الفصل 65: 65
65
الفصل الخامس والستون
جلس الماركيز والماركيزة من عائلة بيريوت في مقعديهما، وبدآ الحديث بكلمات مجاملة راقية عن جمال القصر وأناقته.
وردّ دوق ودوقة بلانشيت بالمستوى المناسب من اللباقة؛ لا جفاء فيه ولا مودة مفرطة.
شعرت ماركيزة بيريوت بشيء من الاستياء من تحفظهما، لكنها كانت تدرك جيدًا أن هذا ليس الوقت ولا المكان المناسبين لإظهاره فعلى الرغم من أن هذه الخطبة بدت صفقة متكافئة ظاهريًا، إلا أن المكاسب الحقيقية كانت تميل بوضوح لصالح عائلة بيريوت.
في الواقع، لم تكن العائلة تقدم سوى ابنتها الثانية، وهي فتاة لا تتمتع بميزات استثنائية تذكر، بينما كانت ستحصد فوائد هائلة من هذا الارتباط. وكانت الماركيزة تفهم تمامًا سبب اختيار آل بلانشيت لعائلتهم.
فالعثور على فتاة نبيلة غير متزوجة، بالمكانة والعمر المناسبين، ولم تُحجز بعد لعائلة أخرى، لم يكن بالأمر السهل.
كما أن الشائعات التي دارت أحيانًا حول السيد الشاب لبلانشيت لعبت دورها أيضًا فقد لاحظ الناس تأخر خطبته، واختفاءه الطويل عن العاصمة، الأمر الذي أثار كثيرًا من التساؤلات.
ومع ذلك، لم يكن الزوجان من النوع الذي يفوّت فرصة كهذه.
فمجرد المصاهرة مع آل بلانشيت كفيل بتمهيد طريق ابنهما إلى قلب المجتمع الأرستقراطي.
وسيرتفع نفوذ عائلتهما لمجرد اقتران اسمها باسم هذه الأسرة العريقة.
وكلما فكرت الماركيزة في ذلك، تلاشى استياؤها تمامًا.
وبابتسامة دافئة، واصلت إدارة الحديث بسلاسة.
***
وبالقرب من الزوجين جلست الشخصية المحورية لاجتماع اليوم.
السيدة بيوشيل بيريوت.
ومنذ بداية المأدبة، كانت تراقب كاسيان دي بلانشيت بصمت.
لكنه لم يلتفت إليها ولو مرة واحدة، كان يقطع شريحة اللحم أمامه بهدوء، بوجه بارد وبعيد، حتى بدا من الصعب تصديق أنه الرجل المفترض أن يصبح خطيبها.
ليس أن الأمر كان يهمها أو هكذا كانت تظن.
قبل مجيئها إلى هنا، لم تكن بيوشيل تُعير هذه الخطبة أهمية تُذكر.
ففي نظرها، كان من السخف انتظار أي شيء من زواج سياسي.
كما أنها لم تكن تضع أي آمال على خطيبها المستقبلي.
تذكرت أنها رأته مرة واحدة فقط عندما كانت طفلة، في إحدى المناسبات النبيلة. يومها قُدِّم للحضور بوصفه السيد الشاب لعائلة بلانشيت وبما أن عائلتها كانت تقيم في أقصى الغرب، فقد كانت نادرًا ما تحضر مناسبات المجتمع المركزي لذلك بذلت جهدًا كبيرًا آنذاك لحفظ وجوه جميع من رأتهم.
وكان كاسيان دي بلانشيت أحد تلك الوجوه.
في عينيها الصغيرتين حينها، بدا فتى باردًا ومتعجرفًا.
ومؤخرًا، سمعت أنه أمضى سنوات يتعافى من مرضه في مكان مجهول بعيدًا عن أعين المجتمع حتى إنها أجرت بعض التحريات عنه استعدادًا لهذا اللقاء لكن ما اكتشفته لم يؤدِّ إلا إلى خفض تقديرها له أكثر ومع ذلك، وافقت بيوشيل على الخطبة لسبب واحد بسيط، إذا أنجبت وريثًا، فستصبح دوقة بلانشيت.
وإذا مات زوجها المريض مبكرًا فإن ثروة بلانشيت الهائلة ستؤول إليها بالكامل. وكان هذا وحده مكافأة كافية لزواج يخلو من الحب، تلك هي ميزة الزيجات السياسية.
كلما تخيلت نفسها دوقة بلانشيت، إحدى أكثر النساء نفوذًا في العاصمة، ارتسمت ابتسامة على شفتيها.
