مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 75: 75نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 75: 75

75

الفصل الخامس والسبعون 

“لقد وصلت الضيفة.” 

عند إيماءة خفيفة من كاسيان، انفتح الباب بصمت وانساب إلى الداخل طيف امرأة بخطوات رشيقة. 

هذه المرة وصلت أبكر مما توقع، ودخلت إلى مساحته الخاصة بثقة لا يشوبها أي تردد. وكان ذلك نقيضًا واضحًا تمامًا للمرة الأولى التي عبرت فيها هذا الباب ذاته، مترددة وحائرة. 

وجد كاسيان هذا التغيير مسليًا، فأطلق ضحكة خافتة جافة. 

ومع تقدمها داخل الغرفة، أخذ الضوء ينساب فوق جسدها تدريجيًا كاشفًا عنها ببطء، جزءًا بعد جزء، كما لو أن ستارة تُسدل عن مشهدٍ مخبوء. 

كان يظن أن ما تغيّر هو أسلوبها فحسب، لكن كل شيء فيها بدا مختلفًا الآن. وجهها الشاحب اكتسب لونًا وحيوية، وحاجباها رُسما بعناية أما شفاهها الرقيقة فقد اكتست بلون وردي ناعم. 

وشعرها الأحمر لمع ببريق صحي جذاب. 

وكان ذلك مجرد ما تلتقطه العين في النظرة الأولى. 

من الواضح أنها أولت مظهرها عناية استثنائية، حتى العطر الذي يحيط بها كان فاخرًا وغنيًا. 

بدت كسيدة نبيلة شابة تستعد لأول ظهور لها في حفلها الرسمي. 

اختفت رائحة الخوخ الخفيفة التي كانت تلازم بشرتها يومًا، وشعر لسببٍ ما بخيبة صغيرة لغيابها. 

ومع ذلك، كان مظهرها الحالي كافيًا وأكثر لتعويض ذلك. 

لقد كانت آسرة بلا شك. 

ورغم الثقة التي دخلت بها، ارتجفت عيناها الخضراوان فور التقتا بنظراته لكنها لم تُشِح بصرها. فذكّره ذلك بيومٍ من أواخر الصيف في سجن ألفونس، حين كانت الأمطار تهطل بلا توقف. 

تمامًا كما في ذلك اليوم الذي نزعت فيه ثيابها أمامه. 

وكما في تلك اللحظة التي بكت فيها بين ذراعيه، ومع ذلك أجبرت نفسها على النظر إليه مباشرة، لم تهرب من عينيه ولو مرة واحدة. 

كانت خطواتها الهادئة البطيئة أشبه بنصلٍ صُقل حتى بلغ الكمال، يخترق صدره مباشرة وعندما توقفت أمامه، تسللت رائحة دافئة من تحت عطرها، حاملةً أثر بشرتها. لامست أنفه، فاستدعت في الحال ذكرى تلك الليلة التي لم يمضِ عليها وقت طويل. 

ولم يكن ينبغي أن يفاجئه ذلك، فمنذ آخر مرة رأى فيها هذه المرأة، لم تغب عن ذهنه حتى في أكثر الأيام اعتيادية. 

حين لا يكون فيها أي أثر لها، حين ينظر إلى السرير الخالي في غرفته أو يحدق في الجدار الأبيض الذي يذكّره بشحوب وجهها 

أو يرى راية قرمزية ترفرف في الهواء، فيتذكر لون شعرها الأحمر. 

ومرة أخرى… 

اللعنة. 

عاد إلى سمعه صوتها المرتجف، وبكاؤها المختنق، بلا سبب أو إنذار وعادت إليه ذكرى ذراعيها اللتين تشبثتا به رغم دموعها كأنها تطارده بلا نهاية. 

وأحيانًا كان يتساءل حقًا إن كانت قد ألقت عليه لعنة ما. 

لقد أراد أن يراها مرة واحدة فقط ثم أصبحت مرتين ثم ثلاثًا، حتى وصل إلى هذه النقطة التي لم يعد قادرًا فيها على التوقف. 

لم يعد الأمر مضحكًا، ولم يعد أمامه سوى الاعتراف، لم تعد امرأة يمكن تجاهلها بسهولة ولم تكن درعًا واهنًا كما ظن بل اندفعت نحوه كرُمحٍ حاد وكان هو من تلقى الضربة. في الحقيقة، كانت دفاعاته قد انهارت منذ اللحظة الأولى التي التقاها فيها. 

وفي كل مرة كان يخبر نفسه أنها الأخيرة، وهذه المرة لم تكن مختلفة لكن المشكلة أن كل تلك العزيمة كانت تفقد معناها أمامها. 

تحت الضوء الدافئ، المضبوط بعناية ليمنح المكان أجواء حميمة، بدا وجهها وكأنه يتمايل أمام ناظريه، ذلك الوجه البريء حمل الآن نظرات فاتنة مغوية وهي ترفع عينيها إليه. 

