مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 74: 74نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 74: 74

74

الفصل الرابع والسبعون 

لماذا كانت تتردد إلى هذا الحد، وكأن ما تريد قوله أمر جلل؟ 

تذكر فينسنت اليوم الذي سمع فيه خبر يوريسييل لأول مرة. 

لقد انهارت والدتها البيولوجية. 

وكان بإمكانه أن يتخيل الصدمة التي تلقتها، وهو يعلم جيدًا كم كرّست حياتها بأكملها لذلك الشخصالوحيد،د بل إنه فكر حتى في زيارة المصح الطبي، وهو أمر لا يشبهه إطلاقًا أو بالأحرى، لقد وصل بالفعل إلى حد الوقوف أمام المبنى لكن، وكما هي طبيعته، وبتمسكه الراسخ بمبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، استدار في النهاية وغادر. 

وفي طريق عودته، توقف كعادته لشراء حبوب النوم وهناك بالتحديد وقعت عيناه على لوحة دعائية ضخمة لمكمل غذائي معروض أمام الصيدلية. 

كان باهظ الثمن بصورة سخيفة، ومغلفًا في علبة فاخرة صُممت بوضوح لاستقطاب الأثرياء، لاحظ الصيدلي نظراته المتوقفة عليه، فسارع بحماس إلى شرح فوائده. 

حتى أثناء استماعه، ظل فينسنت متمسكًا بقناعته المعتادة. 

المكملات الغذائية ليست سوى هراء مبالغًا في سعره. 

وسيلة أخرى لينفق النبلاء أموالهم بلا داعٍ. 

في الظروف العادية، كان سيفكر بذلك تمامًا ثم يمضي في طريقه. 

ففينسنت رجل لا يثق إلا بالإحصاءات التي تحقق منها بنفسه، والنتائج التي رآها بعينيه، لكن في ذلك اليوم، استمع إلى حديث الصيدلي مدة أطول من المعتاد ثم اشترى المكمل بشكل شبه اندفاعي، حتى بعد دخوله مبنى الإدارة والعلبة بين يديه، ظل واقفًا متسائلًا إن كان هذا مجرد شكل من أشكال القلق غير الضروري ومع ذلك وضعها فوق مكتب يوريسييل. 

وقال في نفسه: 

〘إن شاءت رمتها، وإن شاءت تناولتها. الأمر يعود إليها.〙 

قال بهدوء: 

“حبّة واحدة يوميًا بعد العشاء.” 

رمشت يوريسييل ببطء وكأنها لا تستطيع تصديق ما سمعته للتو. 

إذًا حقًا كان مشرفها هو من أهدى إليها ذلك الدواء. 

مرت في ذهنها كل تلك السنوات التي عاشت فيها على الهامش، دائمًا الشخص الذي يُتجاهل أو يُستبعد أو يُبقى على مسافة. 

لطالما اعتقدت أن حياتها لم تمنحها سوى سوء الحظ. 

لكن لأول مرة بدأت تتساءل، ربما سُمح لها هي الأخرى بقليل من الحظ الجيد. 

وقبل أن تصل الدموع إلى عينيها، انحنت برأسها. 

“شكرًا لك… حقًا.” 

خرج صوتها مرتجفًا، مفعمًا بالامتنان وبينما كانت تنحني، بدا مظهرها مثيرًا للشفقة راقبها فينسنت ثم نقر بلسانه بضجر. 

كان يظنها شاحبة من قبل أما الآن فقد بدت كالشبح حرفيًا. 

شخص ينبغي أن يكون راقدًا في المستشفى، لا جالسًا خلف مكتب عمل، كان واضحًا أن حالة والدتها قد استنزفتها بالكامل فقال: 

“أنتِ من يجب أن يتناول هذا المكمل.” 

“عفوًا؟” 

ناولها فينسنت مرآة، نظرت يوريسييل إلى انعكاسها المتعب ثم تنهدت ورفعت رأسها ناحيته. 

ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة تحمل شيئًا من الحرج. 

هز فينسنت رأسه قليلًا. 

