الفصل 63: 63
63
الفصل الثالث والستون
“لقد كان الجميع بانتظار عودتك. هيا، ادخل الآن.”
واصلت إليز حديثها بصوتٍ رقيق بينما كانا يسيران عبر الممر المؤدي إلى القاعة الكبرى، حيث أُعدّت مائدة عامرة بمختلف الأطباق. كانت مشاعرها طبيعية تمامًا ففي النهاية، مضت ثلاثة أعوام منذ عاد ابنها إلى المنزل.
في السنة الأولى، وصلتها رسالة من الطبيب الذي رافقه إلى جزيرة إيبروز يُخبرها فيها بأن فرص نجاته ضئيلة.
وفي السنة الثانية، تلقت رسائل مشبعة بالاستسلام واليأس.
كادت تلك الأخبار تدفع إليز إلى حافة الجنون.
فقد جرّدها النبأ المفجع بأن العلاجات لم تعد تُجدي نفعًا من كل لونٍ في حياتها.
ومع مرور الوقت، بدأت حتى همسات الخدم والتابعين، التي كانت تُقمع بعناية، ترتفع بين الحين والآخر محمّلة بالشكوك.
أما الآن، فقد عاد ابنها أخيرًا، مستعدًا لإسكات كل تلك المخاوف.
وبجواره، كالعادة، وقف ديفيرون دي بلانشيت، ربّ أسرة بلانشيت، العاديًا ابتسامته الهادئة وهو ينظر إلى ابنه.
كان العشاء العائلي المنتظر منذ زمن طويل يفيض بدفءٍ وسكينة
على الأقل ظاهريًا. وكعادتها، كانت إليز هي من تقود الحديث.
تحدثت عن صدمتها عندما أخبرها الطبيب بحالته، ثم انتقلت للحديث عن الألم الذي مزق قلبها بعد رحيله إلى جزيرة إيبروز. تدفقت كلماتها دون توقف أما كاسيان، فاكتفى بالإنصات بصمت بينما يقطع شريحة اللحم أمامه ويتناولها بملامح خالية من الاهتمام.
لم تكد إليز تلمس طعامها، كانت منشغلة بالكامل بمراقبة ابنها.
لطالما امتلك هالة جادة، لكنها أصبحت الآن أشد بكثير من السابق. كان يبعث حضورًا طاغيًا إلى درجة أن معظم الناس لن يجرؤوا حتى على الاقتراب منه.
وبالنسبة إلى إليز، بدا حقًا السيد المثالي القادم لأسرة بلانشيت.
في الواقع، كان كل شيء قد تحدد منذ زمن بعيد، عندما تجاوز الدوق الراحل نوكتورن، جدّ كاسيان وربّ الأسرة السابق، ابنه الشرعي وورّث ثروة العائلة لحفيده بدلًا منه.
كان الدوق رجلًا يعشق اليقين.
ولم يُخفِ قط خيبة أمله من ابنه المتردد ضعيف الحسم أما كاسيان، فمنذ صغره أظهر عزيمةً صلبة وإرادةً لا تتزعزع، ولذلك حظي بتفضيل الدوق.
وقد غمر الفرح قلب إليز حين انتقلت الوراثة إلى ابنها بدلًا من زوجها. فهي، شأنها شأن كثير من النبيلات، عاشت من أجل ابنها لا من أجل زوجها. ورغم الشائعات التي لاحقت كاسيان خلال سنوات غيابه، ظل مركزه راسخًا. وكان الفضل الأكبر في ذلك يعود إلى إليز.
فشكرت الدوق الراحل في سرها مرة أخرى، ثم عادت إلى تناول طعامها.
ومع تقديم الحلوى، رفعت إليز رأسها من جديد.
“بالمناسبة، لقد طلبت عائلة بيريوت أن نتناول العشاء معهم الأسبوع القادم.”
ولأول مرة خلال الوجبة، شارك ديفيرون في الحديث:
“لقد مضت ثلاثة أعوام منذ بدأت المفاوضات. كان ينبغي أن نرتب هذا اللقاء منذ وقت طويل.”
للمرة الأولى أثناء العشاء، توقفت يد كاسيان عن الحركة.
عائلة بيريوت… أليست تلك عائلة خطيبته؟
ألقت إليز نظرة سريعة على ابنها، الذي لم يُبدِ أي رد فعل، ثم تابعت:
“المركيز حاكم الحدود يحقق نجاحات كبيرة هذه الأيام. لا يبدو الأمر تحالفًا سيئًا. ما رأيك يا كاسيان؟ وإن لم تعجبك هذه العائلة، يمكننا النظر في العروض الأخرى. لقد اخترت بالفعل عدة شابات أراهن مناسبات لك.”
