مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 67: 67نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 67: 67

67

الفصل السابع والستون 

ارتسم انعكاسها مرتجفًا داخل العينين الحمراوين اللتين كانتا تحدقان بها مباشرة وانحنت نظرة كاسيان قليلًا، كقوس هلالٍ رفيع. 

“تريدين الدواء مقدمًا.” 

لم تجب. 

“هل هذا كل شيء؟” 

كان صوته عذبًا إلى حد بدا معه كريمًا وسخيًا، وكأنه مستعد لمنحها أي شيء تطلبه. فوجدت يوريسييل نفسها تحدق فيه للحظات، شبه مسحورة. 

بدا هادئًا للغاية، متزنًا إلى درجة جعلت الأمل يتضخم داخل صدرها من جديد. 

“اثنتا عشرة حبة. هذا كل ما أحتاج إليه.” 

ارتجف صوتها من شدة اليأس. 

اثنتا عشرة حبة كانت تكفي لعام كامل. 

وعندها ستتعافى والدتها وربما تستطيع أخيرًا الوفاء بوعدها بأخذها في رحلة طالما حلمت بها. 

يقال إن الإنسان، حتى وهو غارق في اليأس، لا يتوقف عن التمسك بالأمل. ويأس يوريسييل جعلها تفترض مسبقًا أنه سيعطيها الدواء بل وراحت تختلق لذلك المبررات فهي، بالنسبة إليه، لا بد أنها ليست أكثر من ذكرى مزعجة من الماضي. 

خلال السنوات الثلاث التي أرسلت له فيها عشرات الرسائل، لم يرد عليها سوى مرة واحدة، والآن هو على وشك الخطبة. 

وذلك لا يعني إلا أنها لم تعد ذات أهمية تُذكر في حياته. 

أما الدواء الذي كان يصلها بانتظام كل شهر، فلا بد أن شخصًا آخر كان يتولى أمره. وربما نسيها تمامًا منذ زمن أما ظهوره المفاجئ مؤخرًا، فلعله لم يكن سوى نزوة عابرة. 

وفي مثل هذا الوضع، لن يكون من مصلحته أن يبقى مرتبطًا بفتاة مثلها. لذلك ربما كان إعطاؤها الدواء دفعة واحدة طريقته لإنهاء هذا الإزعاج إلى الأبد. 

بالطبع، كان بإمكانه أيضًا أن يرفض طلبها كليًا لكن عائلة بلانشيت اشتهرت دائمًا بأعمال البر والإحسان والحفاظ على سمعتها مقابل مبلغ تافه بالنسبة لهم بدا أمرًا أكثر منطقية. 

ابتلعت يوريسييل ريقها بصعوبة محاولة كبح القلق المتصاعد داخلها. كان خفقان قلبها يدوي في أذنيها بقوة ومع الضوء القادم من خلفه، لم تستطع رؤية تعابير وجهه بوضوح وذلك جعل توترها يزداد أكثر، ثم انساب صوته الهادئ في الهواء. 

“وإذا أعطيتكِ إياه ماذا ستفعلين من أجلي؟” 

كان وجه كاسيان غارقًا في الظل، لكن ابتسامة باردة تمددت على شفتيه. 

تذكر لقاءه بوالدتها، وتذكر كيف ارتبكت هذه الفتاة عندما سألتها أمها عنه. لم تكن تعلم أن رد فعلها ذاك جعل الأمر يبدو أكثر إثارة للريبة، كما تذكر تقرير تيوبه. كانت والدتها قد فقدت ذاكرتها بسبب الآثار الجانبية للدواء لكنها ستتعافى بالكامل إذا استمرت في تناوله لعام إضافي واحد فقط. 

هذه الفتاة لم تكن تعرف أن نفوذ عائلة بلانشيت يمتد حتى إلى تلك العيادة المتواضعة. 

لقد دخلتها بثقة وتلقت العلاج دون تردد. 

ما لم تكن تعرفه هو أن مدير تلك العيادة يعمل تحت إشراف مؤسسة بلانشيت الخيرية. 

ولهذا وصلت الأخبار إلى كاسيان فورًا. 

وحتى لو لم تصل، لكان تيوبه قد اكتشف الأمر بنفسه. 

كل الأشياء التي لم تذكرها أبدًا في رسائلها كانت تحدث هناك. 

لقد كتبت إليه وكأن شيئًا لا يجري وكأنه مجرد مزود مناسب للدواء، والآن راوده الفضول. 

ماذا ستفعل يوريسييل بعد شفاء والدتها؟ هل سترحل عنه؟ 

على الأرجح نعم، فهي كانت تنظر إليه دائمًا كما لو كان شيئًا مخيفًا. 

كشبح خرج من الماضي ليطاردها. 

