الفصل 71: 71
71
الفصل الواحد والسبعون
لم يُطلق سراحها إلا بعد أن أُنهك جسدها بحرارةٍ متكررة لا تنتهي أما الرجل الذي أذلّها، فقد اختفى وكأنه أنهى مهمته فحسب، ثم مضى دون اكتراث.
حدّقت يوريسييل في الفراغ الذي خلّفه وراءه للحظات، قبل أن تنهض ببطء. وفي طريق خروجها، كادت ساقاها تخونانها أكثر من مرة، فلم تعدا تقويان على حمل وزنها إلا بالكاد.
سحبت قبعتها إلى الأسفل مجددًا محاولةً الاختباء، حين وصلت إلى مسامعها أصوات من مكان قريب ثم أسرعت بالمغادرة دون أن تلتفت خلفها، وكأنها تهرب من شيءٍ يطاردها.
ما إن خرجت من فندق ماريوت حتى لفح وجهها ريحٌ مريرة.
لم يكن برد شتاء بانتيون مجرد قشعريرة عابرة، بل كان بردًا نافذًا يخترق العظام.
وكانت هناك عربة تنتظرها في الخارج، وكأنها أُعدّت مسبقًا.
اقترب أحد الموظفين الذي كان يتبعها بصمت، ثم قال بأدب:
“لقد جُهِّزت العربة من أجلكِ.”
آه…
عندها فقط، وبعد لحظة متأخرة، أدركت فخامة العربة الواقفة أمامها، لم يكن لديها وقت لتسأل أو تستفسر، فصعدت إليها بسرعة.
كل ما أرادته هو مغادرة هذا المكان، أي مكانٍ آخر سيكون أفضل من هنا.
***
كان كاسيان مستندًا إلى النافذة، يقضم سيجارته ببطء.
ومن خلف النافذة الزجاجية الشاهقة في الطابق الأعلى للفندق، كانت أضواء العاصمة تتلألأ أمامه كبحرٍ من النجوم.
أشعل السيجار وأخذ يتأمل الجموع البعيدة.
في مكانٍ ما بينها كانت تلك المرأة.
يوريسييل.
ظلّت عيناه مثبتتين في ذلك الاتجاه طويلًا دون أن تتحركا.
وخلفه، اقترب تيوبه بصمت وانحنى بانضباطٍ معتاد.
“تم تجهيز العربة كما أمرت.”
أومأ كاسيان إيماءة خفيفة.
لم يتغير شيء في ملامحه، راقبه تيوبه بصمت.
ورغم أنه لم يستطع رؤية وجهه بالكامل من مكانه، فإن الجزء الظاهر منه بدا مألوفًا كعادته. كان من الصعب تصديق أن هذا وجه رجل أمضى ليلته الأولى مع امرأة.
فبماذا كان يفكر؟ هل يكنّ لها مشاعر فعلًا؟
أم أنها مجرد نزوة أخرى عابرة؟
لكن أمرًا واحدًا كان مؤكدًا. منذ جزيرة إيبروز البعيدة، كانت تلك المرأة هي الوحيدة التي استطاعت بين الحين والآخر أن تُحدث شرخًا صغيرًا في نظرات سيده الجامدة.
وقد رآها تيوبه بنفسه حين أوصلها إلى العربة. ورغم أنها أخفت معظم وجهها ولفّت نفسها جيدًا، إلا أن جمالها كان مستحيلًا أن يُخطئه أحد.
وبطبيعة الحال، كان ذلك كافيًا لتفسير سبب عدم نسيان سيده لها طوال تلك السنوات.
ومع ذلك، ظل هناك شيء يزعجه. فلم يكن هناك نقص في النساء الراغبات بالاقتراب من كاسيان وحتى لو أصبحت النبيلات خارج الحساب بسبب ترتيبات الخطوبة، فما يزال هناك عدد لا يُحصى من النساء المستعدات للمجيء إليه فور استدعائهن.
ومع ذلك اختار هذه المرأة وحدها.
وربما أمكن تفسير ذلك على أنه مجرد تفضيل شخصي، لكن الغريب حقًا كان المرأة نفسها. طوال وجودها في الفندق، منذ لحظة دخولها وحتى مغادرتها، بدت باردة، بعيدة، منغلقة.
لم تبدُ أبدًا كامرأة جاءت بإرادتها.
فلماذا تدخل امرأة غرفة كاسيان وكأنها أُجبرت على ذلك؟
ولماذا يختار كاسيان الاحتفاظ بامرأة كهذه؟
هل يمكن أن هل يعاني حبًا من طرفٍ واحد؟
لو كان الأمر كذلك، فقد يتحول إلى مشكلة حقيقية.
