لتستقرا عليّ وكأنني مقيدة بسلسلة صنعتها نظرته.
وكان محقًا، أنا من طلبت سماع تلك الكلمات لكنني الآن عاجزة حتى عن التعامل مع المشاعر التي تتصاعد داخلي.
لم يكن الأمر مجرد حماقة بل يأسًا هذا هو الوصف الأدق.
قبل أن أفكر أصلًا في العبث بقلبه، كان عليّ أن أحصل منه على الدواء، وموازين القوة بيننا كانت واضحة منذ البداية.
وفي الحقيقة حتى محاولتي للتلاعب به لم تكن نابعة من العاطفة.
بل كانت محاولة يائسة كي لا أظل الطرف الأضعف دائمًا
لهذا أخبرت نفسي ألا أفكر في شيء.
كل لحظة أقف فيها أمامه ليست سوى مشهد على خشبة مسرح.
وكما تدربت آلاف المرات من قبل، رسمت ابتسامة مثالية على شفتي ورفعت رأسي نحوه.
“لم أتوقع أن تقولها بهذه الصراحة.”
اكتفى بالابتسام دون أن يجيب.
ظننت أنني نجحت في التمثيل بصورة طبيعية، لا أعلم كيف بدا الأمر من وجهة نظره، لكن بالنسبة لي كان أداءً مقنعًا.
وفي طريق العودة إلى العربة أمسك بيدي، كما لو كنا عاشقين حقيقيين ثم شبك أصابعه بأصابعي واحدة تلو الأخرى برفق.
نظرت إلى جانبه فرأيته يبتسم.
وبعد أن صعدنا إلى العربة، لم يتحدث كثيرًا، لكنه لم يترك يدي ولو مرة واحدة.
***
حلّ موسم تفتح الأزهار فوق الثلوج الذائبة. وكان دفء العاصمة اللطيف أكثر راحة من أي وقت مضى، لكن السلام لم يكن موجودًا في حياتي قط، كنت دائمًا أقف وسط ساحة حرب.
وأنا أراقب الناس الذين خرجوا للاستمتاع بالطقس الجميل، شعرت بأن ذهني قد فرغ تمامًا كأنني استيقظت من حلم وكأنني عدت إلى الواقع فجأة وكان الفرق بين العالمين مؤلمًا فقلت:
“يمكنك إنزالي في المكان الذي صعدت منه.”
كنت أخشى، ولو قليلًا، أن يقوم بحيلة أخرى تكشف علاقتنا للآخرين، والشيء الوحيد الذي منحني بعض الطمأنينة هو أنه ما زال ممسكًا بيدي فمنذ أن قال إنه يحبني، أصبح أكثر لطفًا
حتى بدا وكأنه يؤدي دور الحبيب المخلص بإتقان.
“حسنًا.”
نقل الفارس الذي استقبلني بابتسامة في المرة الأولى الأمر إلى السائق، ثم اختفى بسرعة مع العربة.
مررنا بعدة شوارع ونافورات قبل أن تتوقف العربة بسلاسة خلف الساحة وما إن نزلت حتى أسرعت الخطى.
كانت الأزهار المتفتحة خلفي تجعل المشهد جميلًا، لكن لم يكن لدي وقت للتأمل، لم أتوقع أن أغيب يومًا كاملًا ولذلك لم أخبر أمي بأي شيء، لابد أنها كانت قلقة حتى الموت.
ركضت تقريبًا إلى النزل وحين دخلت، رأيتها.
“أمي.”
التفتت نحوي ببطء وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة.
لم تبدُ متفاجئة، ولا قلقة، ولا حتى كأنها كانت تنتظرني.
تجمدت في مكاني من شدة الاستغراب.
وضعت حياكتها جانبًا ونظرت إليّ.
“عدتِ أبكر مما توقعت يا صغيرتي.”
‘أبكر مما توقعت؟’
هل نسيت مجددًا؟ لكنها نادتني بابنتها، إذًا لم تنسَ من أكون.
ولم أعرف إن كان عليّ أن أشعر بالارتياح أم بالحزن.
