الفصل 66: 66
66
الفصل السادس والستون
“لقد ابتللتِ بالكامل.”
كانت قطرات المطر تنساب من شعر هايل المبلل، وتهبط على وجهه واحدة تلو الأخرى.
رفع المظلة فوق رأسها دون أن ينتبه حتى إلى أن كتفيه هو قد ابتلّا بالمطر. كانت لفتته هادئة ولطيفة.
هبطت عيناه قليلًا وهو يتأمل وجهها الشاحب.
أجبرت يوريسييل نفسها على ابتسامة باهتة وسألته بصوت خافت:
“لماذا أنت هنا؟”
مرّ تردد عابر على وجه هايل.
والحقيقة أنه كان كثيرًا ما يتبعها خفية كلما غادرت برج السحرة. لقد أصبح ذلك عادة لديه. بالطبع، لم تكن يوريسييل تعلم شيئًا عن ذلك، ولم يكن ينبغي لها أن تعلم أبدًا.
“اشتد المطر فجأة، فظننت أنكِ لا تحملين مظلة.”
بدا وكأن وقتًا لا بأس به قد مرّ منذ غادرت البرج، لكن ربما لم يكن بعيدًا عنها طوال ذلك الوقت.
لم تكلف يوريسييل نفسها عناء التفكير في الأمر. اكتفت بإيماءة خفيفة في هذه اللحظة، لم تكن تملك طاقة لتحليل أي شيء.
في البركة المائية عند قدميها، رأت انعكاس شخص بدا منهكًا تمامًا.
حدقت في وجهها الشاحب الباهت المنعكس على الماء الرمادي، ثم أطلقت ضحكة خافتة.
لقد بدت حقًا كمن اكتشفت لتوها أن الرجل الذي تحبه على وشك أن يُخطب لامرأة أخرى. كانت الفكرة سخيفة فلو رآها كاسيان على هذه الحال، لربما ضحك منها مباشرة.
ومن دون أن تشعر، ارتسمت مرارة واضحة على ملامحها.
لاحظ هايل ذلك وأخذ يراقبها بصمت.
تذكر ما سمعه في وقت سابق داخل برج السحرة.
كاسيان دي بلانشيت سيخطب الآنسة بيوشيل من عائلة بيريوت.
لابد أن يوريسييل سمعت الخبر أيضًا.
هل لهذا بدت بهذا الشكل؟
ابتلع هايل ريقه بصعوبة بينما ارتفعت مرارة خانقة في حلقه.
فجأة، بدت جميع الأسئلة التي أراد طرحها بلا معنى.
الإجابة كانت مكتوبة بوضوح على وجهها والأسوأ أنها كانت الإجابة التي خشيها دومًا.
لم يُظهر شيئًا من ذلك كان يعلم أن كل شيء سينهار في اللحظة التي ينطق فيها بما يجول بخاطره لذلك لم يكن أمامه سوى أن يبقى بقربها، متظاهرًا بأنه لا يعرف شيئًا. ولحسن الحظ، كان قد تدرب على هذا الدور مرات لا تُحصى، مرتديًا تعبيره المعتاد.
قال بصوت لطيف:
“ستصابين بالزكام. هيا، لندخل إلى الداخل.”
وضع يده على كتفها كما اعتاد أن يفعل، وسار إلى جوارها أما يوريسييل، التي كانت لا تزال شاردة الذهن، فقد سمحت له بقيادتها نحو مبنى السكن وبمجرد أن دخلا إلى البهو المقبب، ابتعدت عنه أخيرًا عندها فقط انتبهت إلى مدى ابتلاله.
“ملابسك مبللة تمامًا. يجب أن تذهب أنت أيضًا.”
ومع ابتعادها، حاول هايل تجاهل الفراغ الذي اتسع داخل صدره، وابتسم لها، تمامًا كما كان يفعل في الماضي لكن يوريسييل ما زالت شاحبة، لم يكن في وجهها أي لون بدت وكأنها قد تفقد وعيها في أي لحظة، فتصلبت ملامح هايل قليلًا.
“سأنتظر حتى أراكِ تدخلين.”
حاول الإصرار، لكن يوريسييل واصلت دفعه إلى المغادرة.
ظلت تحثه على الرحيل مرارًا، حتى توقفت فجأة عن الكلام.