حتى عندما أخبرته أنها تحبه، كانت يداها ترتجفان تحت أكمامها وربما كان كل ذلك مجرد تمثيل. 

مع ذلك، كان يتوقع أن يحدث هذا بعد عام من الآن. 

لم يتخيل أنها ستحاول تعجيل الأمر فقط لتخفف من شعورها بالذنب. إذا كانت ستخدعه فكان عليها أن تكون مستعدة لتحمل ثقل تلك الخديعة حتى النهاية 

لقد تخيل عشرات المرات كيف سيكون رد فعلها عند سماع خبر خطوبته لكن هذا هذا بالتحديد لم يكن ما أراد رؤيته. 

لم يكن من المفترض أن تقول مثل هذه الكلمات، لم يكن من المفترض أن تطلب التحرر منه. 

“لو استطعت سداد هذا الدين طوال حياتي، لفعلت.” 

كان كاسيان يعرف مسبقًا نوع السم الذي يسكن داخلها لكن سماعه بصوتها جعل شيئًا ما يلتوي في أعماقه. 

تراجع الظل عن وجهه، فظهرت ملامحه بوضوح. 

ضاقت عيناه الحمراوان قليلًا تحت أهدابه الطويلة. 

كان وجهًا يجمع بين الجمال والخطر، وجهًا يبعث الرهبة والخوف في آن واحد. 

اهتزت عينا يوريسييل الخضراوان وهي تنظر إليه ثم رفع يده الكبيرة وأمسك بذقنها برفق. 

شهقت دون قصد وسرت قشعريرة باردة في أفكارها. 

“وكيف ستسددين هذا الدين بالضبط؟” 

حبست أنفاسها. 

“أخبريني، ماذا ستفعلين؟” 

“أنا…” 

“لا بد أنكِ فكرتِ بشيء حين قلتِ ذلك.” 

كانت عيناه تضغطان عليها بلا رحمة أما اللون الأحمر فيهما فقد ازداد قتامة، حتى بدا أشبه بالدم. 

لقد عرفت هذه النظرة، رأتها مرات لا تحصى قبل ثلاث سنوات. كان ينظر إليها هكذا دائمًا قبل أن يصدر أمرًا قاسيًا. 

قبل أن يطلب منها احتمال شيء يفوق طاقتها. 

“قوليها، أحتاج إلى سماعها قبل أن أقرر.” 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باهتة بينما انحنت عيناه مجددًا. 

“يجب أن أعرف إن كنتِ تستحقين ذلك.” 

نسيت يوريسييل كيف تتنفس. 

مرت ثلاث سنوات كاملة والآن أصبح الكابوس الذي خافته أكثر من أي شيء آخر حقيقة واقعة. 

حتى وهي تطلب منه دواء عام كامل، لم يخطر ببالها أبدًا أنه قد يرفض فلو كان كاسيان لا ينوي إعطاءها الدواء أصلًا، لما استمر في إرساله طوال السنوات الثلاث الماضية. 

لقد اعتقدت أن وريث عائلة بلانشيت سيحافظ على كرامته ويمنحها شيئًا بسيطًا كاثنتي عشرة حبة. 

وفوق كل ذلك هو لا يعلم أنها سترحل بعد عام. 

على الأرجح ظن أنها فقط تشعر بعدم الارتياح بسبب خطوبته الوشيكة وتحاول وضع مسافة بينهما. 

إذًا لماذا؟ 

سحب كاسيان يده من ذقنها وأشعل سيجارًا ومع كل نفثة دخان ترتفع وتتلاشى، بدا وجهه كالوهم، يظهر ويختفي بالتناوب. 

وفي كل مرة يظهر فيها، كانت تلك الابتسامة القاسية لا تزال هناك أما عيناه الحمراوان فبقيتا معلقتين بها دون أن تحيدا. 

تمامًا كما كان في ألفونس. حين كان يحاصرها، حين أجبرها على رسم صورته، حين كشف أكاذيبها، وحين أرغمها على الوقوف ساعات طويلة بصمت. 

لم يتغير قط خلال السنوات الثلاث الماضية ولا حتى قليلًا. 

لذلك لم يكن يحق لها أن تتصرف وكأنها صاحبة حق فهي ليست شخصًا يملك رفاهية الرغبة في المزيد. 

لو وُضعت حياة والدتها وضميرها في كفتي ميزان، لاختارت والدتها في كل مرة. 

وكاسيان، الذي كان يفهم ذلك جيدًا، نظر إليها بابتسامة لا يمكن وصفها إلا بالقسوة وكأنه يستمتع بالمشهد فعلًا. 

“يبدو أنكِ تحتاجين بعض الوقت للتفكير.” 

جاء صوته الساخر عبر ضباب الدخان. 

