الفصل 69: 69
69
الفصل التاسع والستون
“إن كنت تفتقر إلى الكفاءة، فعلى الأقل تحلَّ بالشجاعة الكافية للاعتراف بذلك بسرعة. بهذا المستوى، كيف سيتمكن معلمكم أصلًا من رفع رأسه أمام الناس؟”
انخفضت الرؤوس الملطخة بالعار في صمت.
فقد نشأوا جميعًا كورثة لعائلات نبيلة، تربّوا على الكرامة والكبرياء، ولم يسبق لهم أن ذاقوا إذلالًا كهذا ومع ذلك، لم يجرؤ أيٌّ منهم على مجادلة فينسنت فكل من يطمح إلى مستقبل طويل في السلك الإداري كان يعلم جيدًا أنه لا ينبغي له أن يضع نفسه في مواجهة رجل مثله.
ففي النهاية، كان موهبة استثنائية حظيت باعتراف العائلة الإمبراطورية نفسها، بل وكان على وشك أن يُمنح لقبًا نبيلًا.
“لقد أخطأنا.”
انحنوا جميعًا برؤوسهم، يصلّون بصمت من أجل أمر واحد فقط.
ألا تصل هذه الحادثة إلى مسامع معلمهم.
حدّق فينسنت في أجسادهم المرتجفة بنظرة استياء، ثم تمتم بهدوء:
“ومن يكون معلمكم؟”
***
وعلى غير العادة، كان طريق عودة يوريسييل إلى السكن ذلك اليوم هادئًا بصورة غريبة.
كانت قد خططت للتوجه شرقًا لتتجنب أعين الآخرين، لكن حين رأت الجانب الغربي شبه خالٍ، غيّرت مسارها وسلكته بدلًا من ذلك وبفضل الطريق المختصر، لم يستغرق وصولها إلى السكن وقتًا طويلًا. دخلت بحذر، ثم توقفت للحظة تتأمل الغرفة الساكنة قبل أن تتجه للبحث عن والدتها.
في الآونة الأخيرة، أصبحت جين تنام أكثر فأكثر واليوم لم يكن مختلفًا، كانت منحنية فوق مقعدها، غارقة في نوم عميق.
وكعادتها، أصرت على الجلوس على الكرسي، ولم تستخدم السرير المريح الذي كانت تحتفظ به دائمًا لابنتها.
اقتربت يوريسييل منها برفق، وأسندتها حتى تمددت فوق الفراش الناعم ثم وضعت يدها على جبينها.
شعرت بأطراف أصابعها بحرارة مرتفعة، وبأنفاس غير منتظمة.
وكما توقعت لم تكن كلمات والدتها بالأمس، حين قالت إنها بخير، سوى كذبة مطمئنة.
هوى شيء ثقيل داخل صدرها وامتلأت عينا يوريسييل بالدموع.
حتى هذه الساعة المتأخرة لم يظهر خادم آل بلانشيت.
وكانت تعرف تمامًا معنى ذلك.
حاولت الإنكار، حاولت إقناع نفسها بغير ذلك لكنها كانت تعرف الحقيقة منذ البداية.
ذلك الرجل لم يكن ينوي إعطاءها الدواء أصلًا. تذكرت تعبيره الأخير، وتلك الطريقة القاسية التي أخبرها بها أن تثبت قيمتها أولًا وإن عجزت عن ذلك فقد لا ترى والدتها مجددًا أبدًا.
لو أنها فقط لم تقل تلك الكلمات يومها، لو أنها التزمت الصمت بدلًا من التوسل من أجل الدواء.
على الرغم من أنه كان يرتكب ذنبًا بحق خطيبته، إلا أن كتابة الرسالة كانت أقل سوءًا مما هي عليه الآن.
اجتاحها الندم كمدٍّ بحري هائل وابتلعها بالكامل.
مسحت يوريسييل دموعها المنهمرة بيديها الجافتين.
لم يعد هناك وقت للبكاء على ما فات كان عليها أن تفكر بأي طريقة كانت فهي لا تملك شيئًا.
فماذا يمكن لشخص مثلها أن يقدمه لوريث عائلة بلانشيت العظيمة؟
لم يكن هذا سؤالًا جديدًا، لقد طرحته على نفسها آلاف المرات.
لكن كلما فكرت فيه أكثر ازداد شعورها باليأس.
أن تثبت قيمتها؟
لكنه لم يحتج إليها يومًا من الأساس.
وماذا لو أنه لم يكن ينوي إعطاءها الدواء أبدًا، وقال تلك الكلمات فقط ليتخلص منها؟
مجرد التفكير في ذلك كان كفيلًا بإغراق قلبها في الظلام.
فإن كان الأمر كذلك فلن يغير أي شيء تفعله من موقفه، لكنها لم تستطع الاستسلام بهذه البساطة.
استمعت إلى أنفاس والدتها الضحلة، ثم عضّت شفتها بقوة.
لم يكن بوسعها أن تبقى مكتوفة اليدين.