نظر إليها هايل باستغراب، قبل أن يدرك أنها لم تعد تنظر إليه أصلًا استدار متتبعًا اتجاه بصرها.
كان ظل طويل يقترب منهما ببطء، اقتربت الهيئة شيئًا فشيئًا، حتى اتضحت ملامحها.
كاسيان دي بلانشيت.
الرجل الذي كان الجميع يتحدثون عنه وقف الآن أمامهما مباشرة.
انعقد حاجبا هايل دون وعي أما يوريسييل فحبست أنفاسها.
وقف كاسيان بصمت، وملامحه عصية على القراءة بدا وجهه غير مبالٍ، لكن شيئًا مقلقًا كان يختبئ خلف ذلك الجمود بدا إما مستاءً للغاية، أو هادئًا إلى حد لا يمكن لأي شيء أن يؤثر فيه.
اخترق صوته المنخفض السكون:
“نحن بحاجة إلى التحدث.”
كانت عيناه مثبتتين على يوريسييل وحدها وكأن هايل لم يكن موجودًا أصلًا.
كانت الرسالة واضحة، وجوده غير مرغوب فيه في هذا الحديث.
ولم يكن أمام هايل سوى أن يستدير ويرحل.
كل خطوة خطاها بدت أثقل من سابقتها.
وسرعان ما حل الصمت بين الاثنين اللذين بقيا وحدهما.
كانت نظرات كاسيان حادة لا ترحم، كأنها تلتف حولها وتطوقها وشعر برضا خفي وهو يرى حمرة خفيفة تزحف إلى عنقها الشاحب تحت المطر البارد.
كانت القطرات تنساب من شعرها المبتل، وتهبط على وجهها وعنقها بدت كقطة صغيرة غمرها المطر. ومع ذلك، رفعت إليه عينيها الخضراوين الحادتين، تحدق به بعناد صامت.
“ماذا تفعل هنا؟”
كانت كلماتها مباشرة وحادة لكن جسدها المرتجف ظل كما كان قبل ثلاث سنوات والغريب أن كاسيان أعجبه ما يراه اليوم.
وجهها الشاحب، جسدها المرتعش.
كان هناك شيء في ذلك كله يرضيه.
انحنى قليلًا ومد يده نحو شعرها المبتل.
“ليس هذا ما تريدين سؤاله حقًا.”
ارتجفت عندما مرت أصابعه بين خصلاتها، دافعًا الشعر المبلل خلف أذنها ثم انزلقت يده ببطء حتى استقرت عند قاعدة عنقها.
حبست يوريسييل أنفاسها. كان قريبًا جدًا لدرجة أن عينيه الحمراوين بدتا وكأنهما تنفذان إلى أعماقها.
“قوليها بوضوح.”
لم تجبه.
“سواء كانت تهنئة أو لعنة.”
كان صوته منخفضًا وكسولًا، لكنه حمل حرارة خفية لامست أذنها.
“عندها فقط سأعطيكِ جوابي.”
رفع كاسيان نظره إليها مجددًا، وضاقت عيناه الحمراوان بهدوء ثم تراجع خطوة إلى الخلف عندها فقط استطاعت أن تراه بوضوح كامل، امتلأ بصرها بمشهد هيئته الآسرة.
قميصه المبتل وشعره الذهبي منحاه جاذبية خطيرة.
في هذه اللحظة، لم يعد مهمًا كيف انتهى به الأمر واقفًا أمامها.
لقد طلب منها أن تهنئه أو تلعنه إن أرادت لكن كيف يمكنها فعل أي منهما؟ ومن تكون هي أصلًا لتقول شيئًا؟
هنا كانت أصل المشكلة، هي لا شيء ومع ذلك، ما زالت تتمنى شيئًا منه، ولهذا تحطم قلبها بذلك الشكل عندما سمعت خبر خطوبته.
لقد خافت من ألا تتمكن بعد الآن من الحصول على الدواء منه.
كما أنها فقدت الفرصة لقول تلك الكلمات التي أقنعت نفسها يومًا بأنها مجرد كذبة، أنها تحبه. وإذا لم تستطع حتى قول ذلك، فلن يبقى ما يجعلها جديرة باهتمامه.
