الفصل 79: 79
79
الفصل التاسع والسبعون
عدتُ وأنا أحمل سؤالًا لا إجابة له.
يا له من نفاقٍ مني، ظللتُ أردد لنفسي أنني أريده أن يحبني، والآن ها أنا أرتبك عندما يبدو أن ذلك قد يحدث فعلًا.
أليس من السخافة أن أفكر بهذه الطريقة في علاقة لا يقوم أساسها إلا على أن يستغل كلٌّ منا الآخر حتى تنتهي؟
في هذه اللحظة، كان ينبغي أن أشعر بالارتياح فحسب لأن مشاعره لم تبتعد عني.
كان ينبغي أن أبتسم، وأن أفرح بصمت لأنه توغل بهذا العمق داخل قلبي كما يحدث دائمًا.
ما يجب أن أفكر فيه حقًا هو إلى أين سنذهب في لقائنا القادم، وكيف يمكنني أن أبقيه تحت سيطرتي.
لكن قبل أي شيء، كان عليّ أن أتجاوز هذا اليوم أولًا.
عادت يوريسييل إلى المسكن بوجه هادئ، وقدمت الدواء إلى والدتها، كانت والدتها نائمة، ثم نهضت ببطء وهي لا تزال غارقة في النعاس، تناولت الدواء ونظرت إليها.
عينان ترمشان بلا تركيز لا تحملان أي علامة على التعرف إليها.
في الآونة الأخيرة، أصبحت والدتها تفقد ذكرياتها أكثر فأكثر، حتى إن هناك أوقاتًا لم تعد تتذكر فيها ابنتها نفسها.
مدّت يدًا مرتجفة ولمست وجه يوريسييل.
“اشتقت إليك كثيرًا.”
في تلك اللحظة، بدا وكأن والدتها تراها شبحًا لوالدها.
وبناءً على نصيحة الطبيب، بقيت يوريسييل صامتة في مثل هذه المواقف، تؤدي الدور الذي تتخيل والدتها أنها تخاطبه.
كانت والدتها تمسك يدها وتواصل الحديث، كما لو أنهما تمثلان مشهدًا في مسرحية.
“كنت أريد بشدة أن أريك ابنتنا إيل، إنها جميلة وذكية جدًا تمامًا مثلك.”
عادت يد والدتها المرتجفة تلامس وجهها برفق.
وحين أمسكت يوريسييل يدها، رفعت المرأة عينيها الدامعتين وقالت بصوت خافت:
“لقد اشتقت إليك كل يوم، لكن لا داعي لأن تعرف ذلك. انسَ شخصًا مثلي وعش حياتك جيدًا. لا بأس إن كنت تكرهني.”
“أمي…”
حتى عندما نادتها برفق، لم تتعرف إليها بل استمرت في مخاطبة الرجل الذي لم تعرفه يوريسييل يومًا حق المعرفة.
“لكن أرجوك، لا تكره طفلتنا.”
كانت تلك الكلمات مؤلمة إلى حد لا يُحتمل.
ظلت يوريسييل تنادي والدتها مرة بعد أخرى.
وأخيرًا بدا أن المرأة استعادت وعيها للحظات، لكنها ما لبثت أن غرقت في النوم مجددًا.
‘لا تكرهها؟’
ما الذي يُفترض أن يعنيه ذلك؟ أليس العكس هو الصحيح؟
ما الذي فعلته والدتها أصلًا ليستحق منها أحد الكراهية، وهي التي ربّتها وحدها طوال حياتها؟
لم تستطع يوريسييل أن تفهم لماذا ما زالت والدتها تشتاق إلى ذلك الرجل ومع ذلك، كان قلبها يؤلمها.
كان جبين والدتها النائم دافئًا على نحو مقلق، وضعت عليه منشفة مبللة، ثم التقطت التقويم ورسمت علامة (×) فوق ذلك اليوم.
فانكشفت أمامها الأيام المتبقية بوضوح.
ثماني مرات، ثماني مرات فقط عليها أن تحضر الدواء لوالدتها.
وبعدها سينتهي كل شيء، ستستعيد والدتها ذكرياتها، وستتحرر يوريسييل أخيرًا من ذلك الرجل.
***
مرّ الوقت بهدوء غريب وبينما كانت منشغلة بإنهاء أعمالها كموظفة إدارية، انقضى أسبوع كامل في لمح البصر.
وحلّ عطلة نهاية الأسبوع مجددًا ومعها جاء توترٌ خافت.
مجرد التفكير في مقابلته تحت ضوء النهار كان كفيلًا بأن يجعل وجنتيها تحمران، قد يبدو الأمر هوسًا أو حتى مرضيًا لكن هذا ما كانت تشعر به فعلًا.
إلى أين ينوي أن يأخذها؟ ولماذا يريد مقابلتها خارج الفندق؟
تنهدت وفتحت الخزانة، ثم أخرجت الـ«تشانجر».
حتى الآن، لم تكن تشعر أن تصميمه الأنيق يليق بها.