والأجمل من ذلك أن الطريق إلى تلك المكانة لن يكون صعبًا.
فقد عاشت طوال حياتها محاطة بالرجال، رجال يختبئون خلف أطراف فساتينها، ويتزاحمون حولها.
كان هناك دائمًا من يرغب في تقبيل شفتيها، أو تدفئة فراشها، أو الانحناء عند قدميها.
وإذا أصبحت دوقة فسيتوافد المزيد.
صحيح أن ذلك غير مسموح رسميًا لكن أي نبيل يعيش حقًا وفق القواعد؟
كانت تنوي الاستمتاع بحياتها وانتزاع كل ما تشتهيه هذا كل شيء.
وكانت مقتنعة بذلك تمامًا، على الأقل حتى رأت كاسيان دي بلانشيت مجددًا.
لم يكن يشبه الصورة التي رسمتها له إطلاقًا، والآن لم تعد قادرة على إبعاد عينيها عنه. بدا وكأنه تمثال منحوت بإتقان من الحجر.
وسيمًا ومهيبًا.
كان وجهه يحمل لونًا صحيًا يدحض جميع الشائعات التي سمعتها أما أنفه الحاد وملامحه المتناسقة، فقد منحاه جاذبية خطرة تكاد تكون مغوية، وعيناه الحمراوان، المختبئتان جزئيًا خلف رموش طويلة، كانتا تعكسان ضوء الشمس بين الحين والآخر.
وفي كل مرة يحدث ذلك، كانت دقات قلبها تتسارع.
شعرت أنها لو رأت انعكاس صورتها داخل تلك العينين، فستنال لذة عميقة لا توصف.
كما أن قامته الطويلة وكتفيه العريضين منحاه حضورًا طاغيًا.
حتى وهو صامت، كان يلفت الأنظار إليه وقد أعجبها ذلك.
إذا وقفت إلى جانبه، فستنال جزءًا من تلك الهيبة ولن يجرؤ أحد بعدها على الاستهانة بها وفوق كل شيء كانت تتوق إلى تحطيم كبرياء أختها الكبرى، التي سخرت منها وألقت بهذه الزيجة على عاتقها في صباح اليوم نفسه ولهذا بدأت تتساءل.
أي نوع من الرجال يختبئ خلف ذلك المظهر؟
ومع اقتراب نهاية المأدبة، ابتسمت ببراءة مصطنعة وقالت:
“هذا القصر جميل للغاية. هل يمكنني التجول قليلًا؟”
فهمت إليز مقصدها فورًا، فسارعت إلى دعم الفكرة.
“بالطبع. كاسيان، هل ترافقها؟”
أومأ كاسيان برأسه بخفة ونهض من مقعده.
وتبادل الماركيز والماركيزة نظرات راضية، واضح عليها السرور.
أما وجه كاسيان فكان يحمل ابتسامة رسمية بحتة.
تلك الابتسامة التي تفرضها قواعد اللياقة لا أكثر لكن أحدًا لم يكن قادرًا على معرفة ما يدور في ذهنه حقًا فهو بارع في إخفاء مشاعره وكعادته كانت تصرفاته خالية من أي خطأ.
قال:
“هل نذهب؟”
جاء صوته مسطحًا وخاليًا من العاطفة.
شعرت بيوشيل بوخزة طفيفة في كرامتها، لكنها ابتلعتها بصمت، ثم أمسكت بذراعه بطريقة طبيعية.
بعد مغادرتهما القاعة الكبرى، بدأت بيوشيل جولة في أرجاء قصر بلانشيت برفقة كاسيان. في العادة، يكون المضيف هو من يشرح تفاصيل المكان لكن كاسيان لم ينبس بكلمة.
لذلك كان صوت بيوشيل وحده يملأ الصمت.
“لم يتغير شيء هنا أبدًا. أتذكر هذه الحديقة وهذه الشجيرات من يوم حضرت مأدبة مع والدي منذ سنوات.”
ثم أضافت بابتسامة:
“يبدو أن كل شيء في بلانشيت جميل تمامًا مثلك.”
في تلك اللحظة، انعقد حاجبا كاسيان بوضوح. وكانا قد وصلا دون أن ينتبها إلى وسط الحديقة فرفع يدها برفق وأبعدها عن ذراعه.
رمقته بيوشيل بنظرة متسائلة فالتقت عيناها بعينيه.
وقال بصوت بارد:
“لنكف عن التمثيل.”