يا لها من ابتسامة حمقاء. 

ومع ذلك لامست ابتسامة خفيفة شفتيه هو أيضًا قبل أن ينتبه. 

وفي المرآة لمح انعكاس وجهه ثم أطلق ضحكة قصيرة جوفاء. 

هل ابتسم أصلًا منذ اختفائها؟ 

بدت تلك الملامح غريبة عليه وفي الوقت ذاته، بدا الأمر سخيفًا 

فهو لم يجدها بعد فبأي حق يبتسم؟ 

تصلبت ملامحه من جديد، وعاد إلى الملفات أمامه. 

***

حتى غروب الشمس، لم يملأ الغرفة سوى صوت الأقلام وهي تنساب فوق الأوراق، عملت يوريسييل بسرعة، تعالج كل مستند بعناية ودقة وبفضل تنظيم مشرفها لمعظم العمل مسبقًا، لم يتبقَّ عليها الكثير. وحين انتهت من الملفات، أخبرته بأنها ستبقى قليلًا لإنجاز أحد المشاريع لكن فينسنت أمرها بالعودة إلى المنزل. 

جاء صوته مقتضبًا كعادته ولم تتمكن حتى من شكره جيدًا قبل أن تُطرد عمليًا من مبنى الإدارة. 

سارت خطواتها ببطء وسط ألوان الشفق حتى توقفت أمام مبنى يغمره وهج الغروب البرتقالي، أعلى مبنى في الأفق، المبنى الذي يجذب الأنظار دائمًا كما اعتاد. 

قصر بلانشيت، وشعار العائلة يزينه بوضوح. 

مجرد رؤية ذلك الشعار جعلتها تفكر فيه من جديد، مهما حاولت أن تدفعه بعيدًا عن ذهنها، كانت تعود دائمًا إلى النقطة نفسها وكأنها دائرة مغلقة. 

ذلك الرجل يظهر في حياتها مرارًا وتكرارًا دون سابق إنذار. 

وكلما ازداد لون الغروب عمقًا، أصبحت الذكريات أكثر وضوحًا. 

ليلة امتلأت بالأنين وفجر امتلأ بالدموع. 

وذلك الرجل الذي نظر إليها وكأنها لا تعني له شيئًا على الإطلاق. 

ومع حلول الظلام، أخذ خوفها يزداد ثقلاً. 

لقد كانت محظوظة هذه المرة، لكن ماذا عن المرة القادمة؟ 

هل سيعطيها الدواء مجددًا؟ وإن لم يفعل؟ ماذا ستفعل حينها؟ 

ازدادت أفكارها ثقلاً مع كل خطوة، إلى أن وجدت نفسها عائدة إلى مسكنها ومن هناك، عادت الحياة إلى روتينها المعتاد. 

تشاجرت مع والدتها بضع مرات، تناولتا الطعام معًا ثم نامتا. 

أمور بسيطة وعادية. 

وبدا أن المكمل الغذائي الذي أهداه لها مشرفها يحقق نتائج جيدة. 

فقد أصبحت والدتها تبدو أكثر صحة من قبل، وأكثر إشراقًا، لكن مع كل ابتسامة كانت تراها على وجه والدتها، كان شعور غريب بالقلق يترسخ أعمق داخل قلبها. 

كلما تحسنت والدتها ازداد ذلك القلق. 

كانت تخشى أن الحياة الطبيعية التي تتوق إليها بكل ما فيها لن تصبح يومًا ملكًا لها حقًا. 

ومع مرور الأيام، وبين ليالٍ مليئة بالقلق، شعرت يوريسييل وكأنها تذبل ببطء، وبالطبع لم يصلها منه أي خبر، لقد مر ما يقارب الشهر وكانت كلمات الطبيب لا تزال ترن في أذنيها. 

‘هذه المرة يجب ألا أتأخر.’ 

الخوف الذي شعرت به يوم رأت والدتها تنهار قد نُقش عميقًا في جسدها، في دمها ذاته. ولهذا وجدت نفسها، كعادتها، تتساءل عما يجب عليها فعله لتنال ولو قدرًا ضئيلًا من اهتمامه. 

