مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 70: 70نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 70: 70

70

الفصل السبعون 

تكلّمت المرأة مرة أخرى، وكأنها تحفظ كلماتها عن ظهر قلب. 

نظرت مباشرةً إلى عينيه، دون أن ترتجف نبرتها ولو قليلًا. 

“أرجوك… سامحني.” 

ارتفعت عيناها الخضراوان الهادئتان نحوه بثبات، كأنها جاءت مستعدة مسبقًا لهذه اللحظة. 

لم يكن الأمر مضحكًا حتى، لكن ارتسمت على شفتي كاسيان ابتسامة خافتة مشوبة بالسخرية. 

“على ماذا؟” 

ارتجفت شفتاها الحمراوان، حتى بدا وكأن الدم قد يخرج منهما من شدة الضغط، أمال كاسيان رأسه قليلًا وهو يراقبها عن كثب. 

“عليكِ أن تكوني أكثر تحديدًا. كيف يُفترض بي أن أعرف ما الذي تطلبين الصفح عنه؟” 

لم تجب. 

“ما الأمر الذي تريدين مني أن أغفره بالضبط؟” 

كان يعرف مسبقًا ما الذي ستقوله لكنه أراد أن يسمعه من فمها هي. وكان في ابتسامته شيء من القسوة وهو ينتظر. 

انعكست الأضواء على بشرة يوريسييل الشاحبة، فبدت ملامحها البيضاء أصلًا أشبه بطيفٍ باهت. 

مرّ الخجل على وجهها كموجة عابرة، فزادها هشاشة وضعفًا لكن بدل أن تتراجع، ازدادت ملامحها حزمًا. ظلّت نظراتها معلّقة بعينيه، صافية وثابتة. 

وتساءل كاسيان إن كانت تدرك مدى الإغراء الذي يمنحه ذلك المنظر. 

بالطبع كانت تدرك، ولهذا كانت تنظر إليه بتلك الطريقة، محاولةً أن توقظ فيه شيئًا. 

هل ستتوسل إليه من أجل الدواء مجددًا؟ 

أم ستلقي بنفسها نحوه كما فعلت في المرة السابقة؟ 

حدّقت يوريسييل فيه بتعبيرٍ غريب لم يستطع قراءته. 

رفعت شعرها إلى جانب واحد، كاشفةً انحناءة عنقها الطويلة الشاحبة ومن دون أن تقطع التواصل البصري بينهما، مدّت يدها إلى سحّاب فستانها. 

شقّ الصمت صوت السحّاب وهو ينفتح ببطء. 

وربما لم تستطع تحمّل فعل ذلك وهي تواجهه مباشرةً، فاستدارت وأكملت إنزاله حتى النهاية. 

وببطء، أخذ جسدها ينكشف أمام ناظريه. انحدر ظهرها النحيل إلى خصرٍ دقيق، ثم إلى منحنيات أنثوية واضحة. 

تبعت عيناه الحركة حتى انزلق الفستان بالكامل إلى الأرض. 

وانكشفت ساقاها الطويلتان، وخصرها الرشيق، وتفاصيل جسدها تحت الضوء الخافت. 

ثم استدارت نحوه ببطء وأصبح ما كان مستورًا ظاهرًا أمامه. 

أطلق كاسيان ضحكة خافتة خرجت مع زفيرٍ بطيء. 

وكعادتها فاجأته مجددًا. 

كلما طال وقوفها هناك، خفّ ارتجاف عينيها أكثر. 

أما وجهها فأصبح هادئًا، يكاد يكون خاليًا من التعبير، وكأنها دفعت حتى خجلها جانبًا لكن تحت ذراعيها الشاحبتين، ظلّ جسدها يرتعش، ارتعاشٌ يكشف كم كانت تكبت في داخلها. 

ومع ذلك، بقيت عيناها مفتوحتين على اتساعهما، ممتلئتين بالإصرار وظلّت نظراتها متشبثة بنظراته دون تراجع. 

وكان في ذلك ما لا يمكن إنكاره من جاذبية. 