ارتبكت.
“التمثيل؟ ماذا تقصد؟”
“ظننت أننا متفقان ضمنيًا. ألسنا كذلك؟”
ثم تابع بنبرة جافة خالية من الدفء:
“لستِ ساذجة إلى درجة تتوقعين الحب من زواج سياسي، أليس كذلك؟”
تذكر ما سمعه عن سمعتها وسلوكها السابق وأضاف:
“استمري في عيش حياتكِ كما اعتدتِ.”
“…”
“لست هنا لأغيّر ذلك. هذا زواج سياسي، ولا توجد بيننا أي توقعات أخرى. وإن لم يعجبكِ الأمر، يمكننا إنهاء الخطبة الآن.”
حدقت بيوشيل في وجهه بصمت.
كانت عيناه الحمراوان تتلألآن تحت خصلات شعره الذهبي التي حركتها الرياح برفق.
ورغم أنه كان ينظر إليها مباشرة إلا أنها لم تر نفسها منعكسة فيهما.
ولسبب لا تعرفه، أشعل ذلك داخلها شعورًا غريبًا بالمنافسة.
للمرة الأولى منذ زمن طويل أرادت شيئًا حقًا.
استقر ذلك الشعور الثقيل في صدرها، وأظلم أعماقها ثم ارتفعت زاوية شفتيها باهتمام واضح.
“لا، بل أصبح الأمر أكثر إثارة الآن. لكنك تدرك أن وريث العائلة يجب أن يُولد مني أنا، صحيح؟”
تحركت يدها ببطء على وجهه، ثم انزلقت على جسده بحركة موحية.
ومع ذلك لم يتغير تعبير كاسيان قيد أنملة فقالت:
“طالما أن هذا الشرط محفوظ، فسأتولى الباقي. سواء نجحت في إغرائك أم فشلت. لذلك لا تحاول التحكم في هذا الجزء على الأقل.”
***
لم يمض وقت طويل حتى انتشر خبر اجتماع آل بلانشيت وآل بيريوت في أنحاء العاصمة.
وكان الفضل في ذلك يعود إلى بيوشيل نفسها.
في ذلك الوقت، كانت يوريسييل قد جاءت لاستلام بعض الوثائق التي قدمتها سابقًا إلى دائرة الإدارة لكنها تجمدت فجأة في مكانها.
وصلت إلى أذنيها كلمات مألوفة من أحاديث الموظفين.
خطبة بلانشيت.
ولم يستغرق الأمر منها سوى ثوانٍ قليلة لتفهم المعنى.
يبدو أن السيد الشاب سيُخطب لإحدى النبيلات.
انزلقت رزمة الأوراق من بين يديها وسقطت على الأرض.
خطبة…؟
بالطبع، كانت تعرف ذلك منذ البداية. إنه وريث عائلة دوقية.
ومن الطبيعي أن تتم خطبته فور عودته. لم يكن في الأمر ما يثير الدهشة ومع ذلك شعرت بمرارة على طرف لسانها.
لم يكن هناك سبب حقيقي لهذا الشعور لكن إن كان الخبر صحيحًا فإن كل شيء سيصبح أكثر تعقيدًا.
طلب الدواء، الحصول عليه، وكل علاقة تربطها به من البداية حتى النهاية قد تصبح مشوهة ومربكة.
أو ربما لن يتغير شيء، ربما سيواصل العبث بها حتى اللحظة الأخيرة وسيكون ذلك نوعًا آخر من القسوة.
أطلقت زفرة طويلة.
كانت تأمل فقط في المزيد من الوقت، عام واحد لا أكثر لكن يبدو أن ذلك لم يكن سوى أمنية من طرفها وحدها.
غادرت المبنى الرئيسي دون أن تدري إلى أين تقودها قدماها.
وفي مرحلة ما، أظلمت السماء وبدأ مطر خفيف يتساقط.
واصلت السير تحته دون أن تفكر حتى في الاحتماء وسرعان ما ابتلت هيئتها النحيلة بالكامل فتوجهت إليها أنظار الموظفين والمارة بطبيعة الحال. ولم تستعد وعيها بما حولها إلا عندما لاحظت يدًا تمتد حاملة مظلة فوق رأسها.
“ما الذي تفعلينه هنا بهذا الشكل؟”
رفع الصوت المألوف رأسها ببطء.
وحين نظرت أمامها وجدت هايل واقفًا هناك.
وكان ينظر إليها بعينين مملوءتين بالقلق والحنان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.