مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 77: 77نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 77: 77

77

الفصل السابع والسبعون 

عدتُ وأنا أحمل سؤالًا لا يملك أيَّ إجابة. 

وكالعادة، كان هايل أول من خطر ببالي، ينتظرني كما يفعل دائمًا. 

“إيل؟” 

فجأةً تذكّرت ما قاله لي مشرفي ذات يوم. 

“بماذا تفكرين بكل هذا العمق؟” 

حتى كلبٌ عابر في الطريق كان سيعرف أن هايل يكنّ لي مشاعر خاصة. 

“هايل، أرجوك… لا تنتظرني هكذا بعد الآن.” 

“لم أكن أنتظركِ.” 

ساد الصمت. 

“كنتُ هنا فحسب. أنتِ من صادف أن ظهرتِ.” 

قالها بوجه هادئ وواضح إلى درجة أنني لم أستطع مجادلته، فابتلعت الكلمات التي وصلت إلى طرف لساني. 

بعد ذلك، أمضى هايل وقتًا طويلًا يتحدث عن مدى سعادته بالموافقة على مشروعي. 

“لم ينجح بعد، المشروع ما زال تحت إشراف برج السحر.” 

“لكنكم حصلتم على التمويل. أليس هذا يعني أن الأمر انتهى عمليًا؟ كما هو متوقع من صاحبة المركز الأول.” 

ارتسمت على شفتي ابتسامة خفيفة من مزحته الساذجة. 

وقبل أن أشعر، كنا قد اقتربنا بالفعل من السكن. في لحظة ما، توقف هايل عن الكلام وبدأ يعبث بيديه بتوتر، بدا وكأن هناك شيئًا يريد قوله وحين هممت بسؤاله، سبقني بالكلام. 

“اسمعي… هل لديكِ خطط لعطلة نهاية الأسبوع؟” 

عطلة نهاية الأسبوع. 

وفورًا تبادر إلى ذهني ذلك اليوم الذي أردت تجنبه. 

اليوم الذي سأضطر فيه إلى مقابلة ذلك الرجل مجددًا. 

الرجل الذي استدعاني مرة أخرى إلى الفندق. 

امتلأت أفكاري بوجهه. 

ورغم أنه لم يكن أمامي فعلًا، إلا أنني شعرت بعينيه الحمراوين تحدقان بي مباشرة. 

كان الإحساس قويًا إلى درجة جعلتني أشعر بالدوار ولم أستفق منه إلا عندما اقترب هايل فجأة ودخل مجال رؤيتي. 

“آه… كنت أخطط للخروج مع والدتي.” 

لم أستطع إخباره بشأن ذلك الرجل، لذلك خرج مني عذرٌ رديء بدلًا من الحقيقة. 

ضغط الشعور بالذنب على صدري حتى أصبح التنفس صعبًا. 

“إذًا… ماذا عن الأسبوع القادم؟” 

باتت مشاعر هايل نحوي واضحة مرة أخرى بل أصبحت أراها بوضوح الآن. 

“هايل.” 

“نعم؟” 

“لا تنتظر شخصًا مثلي.” 

فمهما طال انتظارك لن آتي إليك. 

لذا أرجوك، لا تقف على ذلك الطريق مترقبًا قدومي. 

لقد انتهى ذلك الجزء من قصتنا منذ سنوات، في ألفونس. 

ومنذ اللحظة التي بدأ فيها هايل يكنّ لي تلك المشاعر، تحولت كل كلمة وكل تصرف مني إلى كذبة وأردت الهرب من تلك الكذبة. 

ولحسن الحظ، فإن الليلة التي تركني فيها هايل خلفه في ألفونس، في ذلك السجن البارد من الذكريات، خففت بعضًا من شعوري بالذنب. 

“أراك لاحقًا في برج السحر.” 

ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ولوّحت بيدي، ثم دخلت إلى السكن حتى بعد أن أشعلت الأنوار، ما زلت أستطيع رؤيته عبر النافذة. 

المكان الذي وقف فيه طويلًا كان يحمل آثار أقدام عميقة، وكأنها بقيت هناك مدة أطول من بقائه نفسه. 

