الفصل 78: 78
78
الفصل الثامن والسبعون
تمامًا كما قيل، بدأت الصحف هي الأخرى تتداول أحاديث مشابهة بل وصل الأمر إلى حد نشر دراسة كاملة بعنوان:
«حول إيروس والحب الأفلاطوني»
كان كثير من الناس يرددون عبارات من هذا القبيل:
إن العلاقة الجسدية قبل الزواج أمر غير لائق، وإنها لا تعدو كونها سعيًا وراء اللذة لا أكثر.
كنت أسخر دائمًا من مثل هذه التعليقات، فالإله الذي ألقى بي في كل هذا العذاب لا يملك الحق في إلقاء المواعظ الأخلاقية.
ومع ذلك، فإن الحب القائم على إيروس وحده نادرًا ما تكون نهايته سعيدة. وبحكم عملي في الإدارة المدنية، رأيت أمثلة لا تُحصى على ذلك ولم أستطع إنكار الحقيقة. بالطبع، كنت أقنع نفسي بأنني لا أهتم إن انتهى الأمر بصورة سيئة.
لكن ما كان يطاردني حقًا هو قِصر عمر هذا النوع من الحب.
ماذا لو لم يستمر حتى عامًا واحدًا؟
ماذا لو تم التخلي عني قبل ذلك؟
كان مجرد التفكير في الأمر كافيًا ليجعل صدري ينقبض رعبًا.
ليس وكأنني أستطيع التجول في العاصمة ممسكة بيده وأتظاهر بأننا عاشقان، أنا بالكاد أستطيع التنفس عندما أدخل هذا الفندق، خوفًا من أن يتعرف عليّ أحد.
فكيف لي أن أمشي علنًا مع رجل مثله تحت ضوء النهار؟
نعم، كانت تلك طبيعة علاقتنا بالضبط، سرّ، شيء يجب أن يبقى مخفيًا، شيء لا يمكن أن يرى النور أبدًا.
ولهذا لم يكن لدي ما أقوله له سوى الأكاذيب التي أهمس بها داخل غرفة النوم.
أُحِبُكَ، أَعشقُكَ، اشتقتُ إليكَ.
كلمات جوفاء تتراكم يومًا بعد يوم.
تمامًا كما كان يستغلني، كنت أنا أيضًا أحاول استغلاله.
أتورد خجلًا، وأتشبث به بكل ما أملك، محاولةً أن أجعله لي.
ولم تمر لحظة واحدة منذ اعترافي له بمشاعري إلا وفعلت ذلك
لذا لم يكن الأمر غريبًا ولم يكن مخجلًا.
لكن في كل مرة يدير ظهره لي ويرحل دون كلمة، كانت أفكاري تتشابك في دوامة من الخوف والذعر، فتطغى على كل شيء كعاصفة ثلجية هوجاء.
استدار جسده نحوي ببطء وكالعادة، ظننت أنه سيلتقط معطفه ويغادر دون أن ينبس ببنت شفة.
أبعدت نظري عنه ومددت يدي نحو الفستان الملقى على الأرض، متناثرًا مثل مشاعري، لكن قبل أن ألتقطه، كان قد سبقني إليه.
رفعه ومده نحوي بهدوء.
حدقت إليه بتردد، غير عارفة ما الذي ينبغي فعله.
وعندها سأل بصوت منخفض، أقرب إلى الهمس:
“هل تريدين مني أن أساعدكِ في ارتدائه؟”
“لا.”
أن يجعلني أرتدي ملابسي؟ كانت الفكرة مرعبة.
لقد أعطيته ما يكفي مني قبل لحظات.
أدرت ظهري له، وأدخلت ساقيّ في الفستان، ثم بدأت أرفعه.
وعندما حاولت الوصول إلى السحاب، أفلت من بين أصابعي في كل مرة، لا بد أنه وجد المشهد مضحكًا، لأنه ابتسم ثم أبعد يدي بلطف وأغلق السحاب بنفسه.
كانت حركاته رقيقة على نحو مفاجئ، لكن كل ما شعرت به كان الإحراج. كل تفصيل صغير يفعله كان يثير ذلك الشعور داخلي.
مهما كان الأمر، فإن انكشافي أمامه كان يجعلني أشعر بضآلتي.
لقد كان موهوبًا حقًا في تعذيب الآخرين دون أن يرفع إصبعًا.
وبينما كان ينظر إليّ مباشرة، وضع شيئًا فوق الطاولة.
“هدية.”
طرق عليه بأصابعه فالتقط بصري هيئة مألوفة.
‘المُبدِّل السحري؟’
لماذا يوجد هنا شيء رأيته عدة مرات في ذلك المتجر؟
نظر إليّ ثم نقر على العلبة مرة أخرى.
وفوقها استقرت قلادة حمراء تتلألأ بلون يشبه لون عينيه.
“ظننت أنكِ قد تحتاجين إليه.”
توقف عقلي عن العمل للحظة.
