مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 68: 68نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 68: 68

68

الفصل الثامن والستون 

ربّتت والدتها على شعرها بحنانٍ دافئ. 

“أنا سعيدة، تعلمين؟ لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة سمحتِ لنفسكِ بأن تكوني بهذا القدر من الرقة أمامي.” 

دفنت يوريسييل وجهها في أحضان جين واستنشقت ذلك العطر المألوف، بينما كانت تحبس دموعها بصعوبة. 

شيئًا فشيئًا، هدأ اضطراب أنفاسها، وعاد قلبها ينبض بإيقاعه الطبيعي عندها فقط أرخَت جين ذراعيها وأطلقت سراحها. 

وفجأة، وكأنها تذكّرت أمرًا مهمًا، تمتمت لنفسها على عجل واتجهت إلى أحد الأركان. هناك جمعت شيئًا في صينية ثم عادت بها. 

“خذي يا إيل، جرّبي هذا.” 

خفضت يوريسييل نظرها، فرأت الصينية مملوءة بعناقيد من العنب الأخضر الممتلئ. 

كانت الحبات مرتبة بعناية، ومظهرها وحده كفيل بإثارة الشهية. 

“هيا، كليه. لقد حضّرته خصيصًا لكِ.” 

نزعت جين بضع حبات وقدّمتها إلى فم ابنتها. وكعادتها، اكتفت يوريسييل بحبة واحدة فقط. 

“أشعر بالشبع بمجرد رؤيتي لكِ وأنتِ تأكلين.” 

“لا تقولي أشياء كهذه.” 

وبعد جدالٍ لطيفٍ مليء بالمزاح، انتهى بهما الأمر إلى تقاسم العنب حبةً بعد أخرى حتى فرغت الصينية تمامًا. 

كانت جين تحاول مرارًا دسّ المزيد من الحبات في يد ابنتها، وكلما كُشفت محاولتها ضحكت وأكملت الأكل. 

لم تغادر الابتسامة وجهها ولو للحظة. 

وعندما لم يتبقَّ سوى حبة واحدة، وضعتها جين برفق في فم يوريسييل. 

“أسعدني كثيرًا سماع أن مشرفكِ يعاملكِ بلطف.” 

كانت ابتسامة والدتها هادئة، مفعمة بفرحٍ صادقٍ ودافئ. 

انفجرت حبة العنب بين أسنان يوريسييل بفرقعة خافتة، وانتشرت حلاوتها على لسانها. 

وبعد لحظات قصيرة، استدارت جين وعادت وهي تحمل زجاجة صغيرة وضعتها فوق الطاولة. 

“خذي هذه معكِ. أعطيها له.” 

داخل الزجاجة الشفافة، تلألأ نبيذ أرجواني داكن بلونٍ عميق. 

كان ذلك النبيذ الذي دأبت والدتها على صنعه منذ وصولهما إلى العاصمة. وكلما بدأت ذاكرتها تتلاشى، كانت تفعل أمورًا غريبة يصعب تفسيرها وصناعة هذا النبيذ كانت إحدى تلك الأمور أما السبب، فكان دائمًا بسيطًا. 

“لقد كان يحب هذا كثيرًا.” 

ذلك الرجل والد يوريسييل الحقيقي. 

من يكون هذا الرجل حتى يظل حاضرًا بهذه القوة في ذاكرة والدتها، رغم أن ذاكرتها نفسها كانت تضعف يومًا بعد يوم؟ 

كانت جين تتحدث أحيانًا بقلقٍ عن احتمال عدم كفاية المكونات، لكنها كانت تبتسم دائمًا وهي تقول ذلك. 

راقبتها يوريسييل بصمت، وقد امتلأ صدرها بمشاعر يصعب التعبير عنها، ثم غيّرت الموضوع بلطف. 

انتقل الحديث من والدها إلى السيد فينسنت، ثم إلى تفاصيل صغيرة من حياتهما اليومية. 

جين، التي اعتادت أن تتحدث عن الماضي أكثر من أي شيء آخر، بدأت تتحدث عن المستقبل. 

عن الأماكن التي ترغب في زيارتها مع يوريسييل، وعن الأطعمة التي تود أن تتناولها معها، وعن الرجل الذي قد تتزوجه ابنتها يومًا ما، وعن رغبتها في الوقوف إلى جانبها يوم زفافها. 

كان لون الصحة قد عاد إلى وجنتيها، وبدت ابتسامتها مشرقة وجميلة كأشعة الشمس. 