كان واضحًا أن الخطبة ليست سوى تحالف سياسي.
لكن ذلك كان أمرًا متوقعًا فالزواج من فتاة ذات مكانة مناسبة سيجلب منافع كبيرة لأسرة بلانشيت.
وبالطبع، فإن أولئك الذين أرسلوا عروض الزواج لشخص لا يعرفونه أصلًا، لم يكونوا أقل طموحًا منهم.
سواء كانت إحدى الفتيات الموجودات في القائمة المختصرة أو فتاة أخرى لا يتذكر اسمها حتى، فالنتيجة واحدة.
لم يعد هناك سبب لتجنب الزواج.
“لا. افعلي ما ترينه مناسبًا يا أمي.”
عند سماع رده، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي إليز.
بعد ذلك، انتقل الحديث إلى أمور أكثر رسمية، مثل مستقبله بوصفه الوريث القادم للعائلة. تمامًا كما كان الحال قبل ثلاثة أعوام.
ولم يلبث ذلك العشاء العائلي الأنيق والهادئ أن انتهى.
***
عاد كاسيان إلى غرفته عبر الممر الطويل، وملامحه خالية من أي تعبير. كان مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي دخل القصر قبل ساعات.
ولاحظ تيوبه ذلك فورًا.
فكاسيان، الذي بدا وكأنه تغيّر قليلًا خلال رحلته إلى العاصمة، عاد الآن ليصبح كما كان تمامًا في الماضي.
“هل حدث شيء أزعجك أثناء العشاء، سيدي؟”
شيء أزعجه؟
ارتسمت على شفتي كاسيان ابتسامة باهتة ساخرة عند سماع سؤال تيوبه المليء بالقلق.
كان من المثير للسخرية أنه يبدو هكذا للآخرين.
“بالطبع لا.”
“إذًا لماذا تبدو وكأنك عدت إلى شخصيتك القديمة؟”
“أليس من الطبيعي أن أفعل؟ لقد عدت إلى بلانشيت.”
توقف تيوبه لحظة أمام تلك الإجابة الرمزية، لكن كاسيان واصل سيره، اتسعت المسافة بينهما وفي نهاية الممر، فُتح باب ثم أُغلق بصوتٍ خافت.
داخل غرفته، استند كاسيان إلى المقعد وأدار نظره نحو النافذة.
أشعل السيجارة بين شفتيه، ثم أخذ نفسًا طويلًا بطيئًا.
ومع تصاعد الدخان، بدأت صورة فتاة تتشكل أمام عينيه.
جسدها الصغير المرتجف وعيناها المملوءتان بالخوف.
أصبحت الذكرى أكثر وضوحًا شيئًا فشيئًا ثم أخيرًا، ارتفع اسمها إلى سطح أفكاره، متجمعًا في داخله كشيء مرير وثقيل.
تحوّل إلى سمٍّ يسري في صدره.
أطلق زفيرًا بطيئًا، كأنه يحاول إخراج ذلك الاسم مع الدخان لكن الاسم ظل عالقًا على طرف لسانه طويلًا.
ومع انقشاع السحب الكثيفة من الدخان، كانت آخر خيوط الغروب تمتد بعيدًا عبر السماء.
إنها الساعة التي تبدأ فيها الظلال بابتلاع الأرض.
***
حتى وقت متأخر من الليل، بقيت أضواء مكتب الإدارة مشتعلة.
وكالعادة، كانت يوريسييل آخر من يغادر.
في البداية، اعتبرها الآخرون مصدر إزعاج.
كانوا يخشون أن تتفوق عليهم لكن الأمور تغيّرت منذ ذلك الحين.
فبمجرد أن أدركوا وجود سقفٍ زجاجي يستحيل عليهم تجاوزه، لم يعودوا ينظرون إليها بحسد أو ريبة بل أصبحوا يشفقون عليها.
قطّب فينسنت حاجبيه وهو يحدق في الضوء الخافت المتسرب من المكتب.
هل ما زالت تعمل على مشروع جهاز التتبع الذي أوكله إليها؟
حتى الآن، لم يكن يفكر كثيرًا في الجهد الذي تبذله يوريسييل.
فهو من النوع الذي يؤمن بعدم التدخل في شؤون الآخرين.
ولم يكن من طبعه أن يتدخل أو يهتم أكثر من اللازم.
وإذا اختارت أن تعمل بهذه الطريقة من تلقاء نفسها، فمهما بدا الأمر عنيدًا أو مفرطًا، لم يكن ذلك شأنًا يخصه.
أمثالها عليهم أن يتحملوا نتائج خياراتهم بأنفسهم.
حتى حين أسند المشروع إلى يوريسييل، وهي ما تزال موظفة في عامها الثالث، لم يكن الأمر يعني له الكثير.