هل كان يعلم أنني كنت أرتاد ذلك المتجر؟
في الواقع، لم يكن ذلك غريبًا إلى هذه الدرجة، فبالنسبة لشخص ينتمي إلى عائلة مثله، لن يكون من الصعب أبدًا أن يكلّف أحدًا بمراقبتي.
وأضاف:
“أنتِ تبدين جميلة بالفعل، لكن هذا أقرب إلى ذوقي.”
كنت قد بذلت كل ذلك الجهد أصلًا لأجل أن يلاحظني.
أغرقت نفسي بالعطر واعتنيت بزينتي بعناية وحاولت بوضوح أن ألفت انتباهه، لكنني لم أتوقع منه أن يقول ذلك بهذه الصراحة.
اشتعل وجهي حرارة، وكنت متأكدة أن أذنيّ قد احمرتا أيضًا.
ومجرد فكرة أنه يلاحظ ذلك جعلت قلبي يرتجف بقلق.
قال وهو يتأملني:
“أما ذلك العطر توقفي عن استخدامه.”
لا عطر بعد الآن، والآن مبدّل سحري جديد أيضًا.
هل يعني ذلك أنه لم يعجبه مظهري اليوم؟
إذا خاب أمله، فقد لا يعود أبدًا، فهناك بدائل لا تُحصى لي.
نساء كثيرات في هذه الإمبراطورية يتمنين الاستلقاء بين ذراعي وريث آل بلانشيت، بل إن الغريب حقًا هو أنه ما زال يسمح لي بالدخول أصلًا.
ربما كان يحذرني اليوم، يخبرني أن عليّ أن أبذل جهدًا أكبر ويقول لي بطريقة غير مباشرة إن هذه قد تكون المرة الأخيرة.
استقرت الفكرة في صدري كحجر ثقيل حتى صار التنفس صعبًا.
استدار نحوي ببطء.
كان قد ارتدى زيه الرسمي بالكامل وبالمقارنة مع مظهري المضطرب، بدا كاملًا بلا عيب.
الأمر الذي جعلني أشعر بمزيد من الشفقة على نفسي ومع ذلك، لم يكن لدي سوى خيار واحد.
هززت رأسي كدمية مطيعة.
“سأفعل.”
بدا راضيًا عن إجابتي ولم يقل شيئًا آخر.
مجرد ابتسامة خفيفة ارتسمت على زاوية شفتيه.
اجتاحتني موجة من الارتياح لكنها سرعان ما تحولت إلى اشمئزاز.
كرهت نفسي لأنني شعرت بالارتياح أصلًا، لأن ذلك يعني أنني بدأت أعتاد الأمر.
وبينما كنت أجلس هناك أمزق نفسي بأفكاري، وضع زجاجة صغيرة فوق الطاولة برفق، كانت حركة يده هادئة.
مختلفة عن السابق، حين كان يلقي الدواء بإهمال فوق السرير
أما الآن، فقد بدا الأمر متعمدًا، أقرب إلى الاهتمام.
تمامًا مثل الطريقة التي لمسني بها قبل قليل.
وذلك الاختلاف الطفيف لم يفعل سوى زيادة ارتباكي.
ظلت أفكاري تدور بلا توقف حتى شعرت بنظرته مجددًا.
لم أعرف متى بدأ يراقبني لكن عينيه كانتا ثابتتين وحادتين.
نظرة يصعب تجاهلها، وبعد صمت طويل، قال أخيرًا:
“في المرة القادمة لنلتقِ في الخارج.”
“ماذا؟”
في الخارج؟ هل يقصد أن أخرج معه علنًا في العاصمة؟
مجرد الفكرة أفرغت رأسي من كل شيء.
قد لا يهتم هو بالقيل والقال أو بنظرات الناس لكنني أهتم.
فلو رآنا أحد معًا، لتحولت المسألة إلى فضيحة، وجميع العواقب ستقع عليّ وحدي وذلك بالتحديد ما كنت أريد تجنبه بأي ثمن.
ليس وكأنني استمتعت يومًا بهذا الفندق أو بذلك السرير لكن على الأقل، كان هذا المكان الخفي يمنحني قدرًا ضئيلًا من الأمان.
أنا وهو لسنا شخصين يستطيعان السير معًا تحت الشمس.
“إذا كنت تقصد بالخارج…”
ابتلعت ريقي بصعوبة، كان حلقي جافًا.
واستمر في النظر إليّ منتظرًا.
“ماذا؟ لا تريدين ذلك؟”
فجأة اقترب مني، ثبت عينيه في عينيّ دون أن يطرف.
لامست أنفاسه وجنتي.
“يبدو أنكِ تفضلين البقاء في السرير بدلًا من ذلك. أهذا ما في الأمر؟”
لم أستطع الإجابة.
“إذًا قوليها.”
خفض صوته أكثر.
“إن كان هذا ما تريدينه، فسأمنحكِ إياه.”
اجتاحتني رائحته دفعة واحدة، رائحة باردة ونقية، مشبعة بأجواء آل بلانشيت، ثقلت فوقي كأنها تذكرني بمكاني الحقيقي.