كان أفخم شيء تمتلكه على الإطلاق، وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تشعر بمدى بساطتها مقارنة به، ولهذا السبب تحديدًا أبقته مدفونًا داخل الخزانة طوال هذه المدة.
وبطبيعة الحال، لم تجرب قط الشكل الذي يستطيع منحه لها.
ضغطت الزر بأصابع متوترة فأعلن الجهاز أنه يتعرف على ملامح وجهها وبعد لحظات، انساب المكياج السحري فوق ملامحها بسلاسة.
حدقت يوريسييل في المرآة مرارًا وتكرارًا.
ما هذا؟
لم يتغير شكلها كثيرًا، بل إن التغييرات كانت أدق بكثير مما توقعت، بدت أكثر تهذيبًا وصقلًا، كما لو أنها لا تضع أي مكياج أصلًا، ومن زاوية إيجابية، منحها ذلك مظهرًا نقيًا وبريئًا أما من زاوية أخرى، فقد جعلها تتساءل إن كان شيء بهذا الثمن الباهظ يستحق الشراء فعلًا.
لم تكن تشكك في جودة المنتج نفسه، فلا أحد سوى متجر «كاليبسي» يستطيع ابتكار مظهر طبيعي إلى هذا الحد، ببشرة صافية وشفاه متوردة بلطف لكن ما دام بهذا الغلاء، أليس من الأفضل أن يُحدث تغييرًا أكثر وضوحًا؟
داخل العلبة وجدت كتيبًا صغيرًا يشبه دليل الاستخدام.
وكان مكتوبًا فيه أن «تشانجر المكياج الشفاف» صُمم ليمنح مظهرًا نضرًا كالندى ورقيقًا كأغصان الصفصاف.
‘أهذا هو النوع الذي يفضله؟’
في البداية ظنت أنه أهداه لها سخريةً من زياراتها المتكررة لذلك المتجر لكن بما أنه طلب منها أيضًا التوقف عن استخدام العطر
فربما كان ذلك حقًا ذوقه المفضل.
في النهاية، لم يكن الأمر مهمًا، دفعت كل تلك الأفكار إلى أعماق عقلها، كل ما عليها فعله هو تنفيذ ما يطلبه منها.
***
أسرعت إلى الجهة الخلفية من الساحة الصغيرة، ووصلت في الموعد المحدد تمامًا. كانا قد اتفقا على المكان عبر رسالة بخط اليد
أما الاهتمام الذي كانت تتلقاه سابقًا من موظفي الإدارة، فقد تلاشى منذ زمن ولو التقيا قرب المساكن، لانتشرت الشائعات عنه فورًا. وفي المرة السابقة، لحسن الحظ، لم يتعرف أحد إلى هويته لكن كلما رآه الناس أكثر، ازداد الأمر خطورة.
خصوصًا أن هذه كانت المرة الثانية التي يلتقيان فيها خارج الفندق، وأي حديث عابر قد يتحول سريعًا إلى إشاعات مشوهة وغريبة. بالطبع، لو بقي مجرد إشاعة فحسب، لما كان ذلك سيئًا.
‘أنا أقضي ليلة معه كل أسبوع. هل يمكنني حقًا أن أعتبر ذلك مجرد إشاعة؟’
في النهاية، سيكتشف الناس حقيقة العلاقة بينهما.
هزت رأسها بقوة لتطرد النهاية التي لا تريد حتى تخيلها.
ولحسن الحظ، كان الطريق المؤدي إلى خلف الساحة شبه خالٍ من المارة، تمامًا كما تمنت.
ومع ذلك، ظلت تخفض رأسها وكأنها ترتكب خطيئة.
وبعد أن تفقدت محيطها عدة مرات، دخلت المنطقة الأكثر عزلة وهناك، في البعيد، رأت عربة، حتى من مسافة بعيدة بدت العربة فاخرة ومهيبة.
لقد رأت عربات جميلة من قبل، مرة كانت عربة سائح ثري في ألفونس، ومرة أخرى كانت عربات النبلاء المصطفة في مراسم الوداع أثناء عملها الإداري لكن هذه العربة كانت مختلفة.
حتى بين تلك العربات كلها، كانت تتمتع بحضور نبيل وطاغٍ.
ولو وُضعت قرب الساحة الرئيسية أو المساكن، لكانت كارثة حقيقية.
تفقدت المكان مرة أخرى ولم تسترخِ إلا بعدما تأكدت من خلوه من الناس عندها فقط بدأ خفقان قلبها يتباطأ.
أخذت نفسًا عميقًا واقتربت، ففتح لها الباب رجل تعرفت إليه على نحو غامض وكان يبتسم لسببٍ ما.
***
ألقى كاسيان نظرة على العربة الضيقة، ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من أي مرح حقيقي.
هو من طلب العربة لكن تيوبه هو من تولى تجهيزها.
وعندما سأله كاسيان عن سبب اختيار هذا الشكل تحديدًا، أجابه الفارس بلا تردد:
“شعرت أن عليّ فعل شيء ما.”
“ماذا؟”
“إنه موعدك الغرامي الأول، سيدي. لم أستطع تحمل رؤية حبك الأول ينتهي بعشق من طرف واحد.”