نعم، عام واحد فقط. كل ما عليها تحمله هو عام واحد، مهما كان الثمن، لن تسمح لأحد بأن يسلب والدتها الحياة والعافية التي بدأت تستعيدها أخيرًا.
أخرجت يوريسييل أفضل أوراق المراسلات التي تملكها، وضغطت بالقلم فوق الصفحة بخط ثابت.
【أود مقابلتك.】
حدقت طويلًا في الجملة، متسائلة عما ينبغي أن تضيفه بعدها، لكنها في النهاية وضعت نقطة وانتهت. لم تستطع كتابة أكثر من ذلك.
بعد إرسال الرسالة، انتظرت الرد بقلقٍ لا يهدأ.
ماذا لو لم يرغب في رؤيتها؟
ماذا لو سئم منها حتى إنه لم يعد يكلف نفسه عناء الرد؟
لن يكون ذلك مستغربًا، فهو لم يكن يومًا من الأشخاص الذين يجيبون على الرسائل أصلًا.
كانت هي دائمًا صاحبة الطلب، وهي من تبادر بالكتابة وهي من تتوسل ومعرفتها بأنه لم يعد يريد منها شيئًا كانت تحرقها من الداخل.
ومع اقتراب نهاية اليوم، توجهت يوريسييل إلى صناديق البريد في السكن بيدين مرتجفتين وهناك وجدته، رسالة مختومة بشعار مألوف فمزقتها على الفور.
كانت من آل بلانشيت.
ارتجفت يداها وهي تمسك الورقة وتجمد بصرها عند ذلك الخط الحاد البارد الذي يذكرها بصاحبه.
【بلانشيت 100-3. ماريوت. التاسعة مساءً.】
كان الرد مقتضبًا. قلبت الرسالة باحثة عن أي سطر إضافي لكن لم يكن هناك شيء آخر.
على الأرجح كان يطلب منها أن تقابله هناك.
حدقت في اسم المبنى الغريب عليها.
‘ماريوت.’
ثم طوت الرسالة ببطء.
حتى لو كان المكان نارًا تنتظرها فلم يعد لديها رفاهية التردد.
***
ما إن ترجّلت من العربة حتى ضربت وجهها ريح قاسية كحبات الرمل.
ماريوت.
المكان الذي ذكره اتضح أنه فندق شهير في العاصمة، تملكه وتديره عائلة بلانشيت.
ظل سائق العربة يتحدث طوال الطريق، ربما ليقتل الملل أو ليبدد وحدته. تحدث عن فندق ماريوت، الذي يُقال إنه أفخم فندق في العاصمة، وأن أبوابه لا تُفتح لأي شخص.
وقال إن الصفقات السرية بين النبلاء والعلاقات العاطفية الخفية كثيرًا ما تجري فيه.
بل ادّعى أنه لم يرَ قط رجلًا وامرأة يغادران ماريوت دون أن تزداد علاقتهما قربًا.
كانت يوريسييل قد خمّنت ذلك بالفعل عندما سمعت أنه فندق،
لكن سماع هذه القصص الصريحة عن الحياة الخاصة للنبلاء جعل قلبها يثقل كالحجر وخاصة الجزء المتعلق بالعشاق السريين.
كاد الأمر يثير فيها الضحك المرير.
فأي ادعاء للشرف يمكنها التمسك به الآن؟
رجل يستدعيها إلى غرفة نوم في ساعة متأخرة من الليل.
وكانت تعرف تمامًا ما يعنيه ذلك.
نظرت إلى انعكاسها في زجاج النافذة، ثم سحبت قبعتها الفروية إلى أسفل حتى غطت معظم جبينها.
كانت قد غطت نفسها بكل ما استطاعت لإخفاء ملامحها.
حتى بدا مظهرها مثيرًا للسخرية بعض الشيء.
شعرها الأحمر الزاهي، الذي أحبته يومًا لأنه فريد، اختفى بالكامل تحت القبعة أما الوشاح، فقد لفّته عاليًا حتى أخفى فمها.
بدت أشبه بلصّة تتسلل لتنفيذ سرقة، لا بامرأة نبيلة.
ومع استمرارها في إخفاء نفسها أكثر فأكثر، راحت مناظر المدينة تنساب خلف نافذة العربة. كانت العاصمة مشرقة وصاخبة ومترفة أكثر مما ينبغي لشخص باهت وصغير مثلها.
“لقد وصلنا.”
ألقى السائق عليها نظرة فضولية، متسائلًا عن سبب توجه شخص بمظهر كهذا إلى ماريوت لكن عندما لمح وجهها الشاحب الرقيق الذي عجزت القبعة عن إخفائه تمامًا، تجمد في مكانه.
وفي نفسه فكّر:
ربما كانت من أجمل النساء اللواتي رآهن في حياته.
حتى وهي ترتدي تلك القبعة.
‘إذن هذا هو نوع الجمال الذي يحظى بالحظ في ماريوت.’