ففي كل مرة تتلاقى فيها أعينهما، كان شيء حارٌّ وخارج عن السيطرة يتحرك داخله وكأنه رجل أصابه مسٌّ من الجنون. 

وكأنها شعرت بذلك فمدّت يدها المرتجفة وأمسكت به برفق، تقرّبه منها ولم يقاومها كاسيان. 

لقد أراد أن يرى إلى أي مدى هي مستعدة للمضي ثم همست قرب أذنه بصوتٍ ناعم يكاد يشبه النعاس. 

“أنا أُحِبُكِ.” 

إذا كانت تلك هي اللعبة فهو مستعد للمشاركة فيها. 

دون أن يتغير أي شيء في ملامحه، تقدّم نحوها ببطء. ومع كل خطوة، بدأ الهدوء الذي كانت تتشبث به يتصدع شيئًا فشيئًا. 

تعمد التمهل، مراقبًا ردود أفعالها حتى توقف أمامها مباشرة ثم انحنى قليلًا وأخيرًا قبّلها. 

اجتاحت الحرارة المسافة بينهما. وكانت العاصفة التي ضربت يوريسييل كافية لتسلبها اتزانها بالكامل. 

تشابكت أنفاسهما المتفاوتة في الهواء واجتذبها كاسيان نحوه، حتى تلامست أجسادهما. 

ارتجفت يوريسييل بعنف. 

كلما ازداد قربه، شعرت بأنها على وشك الانهيار أما هو، فلم يحوّل نظره عنها لحظة واحدة، ظل يراقبها كما لو كان يحفظ كل تفصيل في ارتباكها ولم يكن في عينيه تردد ولا شفقة ولا أي عاطفة يمكنها الاحتماء بها. 

وكان ذلك الجمود البارد أشد إذلالًا من أي شيء آخر. 

ساد الصمت الغرفة. 

ولم يبقَ سوى أنفاسها المتقطعة وهي تخترق السكون. 

وفي الخارج، بدأ وهج الفجر الأحمر يتسلل ببطء عبر السماء. 

حتى من دون أن تراه، استطاعت أن تشعر بوجوده. 

ذلك الوقت تحديدًا الوقت الذي كانت تضطر فيه دائمًا إلى مواجهة أسوأ جوانب نفسها. 

واليوم، جاء مصحوبًا بإذلالٍ لا يُحتمل. 

ولم يتركها كاسيان حتى مضت ساعات الصباح الأولى. 

وفي كل مرة حاولت التراجع أو استعادة شيء من تماسكها، كان يجرّها مجددًا إلى تلك الدوامة. 

فلم يبقَ لها سوى أن تعض شفتيها بقوة كي لا تنهار. 

ورغم أنها جاءت إلى هنا بإرادتها، فقد تمسكت بما تبقى لها من كبرياء حتى النهاية. 

لم ترد أن تكشف كل شيء، لم ترد أن تصبح مكشوفة بالكامل أمامه. وفي كل مرة كانت تقسو فيها على نفسها لتحافظ على ذلك القليل المتبقي، كانت تتذوق طعم الدم في فمها. 

ولابد أن كاسيان لاحظ ذلك لأنه، وكأنه يريد تحطيم آخر ما تبقى من اعتدادها بنفسها، كان يقترب منها مرة بعد أخرى، بلا رحمة. 

وتشابكت أنفاسهما الحارة مرارًا. 

وفي المرآة المقابلة، انعكست صورتها بوضوح، رأت نفسها هناك. 

امرأة متشبثة به، مرتجفة، فاقدة لكل ما حاولت التمسك به. 

حاولت المقاومة، حاولت كبت مشاعرها لكن سيلًا غريبًا من الأحاسيس اجتاحها، فأغرق أفكارها تمامًا. 

ومن خلال رؤيتها الضبابية، رأت نفسها كما يراها هو. 

وكان مجرد إدراكها لذلك كافيًا ليجعلها ترغب في الاختفاء. 

ومع كل محاولة منها للابتعاد، كان يعيدها إلى مكانها. 

ثم نظر إليها بصمت، بعينين لا يمكن قراءة ما يدور خلفهما. 

