مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 73: 73نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 73: 73

73

الفصل الثالث والسبعون 

في العاصمة، كانت حديقة قصر آل بيريـوت الصغير تزهو مجددًا بورودها القرمزية المتفتحة. تلك الحديقة التي اشتهرت بأن فصل ازدهارها لا ينتهي أبدًا، كانت مغمورة بالورود السحرية التي تشع بضوءٍ أحمر متلألئ كما اعتادت دائمًا. 

داخل الدفيئة الزجاجية الأنيقة، ترددت أصوات رجل وامرأة دون أي تحفظ. 

“قليلًا بعد… فقط قليلًا أكثر.” 

كانت المرأة التي تشد شعر الرجل بيدها تبدو نَبيلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بشرة شاحبة لم تمسسها الشمس، وشعر أشقر بلاتيني ينساب فوق وجهها الأبيض كستارٍ حريري. وفي كل مرة كانت موجة النشوة تجتاحها، كانت تفكر في رجلٍ بعينه. 

كاسيان دي بلانشيت. 

ذلك الرجل ذو العينين الحادتين اللتين تشبهان شعار النسر الخاص بعائلة بلانشيت. لم تستطع الليدي بيوشيل نسيان الطريقة التي ارتجفت بها عيناه الحمراوان المميزتان يومًا وهو يحدق فيها بتلك النظرة المركزة وفي الوقت نفسه، كانت كلماته الباردة تتردد بوضوح داخل رأسها. 

〈”استمري في عيش حياتكِ كما اعتدتِ، لست هنا لأغيّر ذلك.” 

“هذا زواج سياسي، ولا توجد بيننا أي توقعات أخرى. ” 

“وإن لم يعجبك الأمر، يمكننا إنهاء الخطبة الآن.”〉 

تساءلت، كيف سيكون الأمر لو أن ذلك الرجل، الذي يبدو دائمًا نبيلًا ومثاليًا إلى هذا الحد، انهار تحت قدميها؟ 

ماذا لو كانت هي من يترك أثره على ذلك الوجه الكامل؟ 

مجرد تخيل ذلك جعل حركات الليدي بيوشيل تصبح أكثر اندفاعًا أما هو، فقد ظل طوال المأدبة بوجهٍ جامد لا مبالٍ. 

وبالطبع، لم يُبدِ أي اهتمام بها منذ البداية أصلًا. 

فعلى الرغم من أن انعكاس صورتها كان ظاهرًا بوضوح داخل عينيه الباردتين، إلا أنها لم تكن موجودة فيهما حقًا. 

ومع انطفاء الحرارة المتصاعدة داخلها، بدأت حركات الليدي بيوشيل تتباطأ ثم نهضت من مكانها بملامح يكسوها الملل. 

أطلق الرجل صوتًا خافتًا من خيبة الأمل، ثم اعتدل واقفًا بعد لحظة متأخرة. 

“سأبذل جهدًا أكبر في المرة القادمة.” 

استدارت الليدي بيوشيل نحوه ببطء. 

ارتفع حاجباها قليلًا، وكأنها سمعت شيئًا مسليًا أما الرجل، فقد ظل يحدق بسيدته مذهولًا، غير قادر حتى على ارتداء ملابسه. 

اقتربت منه بخطوات معدودة. 

ارتجف جسده الضخم المفتول العضلات قليلًا تحت نظرها، لكن عينيها بقيتا خاليتين من أي شعور. 

“المرة القادمة؟” 

ارتسمت ابتسامة ساخرة خافتة على شفتيها. 

رفعت ذقنه بإصبعٍ واحد، ثم انحنت فمها بابتسامة باردة. 

“حين يتجاوز الكلب حدوده وينسى مكانه…” 

ساد الصمت ثم أكملت ببرود: 

“يُستبدل بكلبٍ آخر، أصغر سنًا وأكثر وسامة.” 

استدارت الليدي بيوشيل مبتعدة، وما إن مدت ذراعها حتى أسرعت وصيفاتها إلى إلباسها ثيابها الفاخرة. 

“لقد أخطأت. أرجوكِ سامحيني.” 

ارتجف الرجل من رأسه حتى أخمص قدميه. 

فالفارس الذي يُطرد من غرفة نومها لن تكون نهايته سوى البؤس. 

سيُلقى في منصبٍ هامشي عديم القيمة، ولن يُرشَّح لأي موقع مهم مجددًا، فحتى لو كانت الابنة الثانية، فإنها لا تزال ابنة آل بيريـوت. 