***

كان القلم المنقوش بشعار بلانشيت يخدش ورق البردي بهدوء. 

تراكمت أمام كاسيان أكوام هائلة من الوثائق، أكثر بكثير مما يُفترض أن يتحمله وريث عائلة بمفرده. كان ذلك جزءًا من توجيهات سيدة المنزل، الهادفة إلى ترسيخ مكانته بعد غيابه الأخير ومع ذلك، ظل الحجم الهائل للعمل مرهقًا. 

أطلق تيوبه صوتًا خافتًا من بين أسنانه، ونظر إلى سيده الذي كان يتعامل مع جبل الأوراق بوجه هادئ وخالٍ من أي انفعال. 

كان كاسيان يعالج الوثائق واحدة تلو الأخرى دون أن يخطئ ولو مرة، روتين متكرر يشبه عمل الآلة، لا توقف، لا تردد، لا تراجع. المرة الوحيدة التي كان يتوقف فيها كانت مرة كل أسبوع، حين تأتي تلك المرأة. 

منذ ذوبان آخر ثلوج الشتاء وحتى بدايات الربيع، زارت يوريسييل فندق ماريوت عدة مرات واليوم لم يكن مختلفًا. 

تحولت نظرة كاسيان إليها مرة أخرى، خارج النافذة، كان شعرها الأحمر المتقد يلمع تحت ضوء الشمس وهي تقترب. 

وفي كل مرة، كان يركز عليها وحدها دون سواها. 

“أين الشيء الذي طلبته؟” 

“آه…” 

عندها فقط تذكر تيوبه الأمر الغريب الذي أمره به سيده، 

فابتعد مسرعًا، ثم عاد بعد لحظات وهو يحمل الغرض المطلوب. 

“ها هو.” 

وُضع المبدّل السحري فوق الطاولة وهو يشع بضوء خافت. 

كانت القلادة المصقولة بعناية أغلى قطعة في المتجر، تمامًا كما طلب كاسيان، ولأن الحصول عليها كان يتطلب حجزًا مسبقًا، اضطر تيوبه إلى زيارة مكان لا يليق به أكثر من مرة. 

كان شعار المتجر يقول بفخر إن الرجال والنساء يستمتعون بمستحضرات التجميل على حد سواء، لكن الحقيقة أن معظم رجال الإمبراطورية لم يكن لديهم أي اهتمام تقريبًا بمثل هذه الأمور خصوصًا الفرسان النبلاء. والدليل على ذلك أن أغلب زبائن المتجر كانوا من الشابات النبيلات وكانت هي إحداهن. 

وبطبيعة الحال، وصلت هذه المعلومة إلى كاسيان فورًا. 

ولم يكن من الصعب على تيوبه تخمين سبب هذا الطلب الغريب. 

ففي كل مرة تأتي فيها يوريسييل لمقابلة كاسيان، كانت تمر بذلك الصالون الراقي في العاصمة أولًا. 

وكان وجهها يبدو دائمًا كما لو أنها أُجبرت على الذهاب إليه. 

ومع ذلك، لم تتخلف عنه ولو مرة قبل أن تأتي إليه. 

كان الأمر غريبًا للغاية والأغرب من ذلك أن لقاءاتهما، التي بدت في البداية وكأنها حادثة لن تتكرر، أصبحت تتكرر مرارًا ودائمًا في فندق. بطريقة ما، كانا ثنائيًا يمكن توقعه، نبيل رفيع المقام وامرأة فاتنة تشاركه فراشه. 

حتى طلب كاسيان شراء المبدّل السحري، كان تيوبه يظن أن هذه هي القصة كلها، إن كان هدفها كسب قلبه، فستغادر الغرفة اليوم وهي أكثر سعادة أما إن لم يكن كذلك، فستخرج بذلك الوجه الخالي من الحياة كما اعتادت دائمًا، وفي كلتا الحالتين، لن تكون النهاية سعيدة. 

ومع ذلك، كان تيوبه يأمل بصمت أن تكون النتيجة الأولى. 

