الفصل 80: 80
80
الفصل الثمانون
“إلى أين سنذهب اليوم؟”
ارتجف صوتها كما ارتجفت أهدابها الخافقة.
“ألفونس.”
في لحظة واحدة، أُلغيت كل الخطط المتعلقة بالوجهات الجميلة والساحرة، وأُعيدت كتابة كل شيء من جديد.
شحبت ملامح يوريسييل وبدأ جسدها يرتعش، وبالطبع كان ذلك طبيعيًا. فامرأة تخفي هذا القدر من الأسرار كانت قد أخفت عنه حتى حقيقة هروبها من ألفونس.
تذكّر تلك الرسائل، لم يكن فيها سطرٌ واحدٌ صادق.
ذلك الوجه الجميل، المرتّب بعناية كحال رسائلها، لم يكن يحتوي على شيء حقيقي أما مشاعرها الحقيقية فكانت دائمًا مخبأة في مكان ما خلف ذلك القناع فهل ستنكشف حقيقتها حين تعود إلى ألفونس؟
لانت نظرة كاسيان قليلًا وهو يراقب يوريسييل.
***
ألفونس؟
بمجرد سماعها ذلك الاسم، بدأ جسد يوريسييل كله يرتجف.
اندفعت ذكريات هروبها اليائس ككابوسٍ قديم، تنبض داخل رأسها بقوة، بعد كل ما عانته لتفرّ من ذلك المكان.
ذلك اللورد كان قد طالب أمها بخدمته ليلًا حتى اللحظة الأخيرة.
ولولا العيون المراقبة المحيطة بهم، لما كان أحد يعلم إلى أي مدى كان سيتمادى.
كان رجلًا يعامل خدمه كأنهم ممتلكات، وما لم يقرر بنفسه التخلي عن أحدهم، فإنه يتمسك به ويستنزفه كالعبد أما من ارتبطوا بأسرته، فنادرًا ما تمكنوا من الفرار، معظمهم كانوا إما عبيدًا أو غارقين في الديون.
وفي تلك الأرض البائسة، كان اللورد يعصر الناس حتى آخر قطرة وفي الحقيقة، كان معظم سكان المنطقة يعيشون تحت سيطرته.
ولم يكن يسمح أبدًا بمرور الهاربين دون عقاب.
فمن يفرّ من أملاكه، كان يطارده بنفسه ويُنزل به عقوبات وحشية.
تذكرت ما كانت الخالة ماري ترويه، كان يؤمن بأن الحيوانات الهاربة تستحق العقاب وكانت أساليبه، كما يُشاع، بالغة القسوة.
ولو لم تخطط لهروبها بعناية وتستغل لحظة تراخيه، لما استطاعت حتى تخيّل ما كان سيحدث لها.
وبالنظر إلى طبيعته، لم يكن هناك أدنى شك في أنه واصل البحث عنها وعن والدتها لسنوات.
لم تكن يوريسييل مدينة له بشيء لكنه لم يكن يرى الأمر بهذه الطريقة، حتى النهاية، ظل يصرّ على أن أمها مدينة له، وأن الدين يجب أن يُسدَّد من خلال ابنتها.
لقد اختلق دينًا من العدم لمجرد أنهما عاشتا تحت سقف أملاكه.
وبعد اختفائهما، لا بد أنه أمضى سنوات يحاول تعقبهما ولهذا السبب، منذ اللحظة التي غادرت فيها ألفونس، لم تتواصل مع أي شخص هناك، ولم تخبر أحدًا بمكانها.
وبعد أن استقرت في العاصمة، استطاعت أخيرًا أن تنسى ألفونس.
كانت قد قطعت وعدًا.
بعد عام واحد، حين تستعيد أمها عافيتها بالكامل، سترحلان إلى أبعد مكان ممكن، بعيدًا عن العاصمة، بعيدًا عن ألفونس، إلى جزيرة في البحر الجنوبي، حيث لا يستطيع أحد العثور عليهما.
لكن الآن ألفونس؟
قد تكون آمنة حاليًا بوجود هذا الرجل إلى جانبها، لكن إن جاء يوم اضطرت فيه إلى الهرب مجددًا، فهناك احتمال حقيقي أن تُقبض عليها.
مجرد التفكير في ذلك جعل العرق البارد يتفجر على بشرتها.
شعرت وكأنها قد تموت من الخوف وحده.
“ألا يمكننا الذهاب إلى مكان آخر؟”
خرج صوتها خافتًا بالكاد فوق الإيقاع المنتظم لعجلات العربة.
استجمعت شجاعتها لتقولها، لكن الكلمات كانت مثقلة بالرعب.
“لماذا؟ هل تكرهين ألفونس؟”
“لا، ليس الأمر كذلك تمامًا.”