أطفأ السيجار، ثم مر بجوارها ببطء وهمس قرب أذنها: 

“فكري جيدًا في الطريقة التي ستقنعينني بها أن أصغي إليكِ.” 

ارتجفت، ولم تعرف كيف عادت إلى هناك أصلًا. 

ولولا أن هايل وجدها وساعدها على الوقوف، لتناقل موظفو القصر قصتها لأيام طويلة. 

لقد اصطحبها إلى مبنى الإدارة، لا إلى السكن ولحسن الحظ فعل ذلك فلو رأتها والدتها على تلك الحالة، لانكسر قلبها. 

لم يستغرق الأمر منها وقتًا طويلًا لتخفي الانعكاس البائس الذي رأته في المرآة، وتعيد رسم ابتسامة على وجهها. 

وخلال ذلك، لمح مشرفها حالتها فأمرها بالراحة فورًا. 

“أتظنين نفسكِ في وضع يسمح لكِ بالتعامل مع الملفات هكذا؟ خذي إجازة اليوم.” 

“لكنني…” 

“هذا أمر من مشرفكِ أم أنكِ تنوين عصيان الأوامر؟” 

لم تجد ما تجيب به، وبعد احتجاج صامت لم يخرج من بين شفتيها، عادت يوريسييل أخيرًا إلى غرفتها. 

واستلقت إلى جوار والدتها التي لم تكن قد استيقظت بعد ثم غرقت في النوم. 

***

وجدت نفسها وسط مشهد غريب لم تره من قبل. 

“متى جئت إلى هنا؟” 

هل كان هذا المكان موجودًا داخل القصر الإمبراطوري طوال الوقت؟ 

مهما مشت، لم يكن للطريق نهاية وبدأ شعور عميق بالضياع يتسلل إليها. حولها تفتحت أزهار بيضاء متجهة نحو الأرض، لا تُظهر وجوهها كاملة أبدًا. 

زهور الجالانثوس. 

كانت بيضاء ونقية كالثلج لكنها انحنت دائمًا إلى الأسفل، وكأنها ترفض النظر إليها. 

“إنها جميلة.” 

تمتمت دون وعي ثم مدت يدها نحو إحداها، كأن قوة خفية تجذبها إليها، وما إن التقطتها حتى لامست بتلاتها البيضاء عينيها الخضراوين وفي الحال ذبُلت الزهرة. وتدلت بين أصابعها بلا حياة وتحول بياضها الناصع إلى لون رمادي باهت. 

رفعت يوريسييل رأسها ببطء وقد انتابها الذهول. 

امتلأت رؤيتها الخضراء بذلك الرماد المنتشر. 

وكان حقل الزهور النابض بالحياة من حولها يبهت هو الآخر. 

تساقطت البتلات كرماد محترق. ومع تناثرها، تعمق الظلام تدريجيًا، حتى صبغ المكان بأسره بالسواد. 

“إيل… إيل؟” 

بدأ جسدها يرتجف وسمعت صوتًا ينادي لقبها المحبب. 

شعرت بكف دافئة تربت على خدها بلطف. 

فتحت عينيها ببطء وبدأت الرؤية الضبابية تنقشع تدريجيًا حتى تشكل أمامها وجه مألوف. 

“أمي!” 

أحاطت يوريسييل والدتها بذراعيها بقوة دون أن تشعر، محاولة تهدئة أنفاسها. 

كانت اليد الدافئة التي تمرر أصابعها في شعرها يد أمها بلا شك. 

تجمدت جين من المفاجأة، غير مدركة كيف تتعامل مع ابنتها التي تعانقها وتبكي بهذه الطريقة. 

امتلأت عينا يوريسييل الخضراوان بالدموع وأخذت تردد الكلمات نفسها مرارًا وتكرارًا. 

ترجوها ألا ترحل إلى أي مكان. 

كانت أصابعها النحيلة تتشبث بحافة ثوب والدتها بإحكام. 

نظرت جين إليها، وتجعدت عيناها بلطف من القلق. 

“ما الأمر يا صغيرتي؟” 

فقط عندما سمعت صوت والدتها، شعرت يوريسييل بأنها عادت إلى الواقع أخيرًا. 

مسحت دموعها ثم أجبرت نفسها على ابتسامة هادئة. 

“أعتقد… أنني رأيت حلمًا سيئًا.” 

مجرد كابوس، هذا كل ما في الأمر. نعم، لا بد أنه لم يكن سوى كابوس. حلم قاسٍ صنعه خوفها وقلقها. 

وبدا أن جين ارتاحت قليلًا عندما عرفت أنه مجرد حلم. 

فجذبت ابنتها إلى صدرها مرة أخرى واحتضنتها بحنان.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.