بل والأهم السيدة المستقبلية لعائلة بلانشيت. 

“أرجوكِ امنحيني فرصة أخرى. في المرة القادمة سأرضيكِ بالتأكيد…” 

لم تلتفت إليه الليدي بيوشيل بل أشارت بذقنها نحو فارس آخر يقف في الجهة المقابلة من الغرفة. 

تقدم الفارس فورًا وسحب الرجل إلى الخارج أما هي، فوقفت أمام المرآة تعدل أقراطها بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث. 

في انعكاس المرآة ظهر صف من الفرسان واقفين بانتباه كامل. 

“أنت.” 

عند سماع صوتها، التفت الجميع لمعرفة من تقصد. 

كان المقصود فارسًا شابًا بملامح ناعمة، مختلفًا تمامًا عن الرجل العضلي السابق. 

انتفض الشاب عندما نادته. 

“نعم، سيدتي؟” 

“ستدخل في المرة القادمة.” 

اتسعت عيناه من الصدمة، ثم انحنى بسرعة وتراجع إلى الخلف. 

نهضت الليدي بيوشيل بهدوء وغادرت المكان بخطوات أنيقة. 

كانت خطواتها مريحة وهي تتجه نحو الشرفة العلوية. 

داعبت نسمة الصباح الباردة وجنتيها، وانبسطت العاصمة بكاملها أمام ناظريها، لم يُسمح لأي ابنة من بنات آل بيريـوت من قبل بالإقامة وحدها في قصر العائلة بالعاصمة، ولو لفترة قصيرة إلا هي. 

كل الامتيازات التي تتمتع بها الليدي بيوشيل الآن بدأت منذ إعلان خطوبتها لبلانشيت وكان هذا المسكن الخاص أحد تلك الامتيازات. 

في اليوم الذي رأى فيه مركيز بيريـوت وريث آل بلانشيت القوي السليم بعينيه، سمح لها بالإقامة هنا ولن يتغير ذلك فذلك الرجل ما زال رجلًا في النهاية وكما سقط غيره من قبل، سيسقط هو أيضًا أمامها يومًا ما، مهزومًا أمام رغباته، ما دام لم يحدث أمر غير متوقع. 

رفعت الليدي بيوشيل فنجان القهوة الموضوع على الطاولة وارتشفت منه بهدوء، انساب المذاق المر عبر حلقها بسلاسة. 

وفي كل مرة، كانت التقارير التي تصلها عند الفجر تُنقش من جديد داخل ذهنها. 

“تلك المرأة أمضت الليل في الفندق مع السيد الشاب.” 

“وغادرت في صباح اليوم التالي بعربة تحمل شعار بلانشيت.” 

“ما زلنا نحاول تحديد هويتها. نعتذر يا سيدتي.” 

إذًا لديه امرأة، تمامًا كما توقعت. 

رجل يوجه تحذيرات صارمة حتى قبل تثبيت الخطوبة رسميًا، رجل لم يُظهر تجاهها أدنى استجابة. لم يكن غريبًا أن تضع من يراقبه، ظنًا منها أنه قد تكون له امرأة أخرى بل إن الغريب حقًا هو افتراض أن شابًا نبيلًا في مثل سنه لم يسبق له أن انغمس في مثل هذه الأمور، رجل يملك ذلك الجمال الفاتن والمنحط في آنٍ واحد لا بد أن يجذب النساء إليه، بل سيكون عدم امتلاكه لأي امرأة أمرًا يصعب تصديقه أكثر. 

ومع ذلك فهذا مقبول فقط إن كانت مجرد نزوة عابرة. 

عاد إلى ذهن الليدي بيوشيل مشهد ذلك الرجل وهو يحذرها بعينيه الباردتين فتسلل إليها شعور متزايد بالقلق. 

أخذت أصابعها تطرق سطح الطاولة بإيقاعٍ مضطرب. 

ماذا لو لم تكن تلك المرأة مجرد تسلية مؤقتة؟ 

لقد بدت عينا وريث بلانشيت الحمراوان الباردتان، الصافيتان والنبيلتان، وكأنهما تقولان شيئًا مختلفًا. 

تلك المرأة ليست شخصًا عاديًا بالنسبة له. 

قبضت الليدي بيوشيل يدها بقوة حتى شعرت بالألم ثم وضعت فنجان الشاي برفق وهي تبتسم ابتسامة ملتوية. 

“استمروا في مراقبة تلك المرأة.” 

“أبلغوني بكل شيء.” 