فسيكون الأمر قاسيًا للغاية لو أن مشاعر كاسيان كانت من طرف واحد. 

في الحقيقة، كان واثقًا إلى حد كبير من أنها تحمل شيئًا نحوه أيضًا فنادراً ما رأى امرأة لا تقع في حب كاسيان. 

ظل وجه كاسيان هادئًا وغامضًا وهو يمرر أصابعه فوق المبدّل السحري. 

ترى هل هو الذي تتلاعب به؟ أم أنها هي من يلعب بها؟ 

راقب تيوبه سيده بصمت، والفضول يملأ ملامحه. 

***

طَق… طَق… 

ارتفعت أصوات حادة ومتوترة من حواف المبدّل السحري، قاطعة سكون الغرفة ومع كل حركة صغيرة من أصابعه، كانت خطواتها تقترب أكثر ثم توقفت، تمامًا أمام الباب. 

وهذه كانت اللحظة التي تتردد فيها دائمًا. 

لم يكن من الصعب تخيلها واقفة هناك، تطلق زفرة خافتة. 

وأخيرًا، في التوقيت المعتاد تمامًا، دوّت طرقتان مهذبتان على الباب. 

كان هذا الطقس الذي لم تكسره يومًا، ورغم كل الوقت الذي مضى منذ غادرت ألفونس وانتقلت إلى العاصمة، لم يتغير فيها شيء. 

ما زالت والدتها على قيد الحياة، وما زالت هي الابنة البارة التي يحترمها الجميع، وما زلت أنا ذلك الرجل القاسي الذي لا يُغتفر. 

لم يتغير شيء، حسنًا، ربما شيء واحد فقط. 

في كل مرة تدخل فيها هذه الغرفة، كانت تحمل معها رائحة العطور ومساحيق الزينة. ما ظننته يومًا سيحدث مرة واحدة فقط استمر في التكرار، في كل مرة تأتي فيها إلى الفندق، كانت تصل مغطاة من رأسها حتى قدميها ثم تظهر أمامي بفستان كاشف 

واليوم لم يكن مختلفًا. 

بعد مغادرة تيوبه الغرفة، دخلت يوريسييل مجددًا كما تفعل دائمًا. 

البشرة البيضاء الناعمة التي كانت تخفيها بإحكام تحت معطفها انكشفت الآن كاملة أمامي وكأنها تحاول إغرائي. 

بل لا، لم يكن الأمر “وكأن”، لقد كانت تحاول إغرائي بوضوح. 

وكان ذلك واضحًا إلى درجة جعلتني أضحك في داخلي. 

شعرها الأحمر، المصفف بانسياب والممتد فوق مؤخرة عنقها كما طلبتُ منها سابقًا، بدا مثاليًا كعادته. 

استدارت وقدمت لي السحاب الخلفي لفستانها. 

وعندما مددت يدي، وقعت عيناي على أذنها المحمرة. 

كنت أعلم أن ذلك لم يكن خجلًا بل شعورًا بالإهانة. 

لكنني اخترت تفسيره بالطريقة التي تعجبني، فهي من ألقت بنفسها نحوي، أما الطريقة التي أفهم بها ذلك، فهي شأني وحدي. 

ومع صوت خافت، انزلق الفستان الرقيق عن جسدها بسهولة مذهلة ثم اقتربت مني دون تردد، كما لو أن الأمر مجرد مهمة أخرى يجب إنجازها. 

لامست أنفاسي بشرتها، ثم عضّت شفتي السفلى بجرأة. 

حتى أنفاسها نفسها كانت استفزازية، توقظ في داخلي أشياء لا أملك السيطرة عليها. 

لا بد أنني فقدت صوابي لأنني أسمح لهذا أن يحدث مرة أخرى. 

خصوصًا وأنا أعلم أن أفعالها كلها، وكلماتها كلها ليست من أجلي. 

أعرف أن هذا كله مجرد جزء من تمثيلها لدور الابنة المخلصة. 

هذه اللعبة السخيفة تبدأ دائمًا بالطريقة نفسها. 

وأتساءل من الذي سينهيها أولًا، هي أم أنا؟ 

أشعر بفضول حقيقي لمعرفة الإجابة. 