“لقد فقدت عقلك.”
“لكنه حبك الأول فعلًا، أليس كذلك؟”
“وماذا لو كان؟”
“فقط ظننت أنه سيكون جميلًا لو سارت الأمور بينكما على ما يرام.”
“أليس من المفترض أن تمنعني بدلًا من ذلك؟”
“أنا فارسك، لا الماركيز بلانشيت ولا سيدة الدار.”
“حقًا لا تعرف معنى الولاء. أنت تعيش على المخصصات التي يمنحك إياها والدي.”
“وأنت من حرص على أن أحصل على تلك المخصصات أصلًا، سيدي. لذا فإن ولائي لك أنت.”
“وإذا كان سيدك يسير في طريق خاطئ، ألا ينبغي أن تصححه؟”
“ليست تلك مسؤوليتي. إحساس الفارس بالصواب والخطأ يتشكل وفق أوامر سيده.”
“إذًا جهزت هذه العربة لمجرد أنني طلبت واحدة، رغم أنني لم أحدد نوعها؟”
“لم تحدد شيئًا، لذلك استخدمت حكمي الخاص.”
“آمل أن تسير الأمور اليوم على خير ما يرام، لأجلك أنت تحديدًا.”
“وأعتقد أن من حقي أن أقول شيئًا أيضًا. لقد طلبت جهاز «تشانجر» مخصصًا من ذلك المتجر المليء بالنبيلات.”
“لا بد أنني كنت فاقدًا لعقلي تمامًا.”
“إذًا دعني أضيف شيئًا آخر. في ذلك اليوم، عندما غادرت الغرفة كان وجهها مختلفًا.”
“مختلفًا كيف؟”
“بدت منزعجة.”
كانت دائمًا تبدو جافة وخالية من المشاعر، كغصن يابس هش لكنها يومها أظهرت انفعالًا واضحًا، وكان أول شعور أظهرته له هو الانزعاج. المرأة التي بدت متفاجئة أمامه بعد تلقي الهدية، غادرت الغرفة بوجه مختلف تمامًا.
وحين فكر في ذلك الآن، بدا الأمر سخيفًا ومع ذلك، أثار فضوله.
أي تعبير ارتسم على وجهها بعد خروجها؟
كيف كانت ملامحها حين أصبحت بعيدة عن أنظاره؟
لم يكن من الصعب تخيل ذلك.
خصوصًا عندما تذكر يوريسييل التي عرفها في ألفونس.
آنذاك، كانت تُظهر مشاعرها أمامه بلا تحفظ.
لم تكن النسخة المتحفظة والمنضبطة التي يراها الآ بل كانت جريئة ووقحة أحيانًا. ربما خرجت من الغرفة وهي تعبس أنفها وتضيق عينيها، تمامًا كما كانت تفعل سابقًا. في كل مرة تغادر، كانت تبدو كشجرة عجوز تحتضر
ومن المؤكد أنها عبست بعد تلقي الهدية، كانت إشارة واضحة إلى درجة جعلته يضحك بمرارة.
ربما كان تيوبه محقًا، فإن لم يكن واقعًا في حب هذه المرأة حد اليأس فما الذي يفعله أصلًا؟
كان الأمر مثيرًا للسخرية، لماذا أصبح متأثرًا بها إلى هذا الحد؟
شعر وكأنه مراهق عالق في دوامة إعجاب بائس.
***
أدارت يوريسييل وجهها نحوه ببطء، وعلى عكس الفتاة التي عرفها في ألفونس، فقد صقلتها سنوات عملها في الإدارة.
أصبحت أكثر إشراقًا وصفاءً ولكن بطريقة مختلفة.
وما زالت جميلة ذلك لم يتغير.
بعيدًا عن وجهها تحت أضواء الليل الحمراء الخافتة، كانت ملامحها الآن تتألق تحت ضوء النهار بسحر مختلف.
ربما كان الـ«تشانجر» الذي أهداها إياه هو ما منحها هذه الهالة.
ذلك الوجه الذي كان يغرق سابقًا تحت طبقات الألوان، بدا الآن نقيًا وخاليًا من الزخرفة أمامه.
جبهة ناعمة محددة الملامح، أنف صغير، ورموش طويلة تلقي بظلال رقيقة كلما أغمضت عينيها وتحت ذلك الوجه كان الجسد ذاته الذي يحتضنه كل ليلة، الجسد الذي بدا فاتنًا ومغريًا تحت الإضاءة الخافتة، يقف الآن تحت ضوء النهار بطهارة كادت تكون خطيرة.
لم تضع عطرًا، كما طلب منها.
ولم يبقَ داخل المساحة الضيقة المغلقة سوى عبير بشرتها الطبيعي.
نعم، كلما فكر في الأمر مجددًا، ازداد اقتناعًا بأنه لم يرتكب أي خطأ فمنذ البداية هي من تعلقت به، هي من أغرته، هي من وضعت العطر وتزينت بالمكياج وهمست له بأنها تحبه.
ولذلك كان من الطبيعي أن تتحمل هي مسؤولية كل شيء لا هو.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.