دائمًا هي وليس هو. 

***

خرجت يوريسييل من مبنى الإدارة في موعد انتهاء العمل تمامًا ثم توجهت إلى صالون التجميل الذي حجزت فيه مسبقًا. كانت لافتة المدخل تحمل اسم كاليبسي صالون بخط فاخر يفيض أناقة وترفًا. 

كان من أشهر الصالونات التي تقصدها سيدات النبلاء خلال موسم المناسبات الاجتماعية، حتى إن صيحات المكياج وتسريحات الشعر الرائجة بين الطبقة الأرستقراطية كانت تبدأ من هناك. 

ولحسن الحظ، لم يكن الموسم الاجتماعي قائمًا حاليًا، لذا كان المكان هادئًا نسبيًا. 

“أأنتِ صاحبة الحجز؟” 

“نعم… أنا.” 

استقبلتها الموظفة بابتسامة مشرقة، تؤدي عملها بأدب واحتراف وبدا أن الجميع داخل كاليبسي يملكون القدر ذاته من التفاني. 

“من هنا، لو سمحتِ.” 

ورغم الدعوة اللطيفة، ارتجفت يوريسييل قليلًا ونظرت حولها بقلق، وأثناء سيرها في الممر الطويل، بدا انعكاسها على النوافذ الزجاجية الطويلة كمن ضُبط متلبسًا بسرقة، لكن الموظفين لم يبدوا أي رد فعل تجاه تصرفاتها المرتبكة، بل قادوها بكل تهذيب إلى غرفة خاصة. 

بعد ذلك، توالت أمامها تصاميم لم ترَ مثلها في حياتها قط، أنماط لا تُحصى من المكياج وتسريحات الشعر، أغلبها كان غريبًا عنها تمامًا. 

مصطلحات مثل «عين القطة» و«الحلوى البيضاء» دخلت أذنيها ثم خرجت فورًا دون أن تفهمها. 

كانوا يقولون إن العناية بالمظهر تحتاج إلى معرفة وكان ذلك صحيحًا. 

فما الذي كانت تفكر فيه أصلًا عندما جاءت إلى هنا وهي لا تعرف شيئًا؟ 

لكن في الحقيقة كان لديها سببها، لقد كانت يائسة. 

وكان لا بد أن تفعل شيئًا، أي شيء. 

وإذا كانت كثير من سيدات النبلاء يلجأن إلى هذا الطريق، فلا بد أن فيه فائدة ما. وفي وضعها الحالي ماذا بقي لديها لتخسره؟ 

إذا كان هناك شيء تستطيع فعله، فعليها أن تفعله. 

ماذا يحب؟ 

حدقت يوريسييل في المرآة وهي غارقة في التفكير، لكن انعكاسها لم يمنحها أي إجابة. 

كيف لها أن تعرف ما قد يلفت انتباه رجل بهذه الأهواء السطحية والمتقلبة؟ 

“فقط… اجعلوني جميلة.” 

في النهاية، هو رجل، وربما يفضل المرأة الجميلة قبل أي شيء آخر. 

كان عليها أن تتفتح أمامه كزهرة. وإن كان هذا دورها، فعليها أن تصبح أكثر إشراقًا من أي وقت مضى. 

لم يُظهر العاملون أي حيرة أو انزعاج من طلبها المهم وبأيدٍ خبيرة، أعادوا اللون والحيوية إلى وجهها بسرعة. وبينما كانت أفكارها تتشابك، جرى تشغيل أداة سحرية تُدعى «المُغيِّر» وفي لحظة واحدة فقط، أضافت طبقة جديدة كاملة إلى ملامحها. 

كانت قطعة أثرية شهيرة، صممتها في الأصل ملكة سابقة تُدعى كاليبسي من مملكة أخرى وحتى اليوم، ما زالت سيدات النبلاء يشدن بها، إذ قيل إن تلك الأداة السحرية قادرة على وضع المكياج كاملًا في لحظة واحدة. 

وبالفعل بدا انعكاسها مختلفًا تمامًا. 