نعم، كانت المشكلة دائمًا في عينيها. هاتان العينان الجميلتان إلى حدٍ مؤلم هما أصل المشكلة، فمهما حاولت تغيير تعابيرها أو التحكم بنظراتها، لم يكن هناك ما يستطيع إخفاء تلك العينين اللتين تجسدان معنى الجمال ذاته. 

وكأنها تعرف ذلك جيدًا، رفعت نظرها إليه بذلك البريق المعتاد 

ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة. 

ورغم وضوح نواياها، كان في تعبيرها شيء رقيق وحزين على نحو غريب حتى إنه بدا صادقًا بصورة غير متوقعة. 

أمسكت يده برفق ثم وضعتها فوق زر قميصه وفوق صدره مباشرة. 

كانت حركة جريئة إلى حد كاد يجعله يضحك. 

ماذا كانت تحاول أن تفعل؟ 

اكتفى بالنظر إليها دون أن يتحرك. 

كان يعلم تمامًا ما تريده ومع ذلك لم يفعل شيئًا، بل حتى هو كان مضطرًا للاعتراف، لقد كان شخصًا بائسًا، رجلًا عاجزًا عن التصرف بكياسة حتى في النهاية. 

وكلما واصل مراقبتها، أخذ فضول فج ينهض بداخله. 

ماذا ستفعل بعد ذلك؟ 

لأول مرة ارتجفت عيناها حقًا وكأنها لم تستعد لهذه اللحظة وكأن صمته أربكها تمامًا. 

وفجأة لم تعد جرأتها مضحكة، وفي النهاية غيّرت خطتها، بدأت تفك فستانها الضيق فانكشفت بشرة شاحبة لا يغطيها سوى قماش رقيق شبه شفاف، وكانت ترتدي ملابس داخلية سوداء من نسيج شفاف يوحي أكثر مما يُظهر، ذلك النوع الذي يُعد عادةً خصيصًا لشهر العسل ومع ذلك كانت تقف به أمامه الآن. 

بدت في الأمر كله شبه ساذجة، لكنها في الوقت نفسه بدت فاتنة بصورة جعلت السخرية مستحيلة. 

أخفى كاسيان ابتسامة جانبية وهو يراقبها. 

وعلى خلاف تلك الليلة، كانت هي من اقتربت منه أولًا بينما بقي هو ثابتًا في مكانه. ورغم جرأتها المستفزة، بدا كل ما تلاها مترددًا وغير متقن وكأنها تدرك أن هذا الارتباك نفسه أكثر قدرة على العبث بأعصابه. 

همست: 

“اشتقت إليك.” 

وكانت تلك الكذبة الوحيدة التي لم تبدُ متكلفة حين نطقتها. 

وفي كل مرة كانت تتفوه فيها بهذه الكلمات الطائشة، كان يبتلعها بصمت مرة تلو الأخرى. 

دار الهواء الساخن في الغرفة بينهما، وتقلب مرارًا، لكن عينيها الزمرديتين ظلتا معلقتين به وحده ولسبب ما، راق له ذلك المشهد. 

فحفر تفاصيل تلك اللحظة في ذاكرته. وفي كل مرة كانت عيناه تمران عليها، كانت تحبس أنفاسها وتبتسم وكأنها على وشك الانهيار أما هو فابتسم أيضًا. 

وربما بدت ابتسامته لها شيطانية وقاسية، وبتلك الابتسامة ذاتها قال أكثر ما استطاع قوله قسوة: 

“لنلتقِ هنا في كل عطلة أسبوع.” 

ارتجفت عيناها أكثر من أي وقت مضى وانفرجت شفتاها قليلًا، كأنها تبحث عن رد، لكن لم يخرج منها صوت. 

بدت كمن يحاول إيجاد عذر للرفض. 

“لماذا؟ ألم تقولي إنكِ اشتقتِ إليّ؟” 

التزمت الصمت. 

“أكانت تلك كذبة؟” 

***

عند عودتها إلى مسكنها، وقفت يوريسييل أمام الباب وهي تلهث. 

كل عطلة أسبوع؟ هذا يعني أنها ستضطر لمواجهة ذلك الرجل كل أسبوع من الآن فصاعدًا. 

خانتها ساقاها، وانهمر العرق البارد على بشرتها. 

لم تقل كلمة واحدة أمامه، لكن ماذا كان سيتغير لو فعلت؟ 

فبحلول اللحظة التي نطق فيها بذلك، كان قد اتخذ قراره بالفعل. 

وكانت تعرف جيدًا أنها لا تملك خيار الرفض. 

هي من قالت إنها اشتاقت إليه، وهي من اعترفت بأنها ترغب في رؤيته فكيف لها أن تتراجع الآن؟ 

واصلت الدموع الانهمار ومهما مسحتها، لم تتوقف. 

‘اليوم فقط…’ 

قالت لنفسها. 

‘دعيني أبكي اليوم فقط.’ 

ورغم أن المدينة تجاوزت ذروة الشتاء، بقي الهواء باردًا وقارسًا. 

ولا تزال تشعر بعينيه الحمراوين تراقبانها من فوق السرير. 

ذكرى تخترقها كسكين. 