وحين حاولت التراجع خطوة أخرى، أمسكها بذراع واحدة. 

وانحنى هامسًا بالقرب منها. 

“إن أردتِ فسأدعكِ ترحلين.” 

تلألأت عيناه الحمراوان تحت الضوء ببريقٍ يكاد يعمي الأبصار. 

“لستُ من الرجال الذين يفرضون أنفسهم على امرأة ترفضهم.” 

كان يقول أمثال هذه الكلمات دائمًا. 

يبدو نبيلًا، جميلًا، ومثاليًا. 

لكنها حين نظرت إلى عينيه، لم ترَ سوى نفسها في صورةٍ مثيرة للشفقة. كان يذكّرها مجددًا بأنها هي من تعلقت به، هي من جاءت إليه وهو يفعل ذلك بقسوةٍ تامة، دون ذرة تعاطف. 

جمد الخوف قلبها. 

ماذا لو تخلى عنها فعلًا؟ 

حتى بعد أن وصلت إلى هذا الحد، ما زالت هناك أشياء تحاول حمايتها، وكما تراجعت غريزيًا قبل لحظات، تحركت غريزيًا مرة أخرى فأحاطت عنقه بذراعيها. 

“لا.” 

نظر إليها مباشرة. 

“أريد هذا.” 

“وماذا تقصدين بـ(هذا)؟” 

امتلأت عيناها بالمرارة. 

كانت تكرهه، تكرهه بشدة. 

ذلك الرجل الذي كان لا بد أن يرى كل شيء فيها، حتى أكثر أجزائها ضعفًا وانكسارًا. 

لماذا كان عليه أن يدفعها إلى الحضيض هكذا؟ 

لماذا كان عليه أن يكون بهذه القسوة لمجرد التسلية؟ 

لكنها كانت تعرف الجواب الذي يريد سماعه. 

“أنت.” 

الرجل الذي لم يتحرك للحظة واحدة قبل ذلك، أعادها إلى حضنه أخيرًا ومنذ تلك اللحظة، خانها جسدها بصدقٍ مؤلم. 

كأنها نسيت معنى الخجل تمامًا. 

ومع كل إحساسٍ جديد يجتاحها، كانت ترتجف كما لو أنها تتفكك قطعةً قطعة وعندها فقط خفّت قسوته قليلًا وكأنه راضٍ عن إجابتها أو كمن يمنح مكافأةً لحيوانٍ أحسن التصرف لكن ذلك لم يغيّر شيئًا في الحقيقة. 

ومن خلال ضباب وعيها، ظهر وجهه أمامها، ضبابيًا عند الأطراف ومع ذلك، ظل جميلًا إلى حدٍ غير عادل. 

كالتمثال المنحوت بعناية. 

وكان يمسح آثار الدموع عن وجهها برفقٍ يكاد يبدو حنونًا حتى إن ابتسامته الهادئة بدت كابتسامة رجلٍ عاشق. 

وذلك ما جعل مرارتها أشد، فمن الصعب تصديق أن هذا الرجل نفسه هو من أوصلها إلى هذه الحالة. 

وما إن غرقت في تلك الفكرة، حتى عادت القسوة إلى ملامحه مجددًا لكنها لم تكن تضاهي ما سبقها. 

كان يتحرك بثقةٍ متمرسة، كما لو كان يعرف تمامًا كيف يزعزع توازنها وكأن هذا العالم ليس غريبًا عنه أبدًا. 

وتلك الفكرة وحدها جعلتها تشعر بمزيد من الشفقة على نفسها. 

احترقت عيناها، وحاولت ساقاها الابتعاد غريزيًا لكن يديه منعتاها من ذلك. 

وعندما اقترب منها مرة أخرى، ارتجف جسدها قبل أن تتمكن حتى من التفكير وعندها خرجت الكلمات من شفتيها بلا إرادة. 

“أرجوك… توقف.” 

ولو كانت بكامل وعيها، لما نطقت بها أبدًا لكنها لم تعد تملك القوة الكافية لحماية أي شيء لم يبقَ لديها ما تحميه أصلًا.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.