لم تستطع أن تصرف نظرها عن عينيه. كانت تشعر وكأن ثقل نظرته يسحقها. لم يبق بينهما سوى صوت المطر ومع ازدياد هدير المطر، شعر كاسيان بشيء يشبه العطش يحترق داخله.
تساءل هل تعرف؟
هل تعرف أن صوت المطر وحده يعيده إلى ذلك اليوم؟
هل تعرف أن شفتيه تؤلمانه شوقًا؟
هل تعرف أن وقوفها أمامه هكذا، في يوم ممطر، بهذا الوجه تحديدًا، يضعها في خطر؟
هل تعرف أنه يتنفس بصعوبة كوحش بري في موسم الهيجان؟
بالطبع لا تعرف ولهذا كانت تقف أمامه وكأن شيئًا لم يحدث، بذلك الوجه الذي لا يتذكر شيئًا.
بدت بريئة للغاية لكن قلبها كان مظلمًا.
تساءل عما ستقوله الآن، كان فضوليًا.
أي تعبير سترتديه بعد سماع خبر خطوبته؟ هل ستنهار؟
هل ستتغير ولو قليلًا؟
لقد جاء إلى هنا عمدًا، على أمل أن يصادفها، وكما توقع، ظهرت أمامه بالفعل أما الرجل ذو الشعر الفضي الذي كان يقف إلى جوارها فكان مفاجأة غير متوقعة لكن منظرها الشاحب والهش أرضاه بما يكفي لينسى أي شيء آخر. والآن راوده سؤال واحد.
حتى بعد معرفتها بخطوبته هل ستظل جريئة بما يكفي لتقول إنها تحبه؟
وباهتمام ظاهر في عينيه، التقت نظراتهما ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة وتحت نظراته المتفحصة، انفرجت شفتاها ببطء.
“سمعت أنك ستخطب.”
لم يجب.
“مُبارك.”
التوت ملامح كاسيان قليلًا.
كان التغير طفيفًا جدًا، لكن لأنه هو، بدا أوضح بكثير مما ينبغي.
هدأت يوريسييل خفقات قلبها العنيفة وأبقت عينيها عليه.
“لن أنسى أبدًا ما فعلته من أجل والدتي. حقًا لن أنساه.”
بدت كمن يستعد للرحيل، وقد امتلأت عيناه بهذا المشهد.
“وأعلم أن طلبي وقح، لكن هل يمكنني أن أطلب معروفًا أخيرًا؟”
لم يقل كاسيان شيئًا.
اكتفى بالنظر إليها، مانحًا إياها إذنًا صامتًا بالكلام.
أغمضت يوريسييل عينيها للحظة ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول أن تترك جزءًا من نفسها يرحل معه.
“أود الحصول على دواء والدتي قبل الموعد المعتاد بقليل.”
تحركت عيناه الهادئتان، اللتان استحال فهم ما يدور خلفهما.
لم تستطع قراءة أفكاره، لكنها تابعت حديثها ببطء، محاولة الحفاظ على هدوئها.
“إذا سمحت لي بذلك، فأعدك أنني لن أنسى هذا المعروف ما حييت.”
لم يكن في عينيها أي بريق، بدت كدمية فارغة الروح، لا تحرك شفتيها إلا بأوامر خفية.
وكان من السهل تصديق أنها تردد كلمات حفظتها مسبقًا لكن لم يكن أمامها خيار آخر لقد كانت يائسة.
عام واحد فقط.
ظلت تكررها في ذهنها.
عام واحد إضافي من الدواء، وستعيش والدتها أما إذا انقطع الدواء فقد يودي ذلك بحياتها.
كانت تظن أن الأمر سيكون سهلًا، كل ما عليها هو كتابة بعض الرسائل والحصول على الدواء في المقابل، لقد كانت ساذجة. فطلب أي شيء من رجل على وشك الزواج كان خطيئة بحد ذاته خصوصًا لشخص مثلها، مضطر إلى التوسل لمجرد أن يُنظر إليه.
ومع كل كلمة كانت تنتزعها من بين شفتيها، كانت ارتجافات جديدة تعصف بقلبها أما كاسيان، الذي كان يراقبها، فلم يُظهر أي انفعال وكأنه يشاهد مسرحية رخيصة من الدرجة الثانية.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.