وبينما كان غارقًا في تأملاته الخاصة، نزلت يوريسييل من العربة بصمت، دفعت الأجرة ثم انطلقت مبتعدة بسرعة، دون أن تنتظر حتى باقي النقود.
***
ارتفع الفندق أمامها، أضخم وأعلى من أي بناء رأته من قبل.
وكانت تفاصيله الداخلية تحمل الطابع المعماري المميز لعائلة بلانشيت، أناقة وهيبة في آن واحد.
لكن يوريسييل لم تكن تملك الوقت ولا الطاقة للإعجاب بأي من ذلك، وما إن دخلت المبنى الغارق في الأضواء حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة.
كلما ارتفع المكان أكثر شعرت برغبة أكبر في الاختفاء وكلما ازدادت الأضواء سطوعًا حولها ازدادت رغبتها في التواري لكن حتى هذه الأمنية الصغيرة لم تتحقق فمن الواضح أن المكان صُمم للأثرياء ولهذا، بدل أن يندمج مظهرها وسط الحشود، صار أكثر لفتًا للانتباه. كانت النظرات تتبعها في كل مكان ومع كل نظرة، كانت خطواتها تتسارع وكأنها تهرب من شيء. صحيح أن أحدًا لن يتعرف عليها وسط كل تلك الأغطية لكن مع ذلك.
***
لم تستطع التقاط أنفاسها إلا بعدما لجأت إلى درج جانبي هادئ.
هناك، في الصمت، عاد وجهه إلى ذاكرتها.
كما كان يفعل كل فجر هادئ.
‘ماذا لو لم يُبدِ أي اهتمام بها أصلًا؟’
كان هذا هو التفكير الوحيد الذي سمحت لنفسها به أما موظفو الفندق، فبدوا وكأنهم تلقوا تعليمات مسبقة فقد سمحوا لها بالدخول رغم مظهرها غير المناسب للمكان. وكان لطفهم المبالغ فيه كفيلًا بإشعارها بعدم الارتياح.
رافقوها حتى المصعد، وعندما فُتح بابه، امتد أمامها ممر طويل مفروش بسجاد فاخر.
“من هنا الغرفة البيضاء.”
انحنى الموظف بأدب بعد أن دلّها على الطريق، ثم اختفى.
ومن تلك اللحظة أصبح عليها أن تكمل الطريق وحدها.
كان قلبها يخفق بعنف، إلى درجة أنها لم تعد تعرف إن كان الصوت الذي تسمعه في الممر هو وقع خطواتها أم نبضاتها.
وصلت إلى نهاية الممر دون أن تدرك كيف ثم فتحت الباب ودخلت وكان هو هناك، واقفًا عند الطرف الآخر من الغرفة وخلفه امتدت غرفة النوم بوضوح كامل.
أدار رأسه بعيدًا عن النافذة ونظر إليها.
التقت عيناه الحمراوان بعينيها ورأت نفسها منعكسة فيهما بوضوح.
لقد جاءت إليه في النهاية.
تذكر كيف أسرعت في السير منذ أن غادرت العربة كأن أحدًا كان يطاردها. ذلك الاندفاع المتوتر لم يكن يشبه بطئها المعتاد أبدًا.
هذه المرأة كانت تتغير بالكامل كلما امتلكت سببًا لرؤيته.
لا تتحرك إلا عندما تحتاج إليه وكان ذلك مثيرًا للسخرية.
وإذا كانت تملك سببًا واضحًا أفلا يجدر بها على الأقل أن تخفيه؟
لكنها كانت دائمًا تحاول الهرب منه وتحاول خداعه.
بطرق ساذجة وواضحة إلى حد يثير الشفقة.
ومع ذلك ها هي تقف أمامه الآن، وفي النهاية هي معه.
وكان ذلك سخيفًا لكنه أعجبه، على نحوٍ ما.
بدت هشة للغاية كغصن جاف يكاد ينكسر أو كشخص جاء ليستقبل موته.
منتصف الليل والمكان الأنسب لرجل وامرأة كي يختليا ببعضهما.
كان يعلم أن استدعاءها إلى هنا تصرف قاسٍ وكان يعلم أيضًا سبب إصرارها السابق على الابتعاد عنه. لقد قالت إنها لا تستطيع التورط مع رجل مخطوب، ذلك كان سببها النبيل.
أخلاقها الرفيعة والمثالية لكن تلك الأخلاق انهارت بسهولة مدهشة بين يديه.
تساءل إن كانت تراه شيطانًا الآن ثم سرعان ما أدرك أن المرأة الواقفة أمامه لم يعد قلبها نقيًا إلى هذا الحد أيضًا.
استقرت عيناه على شفتيها، الشفاه ذاتها التي همست له ذات يوم بأنها تحبه، ماذا ستقول الليلة؟ كان فضوله حقيقيًا.
تقدمت يوريسييل ببطء. تقلصت المسافة بينهما خطوة بعد أخرى حتى لم يبقَ بينهما سوى خطوة واحدة ووصل عبيرها العذب إلى أنفه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.