فالرجل على وشك إعلان خطوبته رسميًا، وربما وقع في حب امرأة أخرى والأسوأ من ذلك، أن يكون حبًا غير متبادل.
لكن عندما نظر مجددًا إلى تعبير سيده، لم يرَ ملامح رجل خرج لتوه من لقاء امرأة يحبها ثم منذ متى احتاج شخص مثل كاسيان إلى المعاناة بسبب حبٍ غير مُجاب؟
وفي النهاية، ذكّر تيوبه نفسه سريعًا بأن الأمر لا يعنيه.
فواجبه الوحيد هو الوقوف إلى جانب سيده وتنفيذ أوامره.
وهكذا تراجع إلى الخلف بصمت، وعاد إلى موقعه كحارس أما كاسيان، فبقي واقفًا مكانه، يراقب الطريق الذي اختفت فيه العربة وفي عينيه الحمراوين كانت أضواء المدينة تمتزج وتدور كألوانٍ مسكوبة على لوحة.
ومع كل وميض، كانت صورة تلك المرأة تطفو مجددًا في ذهنه.
تحت ضوء المصباح الخافت الذي أنار الغرفة بدت جميلة على نحوٍ مؤلم، بل إنه شعر أنه يستطيع قول ذلك حتى من ظلّها وحده.
ربما لهذا السبب لم يستطع نسيانها طوال هذه السنوات.
تحت أشعة الشمس كانت متألقة أما تحت ظلمة الليل العميقة، فكانت آسرة، مفتنة، وكان جسدها يبدو فاحش الجمال إلى حدٍ لا يُحتمل.
تلك المرأة التي كانت تلهث تحته كانت تحمل وجه شخصٍ جُرّ إلى هناك قسرًا وكأنها لم تأتِ بإرادتها، رغم أنها هي نفسها من دخلت الغرفة. وفي كل مرة كانت تبكي بجمالٍ مؤلم وتحاول الابتعاد عنه، كان يكرر الكلمات ذاتها:
〘إن لم تريدي هذا فتوقفي سأدعكِ ترحلين.〙
وبالطبع كان يعلم أنها لن تنطق بتلك الكلمات أبدًا.
وكان يعلم أيضًا أن ما يفعله قذر.
لكن النسخة من نفسه المنعكسة في عينيها المرتبكتين كانت قذرة أصلًا فما جدوى التظاهر بغير ذلك؟
سواء كان رجلًا قاسيًا أو مجرد أحمق آخر فهي من جاءت إليه.
ولم يكن عليه سوى أن يساير اللعبة حتى يفقد اهتمامه بها.
كانت تتشبث به وهي تهمس مرارًا:〘لا، أنا أريد.〙
وكأنها تعترف بأنها زحفت إليه بإرادتها.
كانت ذراعاها تطوقانه بيأس ودموعها تواصل السقوط، متلألئة في الظلام كما كانت هي نفسها. كان مشهدًا حزينًا لكنه لم يشعر بأي شفقة، فلو لم تكن مستعدة لهذا، لما خلعت ثيابها أمامه.
لقد كانت جريئة بما يكفي لتستخدم جسدها سلاحًا، ثم راحت تبكي وكأنها تجهل معنى ما فعلته. وعندما كانت تنظر إليه وكأنه المذنب الوحيد كان شيءٌ ما يلتوي في أعماقه.
لقد ظنّ أنه سيشعر بالرضا وهو يشاهدها تنهار، لكن النتيجة كانت مختلفة، فكل ما حدث هو أن مشاعره ازدادت ظلمة.
وكلما ازداد اعوجاجًا من الداخل ازداد قسوةً عليها.
احتضنها، واستخدمها بلا رحمة، وامتلأت الغرفة بأصوات أنفاسٍ ثقيلة وبكاءٍ متكسر.
ومع كل مرة كانت تمد يدها نحوه حتى وهو يعلم أنها تكذب كان الاشمئزاز الذي يشعر به يتلاشى شيئًا فشيئًا.
سنة واحدة.
هكذا قالت.
سنة واحدة فقط.