ارتجف صوتها وتعثرت كلماتها أما العينان الحمراوان للرجل الجالس بجانبها فبدتا وكأنهما تخترقانها تمامًا حتى إن التنفس أصبح صعبًا.
“ليس كذلك تمامًا؟”
كرر السؤال بهدوء لكن هيئته كانت تقول شيئًا مختلفًا.
كان جالسًا براحة، ساق فوق أخرى، وكأنه يملك كل الوقت وكل السيطرة في العالم وأعادت تلك الصورة إلى ذهنها حقيقة واضحة.
هذا الرجل لا يتخلى أبدًا عما يريده، لقد عاش حياته بأكملها وهو يأخذ ما يشاء أما مقاومتها فلن تكون بالنسبة له سوى تسلية.
وفي كل مرة حاولت فيها المقاومة، كانت النتيجة تثبت لها أن الصمت كان الخيار الأفضل.
“لم أقصد شيئًا بذلك. قلتها فقط.”
لسبب ما، تبدلت ملامحه قليلًا.
رغم أن العربة كانت لا تزال تتجه نحو ألفونس كما أراد تمامًا.
لم يقل شيئًا لكن صمته بدا مختلفًا هذه المرة.
غريبًا على نحو يصعب تفسيره.
ترى هل كانت تتوهم مجددًا؟
تشابكت أفكارها بينما اقتربت العربة من نهر لامبتون.
كانت أشجار الزيلكوفا الشاهقة الممتدة بمحاذاة المياه لا تزال تحتفظ بملامح ألفونس القديمة، وبعد ساعات طويلة من السفر، بدأ الظلام يتجمع خلف نوافذ العربة عندها فقط أدركت الحقيقة.
سوف يضطران إلى المبيت في ألفونس، أي أنها قد تقضي ليلة كاملة مع هذا الرجل في ذلك الجحيم القديم.
ضحكت بخفة من فرط عدم التصديق.
حين بدأت خيوط الفجر الأولى بالظهور، توقفت العربة السريعة أخيرًا، الرجل الجالس بجواري لم ينطق إلا بالقليل طوال الرحلة.
رغم أنه قال إننا ذاهبان في نزهة، إلا أنه لم يفعل سوى التحديق بصمت عبر النافذة وأحيانًا كان ينظر إليّ للحظات، ثم يعيد بصره إلى المناظر الخارجية.
لم أكن أعرف السبب، لكنه بدا وكأنه مستاء من شيء ما.
لقد نفذت كل ما طلبه، استخدمت الـ«تشانجر»، ولم أضع أي عطر، فما الخطأ الذي ارتكبته؟
ومع تزايد قلقي من أن أكون قد أزعجته بطريقة ما، بدأت أشعر بالتوتر، وفي اللحظة التي امتلأ فيها رأسي بالأفكار المزعجة، نزل من العربة ومدّ يده نحوي.
اختفى البرود الذي أظهره سابقًا في تلك اللحظة وكانت لمسته تحمل دفئًا رقيقًا، أمسكت يده ونزلت من العربة وعندها شعرت بنظرات أحدهم تلاحقني.
كان الفارس نفسه الذي فتح باب العربة من قبل بابتسامة مرحة.
كان وسيمًا إلى حدٍّ لا بأس به، لكن حضوره كان يتلاشى تمامًا أمام الرجل الواقف إلى جانبي.
وقف يراقبنا بصمت وربما افترض أننا عاشقان.
لم يكن يهمني ما يعتقده، كل ما عليّ فعله هو أن أتصرف بالطريقة التي يريدها هذا الرجل.
حين أدرت رأسي، اندفعت المناظر المألوفة إلى بصري.
رائحة الميناء عبرت أنفي واجتاحت صدري كالموجة، حاملة معها ذكريات قديمة، ذكريات امتزج فيها الفرح بالحزن لكن المشكلة كانت أن الحزن كان دائمًا أكثر طغيانًا، كافيًا لدفن ما تبقى من الفرح. وفي نهاية المشهد الذي حاولت نسيانه بكل ما أوتيت من قوة، ظهرت الدرجات الحجرية الضخمة والقصر القائم فوقها.
ذلك القصر الذي بدا يومًا شاهقًا وبعيد المنال أما الآن، فلم يعد يبدو مرتفعًا إلى هذا الحد.
بعد مغادرتي ألفونس، أدركت أخيرًا كم كان عالمي صغيرًا.
في العاصمة، كانت هناك مبانٍ تضاهي هذا القصر ارتفاعًا وفخامة أما القصر الملكي الذي أعمل فيه، فلم يكن حتى مجالًا للمقارنة.
وحتى قصر بلانشيت وفندق ماريوت اللذان أمرّ بهما باستمرار كانا أكثر هيبة. والآن، وأنا أسير نحو قصر اللورد الذي بدا أصغر مما أتذكره، بدأ قلبي يخفق بعنف.