حتى إنها كادت تبدو كشخص آخر. 

فحتى بين النبلاء، كان اقتناء «المُغيِّر» أمرًا بالغ الكلفة والندرة. 

وبينما كانت تحدق بدهشة في وجهها الجديد داخل المرآة، انحنت برأسها دون أن تعرف السبب، ثم خرجت إلى الشارع، كان الهواء باردًا، وتوقفت عربة أمامها عندما أشارت إليها. 

“إلى أين تودين الذهاب؟” 

لقد رد على رسالتها في الليلة السابقة، وفي رسالتها كانت قد ترجته أن يسمح لها برؤيته أما هو، فطلب منها أن تأتي إلى المكان ذاته. 

“إلى فندق ماريوت، من فضلك.” 

***

عندما وصلت إلى ماريوت، أطلقت زفرة بطيئة. 

كان المبنى الشاهق المهيب يربكها دائمًا لأنه يذكرها به. 

بالرجل الذي لا يقل عنه مهابة. 

دخلت بهدوء، ورغم أنها جاءت إلى هنا من قبل، فإن ذكريات ذلك المكان أصبحت ضبابية. 

لم يعد الخوف والارتجاف اللذان شعرت بهما يومها واقعيين كما كانا لكن الممرات ما زالت تبدو غريبة عنها. 

تبعت الموظف بصمت، صعدت على منصة متحركة واجتازت عدة ممرات أخرى ثم وطأت السجادة الناعمة، وأخيرًا توقف الموظف، وأشار إلى الغرفة الواقعة في نهاية الرواق. 

مجرد رؤية الباب أيقظت شيئًا داخل ذاكرتها، إنها الغرفة نفسها، الغرفة ذات النوافذ الواسعة المطلة على الجسر الخارجي. 

في ذلك اليوم، وقوفها هناك جعلها تشعر وكأن العالم كله يراقبها 

وكأن كل ما فعلته معه ينعكس على تلك النوافذ الزجاجية. 

وبالطبع كانت تعرف الحقيقة، فمن الخارج لا يمكن رؤية حتى ظل واحد عبر ذلك الزجاج الداكن، لكن معرفتها بذلك لم تبدد شعورها بالعجز. ومع قبعتها المنخفضة فوق رأسها، شعرت وكأنها تتجه نحو مكان العقاب. 

وبالنسبة لها كان ذلك شكلًا من أشكال الإذلال، وهو أكثر من يفهم هذا الأمر، ولهذا السبب بالذات ربما كان يستمتع به. 

لقد أدركت شيئًا بعد الوقت الذي أمضته معه، كلما قاومته أكثر، ازداد قسوة وكلما بكت أو توسلت، ازداد استمتاعًا بمشاهدتها تنهار. 

لذلك ربما كان الطريق الأسهل أن تمنحه ما يريد، أن تدعه يشعر بأنه المسيطر وفي المقابل، تحصل هي على ما تحتاج إليه، كما تفعل دائمًا، فلقد تعلمت بالفعل أن الدموع والاستياء لا يغيران شيئًا. 

عام واحد، مجرد عام واحد. هذا هو الزمن الذي عليها تحمله معه أو هكذا كانت تأمل أما الحقيقة، فكانت تعتمد بالكامل على مزاجه. 

إذا قرر يومًا أنها لم تعد مفيدة فسيتخلص منها دون تردد، ولهذا عليها أن تجعل نفسها عصية على النسيان عليها أن تحفر وجودها في ذاكرته ببريق لا يُمحى، حتى يحين اليوم الذي تتركه فيه خلفها. 

وفي المرآة المعلقة على الجدار، رأت نفسها، كان وجهها مزينًا بعناية بألوان جريئة ولافتة، لقد تفقدته مرارًا بعد مغادرتها الصالون. 

وكان ذلك البريق المصطنع مقنعًا على نحو مدهش وحين خلعت قبعة الفيدورا، انساب شعرها الأحمر على كتفيها برفق، حدقت في انعكاسها الغريب وشعرت وكأنها أصبحت شخصًا آخر تمامًا.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.