وكان فضوليًا، عندما تنتهي تلك السنة ماذا ستختار؟
هل سيظل يلهث خلفها ككلبٍ مسعور، يسحقها بين ذراعيه؟
أم أن اللذة، كما قال شاعرٌ جوال ذات مرة، ستنتهي ببساطة حتى يعجز بعدها عن تذكّر وجهها؟
***
كانت يوريسييل جالسة في العربة كالغائبة عن الوعي، مستندة إلى النافذة، أغمضت عينيها محاولةً تهدئة أفكارها، لكن كلما حاولت إفراغ ذهنها، ازدادت الضوضاء داخله وعندما فتحت عينيها مجددًا، وقع بصرها على شعار بلانشيت. كان محفورًا بدقة على الجدار الداخلي للعربة، حينها فقط أدركت الأمر.
‘إذًا هذه العربة أُرسلت من قبله.’
تذكرت النبلاء المتجمعين أمام فندق ماريوت، وهم يتنافسون على عرباتهم أما العربة التي تجلس فيها الآن، فكانت فاخرة ومهيبة بما يليق بمكانة عائلة بلانشيت.
أكثر ثباتًا وراحةً من أي شيء رأته في حياتها.
وكادت تضحك، فقلبها كان محطمًا، ينبض بجنون. حتى هذه الراحة بدت لها سخريةً أخرى، كانت تعرف جيدًا لماذا أعدّ لها العربة فبالنسبة لرجل مثله، كان مجرد قضاء الوقت مع امرأة مثلها أمرًا مخزيًا وهذه لم تكن سوى وسيلته لإخفائها، لإبعادها عن الأنظار.
ظلّت نظرته الأخيرة عالقة في ذاكرتها كحدّ السكين وفي تلك النظرة لم يكن هناك سوى الاحتقار. وصورتها وهي تتشبث به لا بد أنه ضحك عليها، وهي تلهث وتتوسل، كم بدا له الأمر مسليًا، وهي ترجوه أن ينظر إليها ولو مرة واحدة.
وعندما بكت وهمست له بأنها تحبه بماذا كان يفكر؟
اشتعل قلبها بالمرارة.
لكن الزمن لم يتوقف لأجل ألمها.
خلف النافذة، بدأ الفجر يبسط لونه الشاحب على السماء.
مسحت دموعها المتناثرة، فرأت الخيط الأول من الضوء في الأفق وذلك وحده منحها قدرًا ضئيلًا من الطمأنينة، فكما يسطع الضوء الخافت وسط الظلام ما زال لديها أملٌ واحد، أملٌ أخير.
أدخلت يدها بين ثنيات ثوبها فلامست أصابعها قارورة ذهبية صغيرة، كان شعار بلانشيت منقوشًا بإتقان على غطائها.
فتحتها وتأكدت من محتواها مرة أخرى.
ارتجفت يدها وهي تعيدها إلى مكانها بحرص.
حتى وهو يمنحها الدواء ظل قاسيًا.
فعندما غادر، ألقى القارورة نحوها بلا اكتراث، كما لو كان يرمي مكافأةً لكلبٍ أحسن تنفيذ الأوامر.
ولم يكن ينبغي أن تتفاجأ، فهي توقعت شيئًا كهذا منذ اللحظة التي دخلت فيها الفندق لكن رغم ذلك كلما تذكرت ما حدث، تدفقت دموعها من جديد فراحت تمسح وجهها مرارًا وتكرارًا.
تحاول محو الذكريات.
ولم تُنزل يديها إلا بعدما احمرّت عيناها وتألمتا.
في تلك اللحظة أخبرها السائق أنهم وصلوا، وعندما رأت المبنى المألوف حيث تنتظرها أمها، استعادت وعيها أخيرًا.
ارتجفت ساقاها وهي تنزل من العربة لكنها أجبرتهما على التقدم.
ومع كل خطوة، كان صوت أنفاس والدتها المتعبة يتردد في ذاكرتها بوضوح أكبر.
أسرعت ولم تتوقف إلا عندما بلغت باب الغرفة المظلمة.
دفعت الباب وفتحت الضوء.
“أمي… أمي؟”
في العادة كانت والدتها تستقبلها بابتسامة، لكن هذه المرة لم يكن هناك أحد فهبط قلبها إلى قاع، باردًا وثقيلًا.
وأدركت كم كانت ساذجة حين سمحت لنفسها بالشعور بالارتياح ثم رأت والدتها، كانت ممددة بلا حراك على الأريكة.
اندفعت نحوها ومدّت يدين مرتجفتين لتتحسس جبينها.
البرودة التي لامست أطراف أصابعها جعلت وجهها يشحب فورًا
وعندها انتبهت إلى قطعة قماشٍ حمراء داكنة ملقاة بالقرب منها.
“أمي؟ أمي؟”
لم يأتِ أي رد.
“لماذا ما الذي حدث يا أمي؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.