***

استمرت حياة يوريسييل اليومية كالمعتاد، بعد مرور فترة على عودتها إلى مكتبها الإداري، وجدت صندوقًا صغيرًا موضوعًا بعناية فوق طاولتها. كان الصندوق مزينًا بختم كريمي أنيق بلون البيج، مما منحه مظهرًا راقيًا وفاخرًا. 

لا بد أنه خطأ، فشيء كهذا لم يكن موجهًا لشخص مثلها. 

من المستحيل أن تكون طردًا بهذه القيمة مرسلًا إليها. 

حملت يوريسييل الصندوق واتجهت نحو مكتب الإرجاع، لكن رؤيتها كانت محجوبة بالصندوق، فاصطدمت بحافة سلة ممتلئة بالوثائق وتعثر جسدها إلى الأمام. 

انفلت الصندوق من يديها وتناثرت محتوياته على الأرض. 

صدر صوت خفيف بينما تدحرجت عدة كبسولات شفافة صغيرة داخل وعاء دائري أنيق. 

“دواء؟” 

مهما نظرت إليه، بدا دواءً بلا شك. 

لكن لماذا أُرسل إليها؟ والأهم من أرسله؟ 

ظلت تحدق طويلًا في تلك الحبوب المجهولة. 

حتى إن العلبة الفاخرة احتوت على نشرة إرشادات نادرة. 

كانت تشرح طريقة الاستخدام، وعدد الجرعات، وتأثير الدواء. 

وبنظرة واحدة فقط، بدا واضحًا أنه مكمل غذائي فاخر مرتفع الثمن. 

“هل يمكن أن يكون هايل هو من أرسله؟” 

لكن لو كان هايل، لما أرسله دون اسمه أو أي إشارة تدل عليه. 

وبينما كانت تحاول ترتيب أفكارها، فتحت الباب فجأة ودخل فينسنت كعادته تمامًا. 

شعر مرتب بعناية، ووصول دقيق في موعده، كان مظهره أنيقًا، وفتح ملفًا ببروده المعتاد. 

اقتربت منه يوريسييل ببطء. 

“أعتذر لأنني غادرت مكتبي سابقًا دون إشعار.” 

توقف فينسنت عن تقليب الأوراق وعقد حاجبيه قليلًا. 

اعتذار مرة أخرى. 

مساعدته هذه لا تملك سوى كلمتي الشكر والاعتذار في جعبتها. 

كان قد سمع أن والدتها انهارت. 

وحتى يوريسييل، التي لم تكن معروفة بدقة ملاحظتها، كان بإمكانها أن ترى من مظهرها أنها فقدت الكثير من الوزن. 

وجه شاحب وعينان فارغتان، وما زالت تعتذر؟ 

هل تحاول تصويره كرئيس قاسٍ؟ 

“لقد استخدمتِ إجازة شخصية. لا داعي للاعتذار. ثم إن الشاحب أخبرني بكل شيء.” 

رمشت يوريسييل بحيرة للحظة ثم أدركت أنه يقصد هايل فانفلتت منها ضحكة صغيرة. 

ألقى فينسنت نظرة خاطفة عليها وأضاف باقتضاب: 

“كيف حال والدتكِ؟” 

“لحسن الحظ، أصبحت أفضل بكثير. قال الأطباء إنها ستخرج قريبًا من المستشفى.” 

هز فينسنت رأسه هزة خفيفة، وكأن ذلك كل ما كان يحتاج إلى معرفته، ثم عاد إلى أوراقه. 

نظرت يوريسييل إلى أعلى رأسه للحظة، ثم فتحت فمها بحذر. 

“وأيضًا… بشأن ما حدث سابقًا…” 

كان احتمالًا ضعيفًا لكن ما إن رأته حتى تذكرت سلة الفاكهة التي أهداها لها من قبل. لذلك ربما يكون هذا الدواء أيضًا… 

بالطبع، قد يضحك الآخرون لو طرحت فكرة كهذه. 

ففينسنت لم يكن من النوع الذي يهتم بشؤون الناس، ليس لأنه عديم الرحمة بل لأن كل اهتمامه كان منصبًا دائمًا على ملاحقة تلك المرأة، فلماذا يتكلف شخص مثله عناء إرسال شيء كهذا إليها؟ 

رفع فينسنت رأسه قليلًا فدخلت يوريسييل مجال رؤيته. 

وكانت أصابعها المتململة توحي وكأنها تخفي أمرًا بالغ الأهمية. 

“ذلك الدواء هل كنت أنت من…؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.