صحيح أن هناك من ثرثر وانتقد قراره، لكنه كان قادرًا على التعامل مع ذلك وفوق كل شيء، كانت دائمًا تقدم نتائج ممتازة بل إن المشروع الذي وصفه الجميع بالمستحيل قد ينجح فعلًا لأنه بين يديها، لكن منذ أن كلفها به، بدأ يشعر بانزعاج غريب.
خصوصًا عندما يرى نور مكتبها يظل مشتعلًا ليلًا بعد ليل.
وفي اليوم التالي ثم اليوم الذي يليه لم ينطفئ الضوء قط.
وكعادته، كان فينسنت ينتظر حتى ينطفئ أخيرًا.
ثم، عندما يسكن الليل، يتبعها من بعيد ويتأكد من دخولها إلى مبنى السكن بأمان. لم يكن هناك سبب حقيقي لذلك لكنه لم يستطع التخلص من الشعور بأنه إذا أصابها مكروه بسبب مهمة أوكلها إليها، فلن يستطيع النوم مجددًا مع أن نومه لم يعد هادئًا أصلًا منذ اختفائها في السابق.
وفي نهاية ليلة أخرى، نظر فينسنت إلى الوثائق الموضوعة أمامه.
“هذا الملف يتضمن بيانات حول الفوائد المستقبلية التي سيحققها جهاز التتبع للإمبراطورية أما هذا الملف فيحتوي على الأدلة الإحصائية الداعمة.”
ومع صوت تقليب الصفحات، ظهرت أمامه حصيلة عمل يوريسييل المكتمل.
أخذ يقلب التقارير بصمت، ورغم أنها كانت تتحدث دائمًا بنبرة جافة، فإن جداولها وإحصاءاتها كانت دقيقة ومنظمة ومتكاملة.
والأكثر إثارة للإعجاب أنها ملأت النماذج الإدارية القديمة والمليئة بالتعقيدات الرسمية دون أي خطأ.
لا بد أنها قضت ليالي طويلة تفكر وتقلق بشأن كيفية إنجاز كل شيء على الوجه الصحيح.
ولأول مرة، شعر فينسنت بالفضول تجاهها.
“هل تنامين أصلًا؟”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه دون أن يشعر.
“نعم.”
جاء جوابها مقتضبًا، ثم عادت إلى ملامحها الهادئة المعتادة، وكأن تلك الابتسامة لم تظهر أصلًا، لكن، وكما في كل مرة، استطاع أن يرى القلق الكامن خلف هدوئها.
“هل يوجد خطأ ما في الوثائق؟”
لقد بذلت كل ذلك الجهد، ومع ذلك ما زالت تبدو متوترة.
شعر فينسنت بإحساس غريب وغير مريح يتصاعد في صدره.
هل أصبحت هكذا بسبب العدد الكبير من الأشخاص الذين طردهم قبلها؟
كلما فكر في الأمر أكثر، ازداد اقتناعًا بأنه سبب تلك النظرة التي تظهر على وجهها لذلك توقف عن التفكير تمامًا.
وعندما تذكر الوجوه الغاضبة والمتعجرفة لأولئك الذين كانوا يقدمون تقارير رديئة ثم يقتحمون مكتبه ساخطين بعد رفضها، بدت يوريسييل أكثر إثارة للإعجاب.
ليس بسبب كفاءتها فحسب، بل بسبب شخصيتها أيضًا.
“سأنتهي من مراجعة التقرير. يمكنكِ العودة إلى المنزل اليوم.”
“ماذا…؟”
نظرت إليه يوريسييل بحيرة واضحة.
تنهد فينسنت.
لقد شعر حقًا أنه مدير سيئ.
“لم أعد أرغب في رؤية عينيكِ المتعبتين تحدقان في الأوراق أكثر من ذلك.”
“آه… أنا آسفة.”
آسفة؟ عمَّ تعتذر؟
لكن حتى وهي تقول ذلك، بدأت ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها واختفى ذلك التعب الباهت من وجهها، وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
معظم الناس يفرحون عند انتهاء دوام العمل أما هي، فربما لا تعرف أصلًا كيف تستمتع بشيء كهذا.
كان قد سمع ذات مرة أن والدتها تقيم معها في السكن.
وإذا كانتا قد عاشتا كل هذه المدة داخل تلك الغرفة الصغيرة، فلا بد أن حياتهما لم تكن سهلة وربما لهذا السبب تعمل بكل تلك القسوة على نفسها.
حتى لا تُطرد، لا من هنا ولا من أي مكان آخر.
“خذي ذلك معكِ وأنتِ في طريقكِ للخروج.”
أدارت يوريسييل رأسها ببطء نحو المكان الذي أشار إليه فينسنت.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.