***
لم يبدُ أنهم تلقوا إشعارًا مسبقًا بوصولنا.
فقد خرجت إحدى الخادمات مسرعة من البوابة الرئيسية وهي لا تزال تعدّل شالها، تقدمت من الظلال، وعندما رأيت وجهها بوضوح، تجمدت في مكاني.
العمة ماري.
مرت سنوات منذ آخر مرة رأيتها فيها، لقد اختفيت دون كلمة واحدة ولم أتواصل معها بعدها أبدًا ولا حتى برسالة واحدة.
لا بد أنها كانت غاضبة مني، وربما حتى تعرضت لتوبيخ قاسٍ من اللورد بسببي. ففي النهاية، كانت العمة ماري هي من أدخلتني إلى هذا القصر منذ البداية، ولهذا لم أستطع منع شعوري بالذنب عندما رأيتها مجددًا.
ارتجفت عيناها لحظة تعرفت عليّ، بدت وكأن لديها ألف سؤال لكنها اكتفت بالنظر إليّ بصمت، لم تسأل شيئًا وربما لم تستطع، ما دام هذا الرجل يقف بجانبي.
وبمجرد أن انتبهت إليه، استدارت بسرعة نحو أحد الخدم وأعطته تعليمات منخفضة ثم انحنت باحترام عميق.
“مرحبًا بك، اللورد بلانشيت، اللورد خارج حاليًا لتفقد أملاك المقاطعة. لقد أرسلت من يخبره بوصولكم، وسيعود قريبًا.”
كلمة «اللورد» وحدها كانت كفيلة بإسقاط قلبي إلى القاع مرة أخرى، وبعد أن أنهت حديثها، ألقت العمة ماري نظرة خاطفة نحوي قبل أن تشيح بوجهها.
بدا واضحًا أنها تتساءل عن طبيعة علاقتي بالرجل الواقف بجانبي لكنها لم تقل شيئًا، على الأرجح لأنه كان حاضرًا.
أمرت إحدى الخادمات بإعداد غرفة الضيوف، ثم انحنت لكاسيان مرة أخرى.
“سأرشدكم إلى غرفتكما. تفضلا من فضلكما.”
أومأ كاسيان برأسه بخفة، فاستدارت العمة ماري لتقود الطريق وعندما هممت بالسير خلفها، مدّ ذراعه نحوي مرة أخرى.
إذا كنت سأواجه ذلك اللورد، فمن الأفضل أن نبدو كزوجين مثاليين، حتى بينما كان الخوف يشل تفكيري، أجريت حساباتي بسرعة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، لكنت تمسكت بذراعه.
هذه المرة اقتربت منه أكثر قليلًا.
نظر إليّ بنظرة غريبة للحظة، ثم بدأ بالمشي، وواكبت خطواته طبيعيًا وأنا أسير إلى جانبه داخل القصر.
ما إن دخلنا حتى شدّ انتباهي التغيير الهائل في الداخل.
الأرضيات الرخامية غُطيت بسجاد أحمر ناعم، والأبواب المصنوعة من خشب الجوز الداكن طُليت بألوان فاتحة أما الشمعدانات الفضية وقطع الزينة القديمة، فقد استُبدلت بأخرى ذهبية براقة، والستائر الحمراء القاتمة أصبحت بألوان باستيلية فاتحة بل وحتى اللوحة الضخمة التي كانت تغطي أحد الجدران بالكامل، والتي تصور اللورد وزوجته، اختفت تمامًا.
كان كل شيء مختلفًا إلى درجة جعلتني أتساءل إن كان هذا هو المنزل ذاته فعلًا، أمر غريب، فحتى لو مرت سنوات منذ مغادرتي ألفونس، فمن النادر أن يُعاد تجديد مكان بأكمله بهذا الشكل والأغرب أن التغييرات لم تكن طفيفة بل عكست ذوقًا مختلفًا تمامًا.
ومع استمرارنا في السير، بدأت الأسئلة تتراكم داخل رأسي.
أخيرًا توقفت العمة ماري أمام أكبر وأفخم غرفة ضيوف في عمق القصر. وفي تلك اللحظة، ظهر عدد من الخدم من الممر المقابل، وقد بدا واضحًا أنهم تلقوا الخبر للتو وكان بينهم رجل لم أتعرف إليه في البداية.
شعره أصبح أبيض بالكامل، انحنى بأدب واحترام ثم وقعت عيناي على وجه مألوف يقف خلفه مباشرة.
لاندو كبير الخدم.
في اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني كاسيان، ارتجف قليلًا وسرعان ما أشاح ببصره، مطأطئًا رأسه، وما زال يحمل شارة كبير الخدم على صدره لذا لا يبدو أنه طُرد من منصبه.
فهل يمكن أن يكون صاحب هذا القصر قد تبدّل؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.