حدّقت يوريسييل فيها بصمت، بينما كان صدرها يضيق ألمًا فكلما ازداد شعورها بالسعادة، ازداد الخوف الذي يلاحقها بعدها. 

كان يندفع كالموجة العاتية، يلتف حولها ويمنع عنها التنفس. 

ماذا لو ذبلت والدتها كما ذبلت تلك الزهرة في حلمها؟ 

وماذا لو لم يكن ذلك مجرد كابوس بل إنذارًا؟ 

***

ومضى الوقت كعادته وفي كل ليلة، كان ذلك الرجل يظهر في أحلامها، لم يكن يتكلم. كان يكتفي بالنظر إليها بتلك الابتسامة الساخرة وفي كل مرة تستيقظ، كانت تجد جسدها غارقًا بالعرق. 

العزاء الوحيد أنها كانت تستيقظ دائمًا قبل والدتها فتنهض بهدوء، ترتب نفسها بصمت، وتنتظر طلوع الفجر. 

كان وهج الصباح الباكر لا يزال جميلًا كما كان دائمًا لكنه لم يعد يمنحها الطمأنينة بل صار مصدرًا للرعب. 

فالساعات الساكنة التي تسبق استيقاظ الجميع كانت تمنحها وقتًا أطول مما ينبغي للتفكير. 

ماذا لو قرر ألا يعطيها الدواء؟ ماذا لو أخبرها أنها لم تعد ذات فائدة؟ ماذا ستفعل حينها؟ 

كانت يوريسييل تصلي بيأس ألا يحدث ذلك أبدًا فكل شيء بات معلقًا بقراره. وكان ذلك مذلًا ومؤلمًا، لكن لم يكن أمامها خيار سوى الانتظار. 

خطرت لها فكرة كتابة رسالة إليه لكنها تخلّت عنها بسرعة. 

فكل ما حدث كان نتيجة استفزازها الأحمق له. 

كان الأفضل أن تبقى ساكنة، ألا تفعل شيئًا. 

حتى مجرد الإمساك بالقلم وكتابة رسالة كان يثير في داخلها موجة من الرهبة كلما تذكرت تلك الابتسامة الباردة على وجهه. 

ولو أنها لم تعد مصدر تسلية بالنسبة له فإنها تتمنى فقط أن تختفي تمامًا من ذاكرته، أن ينسى حتى أنه كان الشخص الذي يمدّها بالدواء. 

***

وجاء اليوم التالي ثم الذي بعده. 

واستمرت يوريسييل في حياتها المعتادة. 

نهارًا، كانت تعمل في المكتب الإداري، وتنجز المهام التي يتركها لها مشرفها. وليلًا، تعود إلى جانب والدتها وتمضي معها ما تبقى من ساعات يومها. 

لم يتغير شيء، التغيير الوحيد كان دخول برج السحرة في عطلته الموسمية، مما منحها وقتًا فراغيًا أكبر فاستغلت كل لحظة إضافية لقضائها مع والدتها. 

تسوقتا معًا، وأعدّتا الطعام معًا، وتبادلتا الأحاديث والضحكات. 

قد تبدو هذه الأمور عادية جدًا في نظر الآخرين لكن بالنسبة لها كانت جميلة بصورة تخطف الأنفاس، جميلة إلى درجة مؤلمة. 

كأنها أشياء ستختفي في أي لحظة ولن تعود أبدًا. 

لو أمكنهما فقط أن تعيشا هكذا إلى الأبد. 

ومع مرور الأيام، ازداد أمل يوريسييل وفي الوقت نفسه، ازداد الثقل الجاثم فوق صدرها، كان يشتد يومًا بعد يوم، حتى صار يعتصر قلبها. 

وكلما اقترب موعد جرعة والدتها الشهرية، تضخّم خوفها أكثر فأكثر حتى بدا كموجة هائلة تستعد لابتلاعها بالكامل. 

وأخيرًا حلّ اليوم المنتظر، لقد مرّ شهر كامل. وكما يحدث دائمًا، كان هذا هو الوقت الذي تبدأ فيه حيوية والدتها بالتراجع. 

حدّقت يوريسييل في التاريخ المحدد على التقويم وشعرت وكأن عقلها قد فرغ تمامًا كأن أحدهم سحب الألوان كلها من أفكارها. 

لم يسبق قط أن تأخر خادم آل بلانشيت عن موعد التسليم. 

وهذا بالذات كان ما يزيد قلقها. 