كنت أعرف ما الإجابة التي يفترض بي أن أقولها، كل ما عليّ هو الموافقة كما أفعل دائمًا، لكن الخوف الذي بداخلي تحول إلى مقاومة وفلتت الكلمات من فمي قبل أن أتمكن من إيقافها.
“ألم يكن ما أعجبكِ فيّ هو جسدي؟”
حدق بي بدهشة وكأن السؤال باغته تمامًا ثم انفجر ضاحكًا.
عندها فقط أدركت ما الذي قلته واجتاحتني موجة من الإحراج.
لا بد أنني فقدت عقلي، من بين كل الأشياء التي كان يمكنني قولها لماذا قلت هذا بالذات؟
حتى بعد مرور لحظات طويلة، ظلت آثار الضحك على وجهه وكان تعبيره أقرب إلى السخرية.
قبضت يدي بقوة حتى غرست أظافري في راحتي.
انحنى نحوي حتى أصبحت شفتاه بالقرب من أذني ومررت أصابعه برفق بين خصلات شعري، كانت اللمسة ناعمة وحذرة
على نحو لا ينسجم إطلاقًا مع تعبيره الغامض.
توتر جسدي بسبب هذا التناقض.
التقت عيناه الحمراوان بعينيّ ورأيت انعكاسي المرتجف داخلهما.
قال بصوت خافت:
“كنت أعتقد ذلك.”
ثم انزلقت أصابعه الشاحبة ببطء على خدي واستقرت عند شفتي.
مجرد تلك اللمسة الخفيفة أرسلت قشعريرة عبر جسدي.
“لكن…”
ابتسم مجددًا.
“ربما ليس الأمر كذلك.”
ضحك مرة أخرى، ضحكة جميلة بصورة مؤلمة، جميلة وقاسية في آن واحد، بدا وجهه كحلم خطير كوردة سوداء فاتنة.
وأخيرًا استوعبت معنى كلماته، كان يظن أن ما يعجبه هو جسدي لكنه لم يعد متأكدًا من ذلك.
هل يعني هذا أنني فقدت قيمتي؟ أم أنه بدأ يشعر بشيء آخر؟
رفعت رأسي نحوه، كانت نظرته لا تزال معلقة بي. متموجة كالماء يصعب قراءتها، لكنني كنت أرى نفسي منعكسة فيها بوضوح.
هل يمكن حقًا أن يعجب بشخص ما؟
وهل يمكن أن يكون ذلك الشخص أنا؟
بدت الفكرة مستحيلة ومع ذلك، إن لم يكن الأمر كذلك فكيف أفسر الطريقة التي كان ينظر بها إليّ؟
تداخلت الأفكار ببعضها حتى عمّ الصمت.
كان قلبي يخفق بعنف داخل صدري.
ثم قال بصوت منخفض وثابت:
“سأرسل عربة لتقلكِ.”
***
حتى بعد أن غادرت فندق ماريوت مسرعة، لم أستطع استعادة أنفاسي، كانت كلماته عالقة في رأسي، متناثرة ومبعثرة،
ترفض الرحيل، ومهما حاولت فهمها، كانت جميع الطرق تقود إلى نتيجة واحدة.
‘ذلك الرجل قد يكون معجبًا بي فعلًا.’
سواء كان الأمر حقيقة أم لا، سواء كان صدقًا أم خدعة جديدة فإن الفكرة بقيت عالقة في ذهني.
وربما لم تكن سوى لعبة أخرى من ألعابه فهو يحب وضع الناس في راحة يده ويستمتع بمراقبة ردود أفعالهم.
لا بد أن هذا جزء من ذلك أيضًا، وإذا كان الأمر كذلك فقد نجحت لعبته، إذ ملأت صورته رأسي كأنها لعنة.
عيناه الموجهتان نحوي مباشرة، الكلمات التي قالها، وقوله إنه لم يعد يراني بالطريقة التي كان يراها من قبل. عينيه الحمراوان اللتان كانتا تحتجزانني بالكامل، برودة أصابعه حين لامست شفتي وذلك الارتعاش الخفيف الذي مرّ في نظرته للحظة واحدة.
حين فكرت في كل ذلك ضحكت بسخرية من نفسي.
ما الذي يمكن أن يتغير أصلًا؟ ربما شيء واحد فقط.
إن كان معجبًا بي فعلًا، وإن كانت مشاعره قد نمت إلى هذا الحد فهذا يعني أن الحصول على ما أريده سيكون أسهل.
لكنني لا أؤمن بما يسميه الناس حبًا فلو كان حبًا حقيقيًا لما منحني حبة دواء واحدة فقط بل لأعطاني كل شيء.
حب يُعبَّر عنه بجرعة دواء واحدة لا يعني شيئًا بالنسبة لي، ليس سوى زينة فارغة، شيء سطحي لا يمكن الوثوق به.
نعم، لا بد أنها مجرد لعبة، ما يشعر به ليس حبًا، إنه، كما كان دائمًا الرغبة، وإذا كان هذا هو ما يقدمه لي فسأستغله.
وهكذا كان الاستنتاج الذي اخترت التمسك به.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.