وفي تلك اللحظة بدأ الثلج المتأخر يتساقط فوق المدينة، مدّت يدها والتقطت بعض الندف، كان ملمسها ناعمًا ورقيقًا، لكنها سرعان ما ذابت في كفها الباردة واختفت كضبابٍ عابر. 

حين يذوب الثلج، وحين تتفتح الأزهار مجددًا، وحين يعود الصقيع ليغطي الأرض مرة أخرى ماذا سيبقى؟ 

بحلول ذلك الوقت، سيختفي كل شيء كأنه لم يوجد أصلًا. 

بقي وجه يوريسييل خاليًا من التعبير وهي تراقب الثلج يذوب دون أن يترك أثرًا تمامًا مثل هواء الشتاء الجاف الهش. 

ومع ذلك، استمرت الحياة وكأن شيئًا لم يحدث. 

على نحوٍ غريب، ظل كل شيء يسير كالمعتاد كان الثلج الذي غطى الطرقات جميلًا، والسماء صافية إلى درجة تؤلم النظر. 

أما الشلال عند مشارف الربيع، حيث بدأ الجليد يذوب، فكان يتلألأ بجمالٍ أخّاذ، وكان الناس يصنعون رجال الثلج قرب شلال الأمنيات، بعضهم يدعو بالسعادة أو السلام وبعضهم يتمنى الحب أما العالم فكان يواصل التقدم كعادته دائمًا، جميلًا، غير مبالٍ بألم أحد. وكانت بانتيون، التي أصبحت مقصدًا سياحيًا شهيرًا، لا تزال تعج بالزوار حتى أواخر الشتاء، ورؤية كل أولئك السعداء جعلت الأمر يبدو وكأنه حلم. 

تساءلت يوريسييل: 

هل سيأتي يوم تقف فيه بينهم؟ تبتسم، وتتمنى أمنية هي الأخرى؟ 

فكرت بأمها التي ودعتها ذلك الصباح. 

نعم، ذلك الرجل، مهما حطم كبرياءها، كان يمنحها الدواء دائمًا. 

وبفضله حصلت أمها على شهر آخر من الحياة. 

أحيانًا كانت ترغب في الاستسلام، لكن تلك الحبة الصغيرة كانت تمنحها سببًا للاستمرار 

وبدا الأمر كله وكأنه مزحة قاسية من الآلهة، كانوا يقولون إن الآلهة لا تمنح البشر إلا المعاناة التي يستطيعون تحملها. 

لم تكن تؤمن بهذا يومًا، لكن جزءًا منها بات يؤمن به الآن. 

فالآلهة هي من منحت أمها ذلك المرض، وربما هي من أوجدت ذلك الرجل أيضًا، وإن كانت الآلهة تراقبها الآن، فربما كانت راضية عما وصلت إليه تمامًا مثله. 

وأحيانًا كانت تتمنى لو اختفت تلك الآلهة المتعجرفة إلى الأبد لكن، وكأن العالم يسخر منها، كان الناس يتجمعون أمام التماثيل المقدسة ويصلّون بإخلاص. 

وكان تمثال الإله يبتسم ابتسامة لطيفة حانية، ابتسامة توحي بأنه سيستجيب لأي دعاء مهما كان، وقد ذكّرها بذلك الرجل. 

وفي الحقيقة لم يكن الفرق بينهما كبيرًا، فبالنسبة لها، بدا الرجل الذي يمنحها الدواء أقرب إلى الإله من ذلك الإله الذي لا تراه. 

وعندما خطرت لها هذه الفكرة، بدت ابتسامة التمثال نفسها كأنها سخرية، تمامًا كابتسامته هو حين ينظر إليها من علٍ. 

وتساءلت: 

هل ينظر إليها الإله هناك بالطريقة نفسها؟ بتلك العينين الباردتين المستمتعتين؟ هل يدينها لأنها منحت جسدها دون حب؟ ولأنها تصرفت دون مشاعر؟ 

وربما كان يحمل التعبير ذاته وهو يفعل ذلك، لكن الأمر لم يعد مهمًا، فحتى لو غضبت منها الآلهة، لم يعد لديها شيء تخسره. 

لكي يُنتزع منك شيء، يجب أن تكون قد مُنحته أولًا. 

لا… 

استدركت، ربما منحتها الآلهة شيئًا بالفعل، ربما أطالت عمر أمها قليلًا وربما يوجد، في مكانٍ خفي داخل قلب ذلك الرجل، قدر ضئيل من الاهتمام. 

حسنًا ستقبل بذلك، ستعترف به. 

‘لذا أرجوك…’ 

همست في أعماقها. 

‘هذه المرة فقط. لا تدع قلبه يتغير، دع عالمي يبقى بين يديّ لعام واحد فقط، دع الأيام تتراكم فوق بعضها حتى أستطيع، يومًا ما، استعادة شيء من حياتي.’ 

ربما ليس السعادة لكن على الأقل حياة طبيعية. 

رغم أن الحياة الطبيعية كانت بالنسبة لها مرادفًا للسعادة نفسها. 

‘أرجوك… ليحدث ذلك هذه المرة فقط.’ 

وبعد صلاة بسيطة وصادقة، استدارت يوريسييل ومضت في طريقها.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.