***

بعد انتهاء كل شيء، نهض الرجل أولًا كما يفعل دائمًا دون أن يتغير تعبير واحد على وجهه. 

جسده الرشيق المتناسق لم يُظهر لحظة ضعف واحدة ولا مرة. 

كنت أتمنى لو أن الظلام يغرق هذه الغرفة بالكامل، لكنها كانت دائمًا مضاءة بذلك التوهج الأحمر الناعم الخاص بالفنادق الفاخرة. 

كان مثاليًا وذلك ما جعلني أخشى تخيل ما الذي يراه عندما ينظر إليّ. 

ماذا لو لم أكن كافية بالنسبة له؟ 

رغم كل الجهد الذي أبذله، كنت أعرف أن هذه ليست مشكلة يمكن حلها بالإرادة وحدها. 

فلا شيء أكثر تقلبًا من قلب الإنسان. 

ومن بين كل القلوب كان قلبه هو الأصعب فهمًا. 

أشك حتى أن العاملين في آل بلانشيت أنفسهم يعرفونه حقًا. 

تذكرت ما قاله هايل ذات مرة، قال إن كاسيان شخص طيب. 

في ذلك الوقت، ظننت بسذاجة أن مرضه العضال هو ما صاغ شخصيته بل وشعرت بالشفقة عليه قليلًا. 

لكنني أعرف الحقيقة الآن، إنه ببساطة شخص لن أتمكن من فهمه أبدًا، على الأقل حين يتعلق الأمر بي. 

وكلما ازدادت الليالي التي أقضيها معه، ازداد يقيني بذلك. 

ومع هذا اليقين نما الخوف داخلي، خوف يشبه خوف بطلات الروايات المأساوية اللواتي يُتْرَكن في النهاية. في الحقيقة، لا يهمني أن أتخلى عنه لكن فقط بعد انتهاء هذا العام. 

والشيء الوحيد الذي كان يمنحني بعض العزاء هو أن شيئًا ما فيه بدا وكأنه يتغير، تلك النظرات الشاردة أحيانًا حين يحدق بي، ذلك الجوع الخام الذي ألمحه أحيانًا في عينيه، وتلك الابتسامة الخافتة النادرة أو الطريقة اللطيفة التي يمرر بها يده على شعري. 

ربما كنت أتخيل كل ذلك، وربما كانت مجرد أوهام أخلقها لأحمي نفسي، لكنه لم يعد يبدو كرجل البدايات. 

حين كان يقبلني ويتمتم بأن مذاقي حلو، وحين كان يزيح شعري برفق عن وجهي، كان يبدو، للحظات قصيرة جدًا كحبيبٍ حنون. 

أعلم أن هذا وهم أحمق لكنني أحاول التمسك به قليلًا، لأنني أشعر أنني سأفقد عقلي إن لم أفعل. 

كان يدير ظهره لي وهو يغلق أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر وكالعادة، لم ينطق بكلمة رضا أو مديح، لكنني لم أتوقع منه ذلك أصلًا فهو ليس من هذا النوع من الرجال. 

ومع ذلك، بالنسبة لشخص في موقفي كان هذا الصمت خانقًا. 

وأنا أحدق في ظهره، تذكرت ما قالته موظفات المتجر ذات يوم. 

〈”الاعتماد على الجسد وحده لا يدوم طويلًا. بضع سنوات على الأكثر. 

“لكنهم يقولون إن المهارة في الفراش تدوم أكثر من الجمال.” 

“صحيح، لكن في النهاية، الرابط العاطفي هو الأهم. هذا ما أكدته جميع التقارير في آخر إصدار من مجلة اللوحات السرية. الأزواج الذين يملكون رابطًا عاطفيًا قويًا هم الأطول بقاءً.”〉 

كانت تلك النساء قد رأين شتى أنواع العلاقات. 

وكانّ يعرفن عمّا يتحدثن. 

لامستني أفكار قلقة كنسمة باردة تمر على عنقي. 

وحامت كذبة أخرى فوق شفتيّ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.