فامتلأت عيناي بالدموع قبل أن أتمكن من منعها ابتسمت بصعوبة وعانقتها بقوة فضحكت وسألتني ما الذي أصابني.
“آسفة لأنني تأخرت وعدت دون أن أخبركِ.”
وما إن خرجت الكلمات من بين شفتيّ بصعوبة، حتى توقفت يدها التي كانت تربت على ظهري.
“ماذا تقصدين؟ لقد جاء شخص من القصر وترك رسالة.”
“رسالة من القصر؟”
ابتعدت عنها قليلًا ونظرت إليها فبادلتني نظرة حائرة.
“قال إن موظفي المدينة جميعهم سيغادرون في رحلة عمل ليوم كامل. هذا ما سمعته.”
‘من الذي أرسل تلك الرسالة؟’
وبعد لحظة تذكرت الفارس الأشقر المبتسم أمام العربة، إذًا لقد خطط لذلك منذ البداية كان ينوي إبقائي معه أكثر من يوم.
تنهدت بهدوء.
ومع ذلك، كنت ممتنة لأنه حرص على ألا تقلق أمي.
“نعم، كنت أنا. ذهني مشتت هذه الأيام.”
ابتسمت لها، فهبطت نظرتها نحو الأكياس التي أحملها عندها فقط أدركت عدد الأشياء التي كنت أحملها معي. كان قد عرض أن يرسل خادمًا لمساعدتي لكنني رفضت لأنني قلت له:
〈”إذا كنت سأتلقى شيئًا منك، فأريد أن يكون الثقل في يدي مساويًا للثقل في قلبي. أريد أن أحمل مشاعري تجاهك بالقدر نفسه الذي أحمل به هذه الأكياس.”〉
وبعد سماعه تلك الكلمات، تراجع بصمت، ذلك الرجل الذي لم يكن يصغي لكلامي أبدًا احترم طلبي هذه المرة.
وللمرة الأولى، شعرت أنني بدأت أفهم كيف أؤثر فيه ولو قليلًا.
لكي أقول له «لا»، كان عليّ أن أُظهر له إلى أي مدى سمحت له بالاقتراب من قلبي.
والآن بدا الأمر وكأن كلماتي ارتدت عليّ، فالثقل المعلق بمعصميّ كان أكبر من أي وقت مضى.
ومع ذلك، هززت كتفي بلا مبالاة.
“إنها مجرد أشياء أحتاجها للمشروع.”
قبلت أمي التفسير دون أي شك ثم عادت إلى حديثها المعتاد.
وكما أفعل دائمًا مزجت الأكاذيب الصغيرة بالحقيقة.
أخبرتها أنني أتفق جيدًا مع زملائي، وأن المشروع يسير على ما يرام، وأن الرحلة أسعدتني، وأن العالم خلف نهر كاليبسي كان جميلًا ومليئًا بالعجائب.
وفي وسط كل تلك الأحاديث اختفى أثر ذلك الرجل تمامًا خلف أكاذيب محكمة الصنع. فلم يكن بوسعي أن أقول كلمة واحدة صادقة عن هذه العلاقة الملتوية.
ثم سألتني أمي عن هايل.
“هل ما زلتِ مقربة من هايل؟”
كان صوتها هادئًا لكن عينيها كانتا خاليتين من البريق.
فعندما تتجمد ذاكرتها في الماضي، غالبًا ما تصبح نظراتها هكذا.
أجبتها بالتعبير نفسه الذي أستخدمه دائمًا.
“بالطبع. نحن بخير.”
كان هايل مترددًا قليلًا بعد ذلك اليوم، لكن في النهاية، استمر في معاملتي كما اعتاد، لم يعد ينتظرني بعد العمل لكنه ما زال يبتسم حين نلتقي، وما زال يلقي التحية، وما زال يتبعني سرًا.
أحيانًا، عندما ألتفت للخلف، أرى ظله يراقبني من بعيد لكنني اخترت تجاهل الأمر تمامًا فعلى الأقل، بهذه الطريقة استمرت الرابطة بيننا، حتى وإن كانت هشة ولهذا لم تكن كلماتي كذبًا بالكامل.
ثم سألتني أمي:
“وماذا عن السيد الشاب؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.