ماذا لو لم يصل الدواء اليوم؟ ماذا ستفعل حينها؟ 

بعينين فارغتين، رتّبت أوراقها آليًا، ثم حملت الملفات التي أمضت الأيام الماضية في إعدادها، وتوجهت إلى مكتب فينسنت كعادتها. 

ألقى فينسنت نظرة على وجهها الشاحب وهي تسلمه المستندات. 

كانت الأوراق منظمة ودقيقة، وخالية تقريبًا من الأخطاء إلا خطأً واحدًا، خطأً حسابيًا بسيطًا للغاية. 

“إذا كانت نسبة الاحتمال سبعين بالمائة، وأدخلتِ ألفًا وخمسمائة، فما النتيجة؟” 

“تكون الدقة في المنطقة ألفًا وتسعةً وخمسين.” 

كان هناك صفر مفقود في أحد الأرقام المدرجة وحين انتبهت يوريسييل إلى ذلك، تصلبت ملامحها. 

“أعتذر.” 

لم يكن خطأً جسيمًا، مجرد سهو بسيط في تدوين رقم وفينسنت لم يذكره من أجل توبيخها بل اكتفى بالنظر إليها، إلى وجهها الشاحب والمنهك. 

لقد بدت هكذا منذ أيام، منذ ذلك اليوم الذي وصلت فيه وكأنها قطة مبتلة خرجت لتوها من العاصفة. 

ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف موظفو الإدارة عن الثرثرة بشأنها. 

كانوا يتحدثون عن رجل ما في حياتها وكالعادة، انتشرت الشائعات بسرعة، رجل ثري، وسيم، وربما ينتمي إلى عائلة نبيلة. 

مجرد أحاديث فارغة. 

وفينسنت لم يكن من النوع الذي يهتم بمثل هذه التفاهات. 

لكن الطريقة التي كانت تجلس بها يومًا بعد يوم، شاردة الذهن، تذبل ببطء أمام عينيه جعلت تجاهل الأمر صعبًا. 

“هل هناك شيء يحدث معكِ مؤخرًا؟” 

“لا، أنا بخير، أعتذر.” 

تذكر عينيها اللامعتين حين أُلحقت به لأول مرة. 

حينها قالت له إنها ستبذل قصارى جهدها إذا أُعطيت الفرصة. 

كانت تتألق أكثر مما تعكسه كلماتها. 

هذه هي الفتاة نفسها التي وضعت ملفات معقدة على مكتبه بجرأة لم يجرؤ عليها أحد غيرها فأين اختفت تلك النسخة منها؟ 

الآن كانت تبدو كشخص بالكاد يتمسك بنفسه كأن كل طاقتها قد استنزفت. 

وكانت قبل قليل تنظر إلى الساعة بتوترٍ واضح. لا بد أن هناك أمرًا ما لكن أياً كان، فهي غير قادرة على البوح به. 

“عودي إلى المنزل مبكرًا اليوم.” 

لم يعد هناك سبب لبقائها فقد انتهى وقت العمل أصلًا. 

ومع ذلك، انزعج فينسنت من نفسه لأنه اهتم بالأمر أصلًا. 

هز رأسه، ثم وقعت عيناه على زجاجة النبيذ التي كانت قد أحضرتها له قبل أيام، كانت شبه فارغة. 

حدّق فيها لحظة، ثم قال: 

“أخبري والدتكِ أنني استمتعت بها حقًا.” 

ثم نهض وغادر المكتب، وكأنه يعلن انتهاء يومه لكن الحقيقة أنه خرج بسرعة لأنه لم يثق بما قد يقوله لو استمر في النظر إلى ذلك الوجه المرهق وأثناء مروره في الممرات، التقطت أذناه أصوات بعض الموظفين. 

“على الأقل، تلك الفتاة جميلة. تمنّعت كثيرًا، لكنها في النهاية اصطادت أحد النبلاء.” 

“من يدري؟ ربما وصلت إلى هذه الوظيفة بعدما شاركت أحدهم فراشه.” 

تعالت ضحكاتهم السوقية الصاخبة. 

وفجأة تجمد الهواء من خلفهم. 

كان أحدهم أكثر فطنة من البقية، فانتبه أولًا إلى وجود فينسنت ثم تبعه الآخرون، واستداروا ببطء وقد ارتسم القلق على وجوههم. 

نظر إليهم فينسنت بوجه خالٍ من أي تعبير، نظرة واحدة فقط وكانت كافية لتحول الرجال الثلاثة إلى تماثيل من حجر تحت وطأة عينيه.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.